تدركُ إيرانُ جيداً أنَّ الحربَ إن وقعت ستكونُ حربَ طائراتٍ وصواريخ، وليست حربَ إسقاطِ نظامٍ واحتلالِ بلدٍ كما حصل للعراقِ عام 2003؛ لذا فإنَّ قوةَ الردعِ الإيرانية المتوفرة وقدرتها على توسيعِ رقعةِ الصراع، تجعلُ قرارَ الحربِ الذي يلوحُ به ترمب كفيلاً بإحراقِ مصالحِ واشنطن في المنطقة قبل غيرها...

المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأمريكا تحمل رغبةً إيرانيةً بتجاوز الحرب، تقابلها رغبة أمريكية بالضغط الإعلامي وحشد القوات الأمريكية في عرض البحر؛ وصولاً ليس لاتفاق يرضي الطرفين، بل لقبول طهران بما تفرضه واشنطن ومن خلفها تل أبيب حول عدة ملفات، في مقدمتها الملف النووي والصواريخ الباليستية وأذرع إيران في المنطقة. وفي آخر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مؤتمر مجلس السلام الذي انعقد يوم 19 شباط الجاري، وضع سقفاً زمنياً لإنجاز الاتفاق يتمثل بـ 15 يوماً، وهو ما يعني ضمناً منع طهران من تمديد وقت المفاوضات إلى أطول فترة ممكنة، وهو بالتالي ما يدفع بالحلول العسكرية للمقدمة، خاصة في ظل اكتمال الحشود العسكرية الأمريكية.

وبالتالي، نجد أن الرئيس الأمريكي يحاول إنهاء الملف الإيراني في فترة وجيزة من خلال الفترة الزمنية التي حددها تحت ضغط عسكري وتصريحات يعتبرها البعض مقدمة حرب. وفي الجانب الثاني، نجد إيران بالمقابل مستعدة للمسارين؛ سواء المفاوضات أو مواجهة عدوان أمريكي صهيوني مشترك، من شأنه إن وقع أن تكون مساحته كبيرة تتعدى إيران لتصل إلى تل أبيب والقواعد العسكرية الأمريكية التي تقع ضمن مرمى الصواريخ الإيرانية. وبالتالي نجد أنه حتى واشنطن تدرك هذا جيداً، مما جعلها تتقبل محاولات دول المنطقة، لا سيما الخليج، بثني إدارة “ترمب” عن قرار الحرب وترجيح كفة المفاوضات من أجل الوصول إلى اتفاق يجنب المنطقة ويلات حرب مدمرة.

من هنا كان الحوار مع طهران عبر جولتي مسقط وجنيف، اللتين تشير الكثير من الأنباء عن وجود أوراق تفاهم وأجواء إيجابية فيهما، وهو ما صرح به المفاوضان الإيراني والأمريكي، لكن “ترمب” ما زال يغرد عن الحرب وكأنه يحاول نسف طاولات المفاوضات.

وإذا ما أردنا مراجعة المطالب الأمريكية المطروحة على طاولة المفاوضات، سنجد أن المطلب الأمريكي الأول هو تفكيك البرنامج النووي الإيراني أو القبول بتخصيب سلمي تحت إشراف دولي، فيما نجد المطالب الأخرى المتمثلة بالصواريخ وأذرع إيران هي مطالب صهيونية أدرجتها حكومة نتنياهو، وهو ما يعبر عن مخاوفها الحقيقية، خاصة وأنها تعرضت لموجات صواريخ إيرانية في حرب حزيران الماضي.

وهذا يعني أن الكيان الصهيوني يسعى لإفشال المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وترجيح كفة العمل العسكري ومغادرة طاولة المفاوضات، وربما هذا ما دفع الرئيس الأمريكي لأن يعلن مدة نهائية لتوقيع الاتفاق، مما يعني ضمناً وضع إيران أمام الخيار الصعب المتمثل بالاستجابة للمطالب أو الحرب التي اكتملت أركانها في البعد العسكري عبر حشود حاملات الطائرات وملحقاتها، أو عبر تهيئة الرأي العام الأمريكي والعالمي لهذه الحرب.

وبالتأكيد، فإن قدرات إيران العسكرية قادرة على الرد بقوة وربما بشكل مؤلم، سواء للقوات الأمريكية وقواعدها المنتشرة ضمن مرمى الصواريخ الإيرانية، أو عبر ضرب العمق الصهيوني الهش جداً والمنهك من حرب طويلة لم تنتهِ بعد. ومن الجانب الآخر، تدرك إيران جيداً أن الحرب إن وقعت ستكون حرب طائرات وصواريخ، وليست حرب إسقاط نظام واحتلال بلد كما حصل للعراق عام 2003، وبالتالي قوة الردع الإيرانية متوفرة وإمكانية توسعة رقعة الحرب لدول المنطقة قائمة في ظل وجود أهداف أمريكية فيها. لهذا نجد أن قرار الحرب الذي يلوح به الرئيس الأمريكي من شأنه أن يُحرق المنطقة، وفي مقدمتها مصالح أمريكا قبل غيرها.

اضف تعليق