إنَّ إضعافَ العربِ والمسلمينَ استراتيجيةٌ ثابتةٌ، وما الانحناءُ أمامَ العاصفةِ إلا كبسولةٌ مسكنةٌ ترحّلُ الألمَ للقادمِ من الأيامِ. يدركُ العدوُّ أنَّ كسرَ إرادةِ الشعوبِ وعقيدتِها أصعبُ بكثيرٍ من التلاعبِ بالحكوماتِ، لذا يسعى لتجريدِ مكامنِ القوةِ بذريعةِ تقويةِ الدولةِ، بينما الحقيقةُ هي الرغبةُ في بلدٍ بلا أنيابٍ أمامَ مشروعِ التمددِ الصهيونيِّ...
لا يعرف المرء ماذا يكتب في أجواء العاصفة التي تضرب بلداننا، فكل الكلام قيل، وقلبت الأمور على وجوهها المختلفة، ولا أظن هناك حاجة للقول: إلى أين نحن ذاهبون، فالوقائع تؤكد أن مصيرنا يكاد يكون مجهولاً، أو قل مظلماً إذا أردت الوقوف على الحقيقة المرة، لكن من بيدهم القرار يرون أن الانحناء أمام العاصفة تدبير رشيد في وقتنا الراهن، لكنه ككبسولة مسكنة، تريحك لبعض الوقت، بينما يرحّل الألم للقادم من الأيام.
كنا قلنا مراراً أن الأمريكان ينظرون إلينا بعيون صهيونية، وعيون الصهاينة تتطلع إلى إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، لذلك لا يريدون لأي بلد عربي أو إسلامي من تلك القريبة من إسرائيل أن يكون قوياً، سواء أكان هذا البلد تربطه بهما علاقات ودية أم غير ودية، الاحتمال الذي وضعوه في الحسبان أن أصدقاء اليوم قد يكونوا أعداء الغد، ولذا لا بد من تدميرهم بشتى الذرائع، وهذا ما يحدث لإيران الآن، ولذلك ليس بعيداً اليوم الذي تلتف فيه الدوائر على تركيا ومصر، وسيتركان لوحدهما يواجهان العاصفة أيضاً كما تُرِكت إيران وحيدة في عالم ينأى بنفسه أو يجامل الأقوى حفاظاً على مصالحه.
انظروا لواقعنا العربي مَنْ الذي بمقدوره المساندة، وهل نملك القدرة والإمكانيات لذلك، وهل يضحي الذين ينعمون بالرفاهية حالياً لعيون مصر أو تركيا؟ إن إضعاف العرب والمسلمين استراتيجية ثابتة، ولن تنتهي إلا بتجول الصهاينة في مدننا المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرهما، هذا الكلام معروف وليس فيه جديد، كما هو معروف لماذا وصل حالنا إلى ما هو عليه من تردٍ وانحدار، والسؤال الذي تقتضيه الحاجة: مَنْ الذي يتصدى لهذه الاستراتيجية؟.
ومع أن مواجهة حالة الانحدار لن تكون إلا من خلال الدولة، وأن حصر السلاح بيدها ضرورة قصوى لتتمكن من بسط نفوذها وسيطرتها وإنفاذ القانون، واتخاذ قرارات الحرب والسلام، وأن خراب الدول يكمن في تشكل المليشيات وامتلاكها السلاح ومصادرة أدوار الدولة.
وهنا يتبادر السؤال: لماذا يطالب الكيان الصهيوني بمصادرة سلاح الجهات المسلحة في لبنان والعراق؟، وهل تأتي هذه المطالبة من أجل تقوية الدولتين؟، بالتأكيد لا، بل هو يدرك تماماً أن السيطرة على الجهات التي ترفع شعار المقاومة أمراً صعباً، على العكس من الحكومات التي تفتقد جيوشها إلى العقيدة العسكرية الراسخة التي تمكنها من الصمود أمام العدو، والاستعداد للتضحية مهما كانت الأثمان، فضلاً عن إمكانياتها الضعيفة قياساً بما يمتلكه العدو، وهشاشة بعض قادتها الذين يمكن التنسيق معهم أو تهديدهم، ولذلك بمقدوره التلاعب بالحكومات كيفما يشاء سياسياً، وإن تعذر فبالاغتيال، وبالقوة المفرطة إن اقتضى الحال.
وأوضح الأمثلة: عدم صمود فرق عسكرية مدججة بالسلاح بقيادات عسكرية رفيعة أمام بضع مئات من مسلحي داعش ليحتلوا ما يقرب ثلث مساحة العراق، ولولا فتوى المرجعية الدينية التي تشكل في ضوئها جيش عقائدي ما كان لمدننا أن تتحرر من الظلاميين، ولذلك يحرص العدو على إنهاء حزب الله والحشد الشعبي ومصادرة سلاحهما، وهذه ليست دعوة لشرعنة المليشيات، بل هكذا هي الأمور.
وهنا نطرح سؤالاً آخر: أليست أمريكا من غضّت بصرها عن تمدد إيران في البلاد العربية، ودعم فصائل المقاومة في بلدان غير قادرة على اتخاذ قرار حاسم كالعراق ولبنان، متماهية مع قلق يساورها بأنها الهدف القادم لأمريكا وإسرائيل، ولا بد لها من نفوذ في البلاد العربية لتخوض معركتها المصيرية خارج أراضيها، هذا إذا افترضنا أن القضية الفلسطينية ليست من متبنيات الجمهورية الإسلامية كما يقول البعض.
أليست هي من سمحت للفصائل المدعومة من إيران بالدخول إلى سوريا لمواجهة المتطرفين، وبالتالي الحفاظ على سلطة الأسد، فضلاً عن التدخل في شؤوننا الداخلية منذ وطئت أقدام الاحتلال بلادنا، ولماذا دعمت أمريكا الجماعات المتطرفة لإسقاط الأسد، وهي تعرف جيداً مَنْ مولها، ما دعا الفصائل الشيعية للتصدي لها؟
مرة يغضون الطرف عن هذا ومرة عن ذاك حتى بلغت الطائفية أوجها، وصارت إيران وكأنها العدو الأول للعرب وليست إسرائيل، ومن قبلها العراق، وغداً مصر وتركيا، وهكذا وصولاً إلى الخليج، وفي كل مرة تنطلي اللعبة علينا، أو تجري أمام أنظارنا، بينما لا حول لنا ولا قوة.



اضف تعليق