إن خطورةَ الظاهرةِ تكمنُ في أن يصبحَ الخرقُ ممارسةً معتادةً يُتعايشُ معها وتُبررُ تحت مسمياتٍ مختلفة، حيثُ يتراجعُ الالتزامُ الدستوري من واجبٍ قانوني إلى خيارٍ سياسي يخضعُ لمعادلاتِ الربحِ والخسارة؛ لذا فإنَّ الإصلاحَ يبدأُ بالاعترافِ بأنَّ أزمةَ الدولةِ هي أزمةُ تطبيقٍ لا أزمةُ تشريع...
لا تكمن أزمة الدولة العراقية في جوهرها في نقص النصوص الدستورية أو غموضها، ولا في ضعف البناء القانوني المنظم للعلاقة بين السلطات، بقدر ما تتمثل في الخلل المزمن في إنفاذ تلك النصوص وتحويلها من قواعد ملزِمة إلى أحكام قابلة للتعليق والتجاوز تبعاً لموازين القوة والظرف السياسي. فالدستور بوصفه العقد الأعلى للنظام السياسي والقانوني لا يستمد قيمته من وجوده الشكلي أو من سموه النظري، بل من قدرته العملية على ضبط السلوك السياسي والمؤسسي وترجمة مبادئه إلى واقع ملزم في إدارة الدولة.
لقد كشفت الأزمات السياسية المتعاقبة لا سيما في مراحل تشكيل الحكومات وتداول السلطة، عن نمط متكرر من التعاطي الانتقائي مع الأحكام الدستورية، حيث تفسر النصوص وفق مقتضيات التوافقات السياسية لا وفق منطق الدولة القانونية، وتجمد تحت ذرائع الضرورة والاستثناء والمرحلة الانتقالية. وقد أدى هذا النمط إلى إضعاف مبدأ سيادة القانون وإنتاج بيئة مؤسسية رخوة تتراجع فيها معايير الحوكمة الرشيدة وتضعف فيها منظومات الرقابة والمساءلة.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في غياب النصوص، فالكثير من المواد الدستورية ذات الصلة بإدارة السلطة واضحة في صياغتها ومقاصدها، بل يكمن في غياب الإرادة السياسية والمؤسسية لتحويلها إلى قواعد نافذة غير قابلة للتعطيل. وقد أسهم ذلك في ترسيخ ثقافة سياسية ترى في النص الدستوري أداة تفاوض لا مرجعية إلزامية، وهو ما أفرز ممارسة سياسية قائمة على التكيف مع الخرق بدل معالجته. ومع مرور الوقت تحولت هذه الممارسة إلى نمط مألوف داخل النظام السياسي، وأسهمت في إضعاف الثقة المجتمعية بالمؤسسات وترسيخ قناعة عامة بأن القواعد القانونية خاضعة لإرادة الفاعلين السياسيين لا العكس. ونتيجة لذلك تراجعت فعالية أدوات الرقابة البرلمانية، وضعفت آليات المساءلة وتحولت العديد من الإجراءات الدستورية إلى مظاهر شكلية لا تفضي إلى نتائج حقيقية.
وفي إطار المواد الدستورية ينص المادة (47) على مبدأ الفصل بين السلطات، مؤكدة استقلال السلطتين التشريعية والتنفيذية عن بعضهما البعض. لكن الممارسة السياسية كشفت عن تآكل هذا المبدأ حيث تحولت العلاقة بين المؤسسات الدستورية إلى علاقة تفاوض سياسي أكثر منها التزاماً قانونياً. كما تعد المادة (61) من الركائز الأساسية لضمان التوازن المؤسسي إذ حددت صلاحيات مجلس النواب في الرقابة والتشريع، إلا أن تعطيل جلسات المجلس أو إخضاع قراراته للتوافقات الحزبية أفقد هذه المادة مضمونها العملي وحولها إلى نص معلق على الإرادة السياسية لا على حكم القانون.
في السياق ذاته منحت المادة (93) للمحكمة الاتحادية العليا صلاحيات تفسير النصوص الدستورية والرقابة على دستورية القوانين وهي تشكل صمام أمان دستوري إلا أن غياب المبادرة القانونية وتسييس النزاعات وتردد الفاعلين السياسيين في اللجوء إليها، حدّ من دورها الوقائي والعلاجي وفتح المجال أمام تأويلات متضاربة تخدم مصالح أطراف بعينها. كذلك توضح المادة (76) المتعلقة بتكليف رئيس مجلس الوزراء كيف تحول النص الدستوري إلى أداة تفاوض، حيث أصبح تفسير "الكتلة الأكبر" يخضع للظروف السياسية لا لمعايير قانونية ثابتة الأمر الذي أسهم في إطالة أمد تشكيل الحكومات وتعميق الأزمات.
تكشف التجربة السياسية العراقية أن الأزمات المتكررة لم تكن نتيجة غياب النصوص بل نتيجة ضعف الالتزام بها. فقد وضعت المادة (64) الخاصة بحل مجلس النواب، والمادة (81) المتعلقة بحالات شغور منصب رئيس الوزراء لمعالجة الظروف الاستثنائية، إلا أن تطبيقها غالباً ما يتم وفق منطق التسويات السياسية لا وفق مقتضيات الدستور ما أفرغ مفهوم الشرعية من محتواه الحقيقي وجعل الاستقرار السياسي مرهوناً بالتفاهمات لا بالمؤسسات.
ويتجلى أثر هذا الخلل بوضوح في المجالين المالي والإداري، حيث يصبح غياب الاستقرار الدستوري بيئة مناسبة لتنامي الفساد وغسيل الأموال واستنزاف الموارد العامة. فحين تتراجع سلطة النص وتضعف هيبة القانون تصبح المؤسسات أقل قدرة على ضبط التدفقات المالية وأضعف في ملاحقة الأنشطة غير المشروعة وأكثر قابلية للتأثر بالضغوط السياسية والاقتصادية. وعندما يفرغ الدستور من مضمونه الإلزامي تتراجع فعالية القوانين المرتبطة بالنزاهة والشفافية وتفقد الهيئات المختصة استقلالها العملي، حتى وإن احتفظت به شكلياً ليصبح الفساد سلوكاً بنيوياً متجذراً.
إن ضعف تفعيل المسار القضائي الدستوري أسهم كذلك في تعميق الأزمة، إذ إن غياب المبادرة القانونية وتسييس النزاعات وتردد الفاعلين السياسيين في اللجوء إلى القضاء حدّ من الدور الوقائي للمؤسسات القضائية وحال دون تحويلها إلى أداة فاعلة لضبط التوازن المؤسسي وحماية القاعدة العليا.
كما أظهرت التجربة العراقية أن إدارة الأزمات غالباً ما تتم خارج الإطار الدستوري عبر حلول استثنائية وتفاهمات ظرفية تسوق بوصفها ضرورة مرحلية، لكنها تكرس سابقة خطيرة في التعامل مع النصوص العليا. هذه الحلول وإن خففت من حدة التوتر مؤقتاً إلا أنها أضعفت هيبة الدستور على المدى البعيد وشجعت على تكرار الخروج عليه في كل أزمة جديدة. ومع تراكم هذه الممارسات تتحول الاستثناءات إلى قاعدة غير مكتوبة ويتراجع الالتزام الدستوري من واجب قانوني إلى خيار سياسي يخضع لمعادلات الربح والخسارة، وهنا تتجلى خطورة الظاهرة إذ يصبح الخرق ممارسة معتادة يتعايش معها وتبرر تحت مسميات مختلفة.
إن معالجة هذا الخلل البنيوي لا يمكن أن تتحقق عبر تعديل النصوص أو إنتاج تشريعات جديدة فحسب، بل تتطلب إعادة بناء ثقافة دستورية قائمة على الامتثال والالتزام والمساءلة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن أزمة الدولة هي أزمة تطبيق لا أزمة تشريع وأن بناء دولة القانون لا يتم عبر الخطاب السياسي وحده، بل عبر تحويل القواعد العليا إلى مرجعيات عملية غير قابلة للتعطيل. ويستلزم ذلك تفعيل أدوات الرقابة الدستورية ضمن حدود اختصاصها وتعزيز استقلال القضاء، وتحصين المؤسسات الرقابية من الضغوط السياسية وربط سياسات مكافحة الفساد بإصلاحات مؤسسية شاملة، وتطوير منظومة الامتثال المالي وفق المعايير الدولية وترسيخ وعي مجتمعي بدور الدستور كضمانة للحقوق والحريات.
الاستنتاجات والتوصيات
إن أزمة العراق الراهنة ليست مجرد انسداد سياسي أو فراغ تشريعي بل أزمة التزام مؤسسي بثقافة الدولة القانونية. فغياب الإنفاذ الدستوري لم ينتج فقط اختلالاً في توازن السلطات، بل أسهم في إضعاف منظومة الحوكمة وتهيئة بيئة خصبة للفساد وغسيل الأموال وتراجع ثقة المواطن بالدولة. ومن هنا تبرز التوصيات العملية:
1. إعادة الاعتبار للقاعدة العليا: الالتزام الصارم بالدستور في كل مستويات الدولة دون استثناء.
2. تفعيل أدوات الرقابة القضائية والدستورية: ضمان تدخل المؤسسات ضمن اختصاصها في معالجة الخروقات بشكل فاعل وشفاف.
3. تعزيز استقلال الهيئات الرقابية ومكافحة الفساد: ربط سياسات مكافحة الفساد وإدارة الموارد العامة بإصلاحات مؤسسية ومراجعة مستمرة.
4. ترسيخ ثقافة الامتثال المؤسسي: تدريب الكوادر على الالتزام بالنصوص العليا وتحويلها إلى ممارسة يومية.
5. حماية المجتمع من الانهيار المؤسسي: ربط القرارات السياسية بالقوانين الدستورية لتقليل القرارات الطارئة والتسويات السياسية.
إن أي مسار إصلاحي جاد لا بد أن ينطلق من تحويل احترام الدستور إلى ممارسة يومية لا شعاراً ظرفياً، وبذلك فقط يمكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة قانونية قوية ومستقرة، قادرة على مواجهة التحديات وحماية المال العام وإدارة الأزمات بكفاءة وشفافية.



اضف تعليق