إن التأمل في خلق الإنسان ليس نفيًا لقيمة العلم، بل إعادة وضعه في سياقه الصحيح: علمٌ جليل، لكنه غير مطلق؛ متقدم، لكنه غير مكتمل؛ كاشف لبعض الحقيقة، لا مالك لها. وهذا هو جوهر الرسالة التي تختصرها الآية في عبارة واحدة، لكنها تفتح بها أفقًا لا ينتهي من التفكير...

تقوم الحضارة المعاصرة على تقديس المعرفة، وتُقدَّم الإنجازات العلمية بوصفها ذروة ما وصل إليه العقل الإنساني عبر التاريخ. غير أن التأمل العميق في بنية الإنسان نفسه يكشف مفارقة لافتة: كمية المعلومات اللازمة لخلق الإنسان لا تُقاس، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع، بكمية المعلومات التي حققها الإنسان بنفسه، مهما بلغت من التراكم والتقدم.

إن الإنسان، بوصفه كائنًا حيًا واعيًا، ليس مجرد جسد مركب من عناصر كيميائية، بل منظومة فائقة التعقيد تتداخل فيها المعلومات الوراثية، والأنظمة العصبية، والعمليات البيوكيميائية، وآليات الوعي والإدراك، والقدرة على التعلم والتأويل واتخاذ القرار. فداخل خلية بشرية واحدة توجد تعليمات مشفرة تتضمن بلايين العمليات الدقيقة، وكل خلل طفيف في هذا النظام قد يؤدي إلى انهيار كامل في الوظيفة الحيوية. هذه الحقيقة وحدها تكفي للدلالة على أن “معلومة الخلق” أوسع بما لا يُقارن من “معلومة الاكتشاف”.

لقد استطاع الإنسان أن يفك بعض شفرات الجينوم، وأن يصف بعض آليات الدماغ، وأن يبني نماذج تقريبية للوعي، لكنه في كل مرة يكتشف طبقة جديدة من المعرفة، يجد نفسه أمام طبقات أعمق وأكثر تعقيدًا. فالعلم لا يُغلق الأسئلة، بل يفتحها، ولا يُنهي الغموض، بل يعيد تنظيمه في صيغ أدق. ومن هنا تأتي دلالة الآية القرآنية: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾، لا بوصفها تقليلًا من قيمة العقل، بل بوصفها تحديدًا لموقعه وحدوده الوجودية.

العلم البشري علم جزئي، تراكمي، يعتمد على الملاحظة والتجربة والنمذجة، بينما معلومات الخلق كلية، تأسيسية، سابقة على الوجود الإنساني ذاته. الإنسان لا “يخلق” المعرفة من العدم، بل يستخرجها استخراجًا من نظام قائم قبله، ويعيد ترتيبها وفق أدواته المحدودة. وحتى أعقد نظرياته تبقى توصيفًا لاحقًا لواقع لم يصنعه، لا إنشاءً له.

إن الفارق الجوهري هنا ليس فارق كمية فقط، بل فارق نوع. فالمعلومة التي تُنشئ الحياة تختلف جوهريًا عن المعلومة التي تصفها. الأولى فاعلة ومؤسسة، والثانية تفسيرية ولاحقة. ولهذا فإن كل إنجاز علمي، مهما بدا ضخمًا، لا ينبغي أن يُنتج وهم الاكتمال، بل وعيًا أعمق بالتواضع المعرفي. فالعقل الإنساني عظيم بقدرته على الفهم، لكنه محدود بطبيعته، ووعيه بحدوده هو شرط نضجه لا علامة ضعفه.

إن إدراك أن ما أُوتي الإنسان من العلم قليل، لا يعني الانسحاب من مشروع المعرفة، بل يعني تحرير هذا المشروع من الغرور، وربطه بسؤال المعنى، وبمسؤولية الاستخدام، وبالاعتراف بأن خلف هذا الكون ونظامه ومعلوماته التأسيسية أفقًا يتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة. وهنا يتحول العلم من أداة هيمنة إلى أداة فهم، ومن وسيلة استعلاء إلى طريق حكمة.

وبهذا المعنى، فإن التأمل في خلق الإنسان ليس نفيًا لقيمة العلم، بل إعادة وضعه في سياقه الصحيح: علمٌ جليل، لكنه غير مطلق؛ متقدم، لكنه غير مكتمل؛ كاشف لبعض الحقيقة، لا مالك لها. وهذا هو جوهر الرسالة التي تختصرها الآية في عبارة واحدة، لكنها تفتح بها أفقًا لا ينتهي من التفكير.

اضف تعليق