يُعد مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية من الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي المعاصر، وقد كرّسته المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، بوصفه ضمانة لحماية استقلال الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها السياسي دون إكراه أو وصاية خارجية...
يُعد مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية من الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي المعاصر، وقد كرّسته المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، بوصفه ضمانة لحماية استقلال الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها السياسي دون إكراه أو وصاية خارجية.
وعليه فإن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمتعلقة بالمطالبة بتغيير شخصيات سياسية عراقية بعينها، ومن بينها الدعوة إلى إقصاء السيد نوري المالكي، تثير إشكاليات قانونية ودستورية بالغة الخطورة، تستوجب التوقف عندها وتحليلها بعيداً عن الاصطفافات السياسية، ومن زاوية قانونية بحتة منها:
أولاً: مبدأ عدم التدخل في القانون الدولي تنص المادة (2/7) من ميثاق الأمم المتحدة على أنه: (ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما). وإذا كان هذا القيد موجهاً إلى المنظمة الدولية، فمن باب أولى أن ينسحب على الدول منفردة؛ فإن أي مطالبة خارجية بتغيير أشخاص أو مسارات سياسية داخل العراق تمثل خرقاً صريحاً لمبدأ عدم التدخل، بغض النظر عن المبررات أو الذرائع السياسية.
ثانياً: الإطار الدستوري العراقي وآليات التغيير السياسي فقد حدد الدستور العراقي لسنة 2005 آليات التداول والتغيير السياسي بشكل واضح، وجعل من الانتخابات ومجلس النواب والقضاء والرقابة الدستورية، السبل الشرعية الوحيدة لمساءلة أو تغيير القيادات السياسية، ولا يمنح الدستور، نصاً أو ضمناً، أي مشروعية لتدخل خارجي في هذا المسار. وعليه، فإن أي محاولة للتأثير على الاتفاقات السياسية العراقية من خارج الإطار الدستوري تُعد انتهاكاً مباشراً لسيادة الدولة وإرادة الشعب.
ثالثاً: خطورة تخصيص الاستهداف السياسي وبالاسم إن توجيه الدعوة من دولة أجنبية لتغيير شخصية سياسية عراقية محددة بالاسم: يمس مبدأ استقلال القرار الوطني، ويحوّل الخلافات الداخلية إلى أدوات صراع دولي، ويخلق سابقة خطيرة في العلاقات الدولية مفادها أن الشرعية السياسية تُمنح أو تُسحب بقرار خارجي، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ويهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي، لا سيما في الدول التي تمر بمرحلة بناء مؤسساتها كالعراق.
رابعاً: التدخل السياسي بوصفه ضغطاً غير مشروع لم يعد التدخل في الشؤون الداخلية مقتصرًا على الوسائل العسكرية أو الاقتصادية، بل اتسع ليشمل: التصريحات السياسية الموجهة والضغوط الإعلامية، والتهديد أو الابتزاز السياسي غير المباشر. وتُعد هذه الأفعال، متى ما استهدفت التأثير على القرار السيادي الداخلي، أشكالاً من التدخل غير المشروع وفق الفقه القانوني الدولي المعاصر.
خامساً: المسؤولية الوطنية والمجتمعية إن رفض التدخل الخارجي مسؤولية وطنية، وحماية السيادة العراقية مسؤولية جماعية، تتطلب وعياً قانونياً، خطاباً وطنياً متزناً، ورفضاً واضحاً لأي وصاية خارجية، مهما كان مصدرها ومن قبل جميع المؤسسات والمنظمات المهتمة بالشأن العراقي.
خاتمة إن الدعوات الصادرة من خارج العراق لتغيير قياداته السياسية تمثل تجاوزاً خطيراً على مبدأ السيادة، وتتناقض مع قواعد القانون الدولي والدستور العراقي على حد سواء. ويبقى الأساس في بناء الدولة هو احترام إرادة الشعب، والاحتكام إلى الدستور، وصون القرار الوطني بعيداً عن أي تدخل أو إملاء خارجي. وعلى الشعب أن يعي خطورة ذلك التدخل ولا يكون أداة لإرادات خارجية مما يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه من نشر ثقافات توائم سياستهم الخارجية، المخالفة لسياستنا الداخلية.



اضف تعليق