الدولةُ القائمةُ على الاستيلاءِ هي تلك التي تتكوّنُ سلطتها عبر منطقِ الغلبةِ والسيطرة، ثم تستمرُ في إدارةِ المجالِ العام بذهنيةِ الاستحواذِ لا بذهنيةِ الرعايةِ الحضارية؛ فالدولةُ لا تكونُ فيها إطاراً مؤسسياً محايداً، بل ساحةَ نفوذٍ تدارُ مواردها وفق ميزانِ القوةِ لا وفق ميزانِ الكفاءةِ أو العدالة...
يُعدّ فهم أنماط تشكّل الدولة مدخلًا ضروريًا لأي مشروع إصلاحي جاد، لأن الخلل في النتائج غالبًا ما يكون امتدادًا لخللٍ في لحظة التأسيس أو في منطق التشغيل. ومن بين الأنماط التي برزت بقوة في تجارب عديدة ما يمكن تسميته نموذج الدولة القائمة على الاستيلاء، وهو نموذج يفسّر كثيرًا من مظاهر الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عدد من البلدان المعاصرة.
أولاً: ماهية الدولة القائمة على الاستيلاء
الدولة القائمة على الاستيلاء هي تلك التي تتكوّن سلطتها العليا عبر منطق الغلبة والسيطرة، ثم تستمر في إدارة المجال العام بذهنية الاستحواذ، لا بذهنية الرعاية الحضارية للمجتمع. وفي هذا النموذج لا تكون الدولة إطارًا مؤسسيًا محايدًا يخدم الصالح العام، بل تتحول تدريجيًا إلى ساحة نفوذ تتنافس عليها القوى المنظمة، وتُدار مواردها وفق ميزان القوة لا وفق ميزان الكفاءة أو العدالة. إن نقطة البدء هنا حاسمة؛ فحين تنشأ السلطة من الاستيلاء، تميل البنية اللاحقة إلى إعادة إنتاج منطق الاستحواذ في السياسة والاقتصاد والإدارة، مما يخلق مسارًا بنيويًا يصعب كسره لاحقًا.
ثانياً: السمات البنيوية للنموذج
تظهر الدولة القائمة على الاستيلاء عبر مجموعة من الخصائص المتلازمة. أولها، شرعية الغلبة، حيث تستمد السلطة ثقلها من قدرتها على الإمساك بمفاصل القوة، لا من سلامة التفويض الشعبي المؤسسي، فيضعف الشعور العام بملكية المجتمع للدولة. وثانيها، تحول الدولة إلى غنيمة، إذ تميل النخب المهيمنة إلى توزيع المناصب والموارد وفق شبكات الولاء السياسي أو الحزبي أو الطائفي، فتتراجع فكرة المصلحة العامة. وثالثها، تسييس المؤسسات، حيث تفقد الأجهزة الإدارية والأمنية والاقتصادية حيادها المهني، وتُعاد صياغتها بما يخدم ميزان القوة القائم. ورابعها، هشاشة سيادة القانون، لأن القانون في هذا السياق يصبح أداة مرنة بيد السلطة، يُفعَّل أو يُعطَّل تبعًا للمصلحة السياسية. وخامسها، الارتباط البنيوي بالاقتصاد الريعي، إذ يسهّل الريع عملية السيطرة على الموارد وإعادة توزيعها زبائنيًا، مما يضعف الحافز الإنتاجي في المجتمع.
ثالثاً: الآثار الحضارية العميقة
من منظور المركب الحضاري، لا يقف أثر نموذج الاستيلاء عند حدود السياسة، بل يمتد إلى البنية الحضارية كلها. فعلى مستوى الإنسان، يتآكل رصيد الثقة والانتماء، ويتحوّل المواطن من شريك في الدولة إلى متلقٍ للمنفعة أو ضحية للإقصاء. وعلى مستوى الأرض، تسوء إدارة الموارد وتزداد كلفة الهدر والفساد. وعلى مستوى الزمن، يتعطل التخطيط الاستراتيجي طويل المدى لصالح إدارة يومية قصيرة النفس. أما على مستوى العلم والعمل، فتتراجع الكفاءة أمام منطق الولاء، فتضعف الإنتاجية وتتضخم البيروقراطية الريعية. وهكذا تتكوّن دولة قد تبدو متماسكة أمنيًا، لكنها تعاني هشاشة حضارية عميقة.
رابعاً: لماذا يستمر هذا النموذج؟
تكمن خطورة الدولة القائمة على الاستيلاء في قدرتها على إعادة إنتاج نفسها عبر ثلاث آليات رئيسية. الأولى، شبكات المصالح التي تتكوّن حول مركز السلطة وتصبح مع الوقت طبقة مستفيدة من بقاء الوضع القائم. الثانية، الاقتصاد الريعي الذي يخفف الضغط المجتمعي قصير المدى عبر التوزيع، لكنه يرسّخ الاعتماد على الدولة بدل تمكين المجتمع. الثالثة، ضعف البديل المؤسسي، إذ قد تعجز القوى الإصلاحية عن تقديم نموذج متماسك قادر على تفكيك بنية الاستحواذ دون إدخال الدولة في فوضى.
خامساً: أفق التحول نحو الدولة الحضارية الحديثة
إن الانتقال إلى الدولة الحضارية الحديثة لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص، بل يتطلب تفكيكًا منهجيًا لبنية الاستيلاء وإعادة تأسيس الشرعية على ثلاثة مرتكزات متكاملة: سيادة القانون، والمؤسسات المحايدة، والاقتصاد الإنتاجي. فالتحول الحقيقي يبدأ حين تنتقل الدولة من منطق السيطرة إلى منطق التمكين، ومن إدارة المجتمع بوصفه مجال نفوذ إلى اعتباره شريكًا في البناء الحضاري، ومن توزيع الريع إلى إطلاق طاقات الإنتاج.
خاتمة
إن نموذج الدولة القائمة على الاستيلاء يمثل طورًا انتقاليًا مضطربًا في مسار تشكّل الدولة الحديثة، لكنه يتحول إلى مأزق مزمن حين يفشل المجتمع في تجاوزه. ومن هنا فإن أي مشروع نهضوي جاد لا بد أن يضع تفكيك هذا النموذج في صلب أولوياته، لأن بناء الدولة الحضارية الحديثة يبدأ أولًا بتحرير الدولة نفسها من منطق الاستيلاء.



اضف تعليق