الوجود الخوارزمي البديل للإنسان لا يقتصر فعله على تنظيم المعرفة أو تسريع الوصول إلى المعلومات، وإنما يتغلغل تأثيره في بنية الوعي، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمان، والعمل، والإنتاج، والدولة، والسياسة، والسلطة، واللغة، والثقافة، والقيم، وذاته. التسريع الفائق الذي تقوم به الخوارزميات لا يستهدف تحسين الكفاءة فحسب، وإنما يميل في عمقه إلى إنتاج نمط وجود بديل...

عندما يتحدث مارتن هايدغر عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيرا في الطبيعة البيولوجية للإنسان، وإنما يشير إلى تحول عميق في الكيفية التي ينكشف فيبها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزمان والمعنى. كل عصر تاريخي ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفية معيّنة، التقنية الحديثة ليست حيادية، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. 

الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتا، وإنما أفق انكشاف تاريخي، وكل عصر يفرض كيفيته الخاصة في هذا الانكشاف، وحين يتغير الأفق يتغير نمط الوجود نفسه. ماهية الوجود الخوارزمي ليست خوارزمية، يقول هايدغر: "ماهية التقنية ليست مطلقا شيئا تقنيا"، بمعنى أن التقنية الحديثة لا تفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضية، لأنها قبل ذلك نمط تاريخي لانكشاف الوجود.

التقنية ليست مجرد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسيطرة والمعادلات الحسابية. 

هذا النمط من الانكشاف يسميه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنية بعينها، بل الإطار الكلي الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب.

في هذا الجهاز يظهر كل ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزونًا قابلاً للحساب والتنظيم والاستغلال. "الجهاز" هو الاسم الذي يطلقه هايدغر على ماهية التقنية الحديثة بوصفها نمطًا تاريخيًا لانكشاف الوجود، بنحو يفرض طريقة واحدة لرؤية العالم، ويقصي أنماط الكشف الأخرى التي تتيح التأمل، والإنصات للكينونة. بهذا المعنى لا تكون ماهية التقنية تقنية بل أنطولوجية، لأنها تحدد كيف يظهر العالم لنا، وكيف نفهم أنفسنا داخله.

في هذا "الجهاز" يُستدعى كل ما هو موجود بوصفه مخزونًا جاهزًا للاستغلال والتنظيم بأقصى كفاءة، وتُعامل الطبيعة كمورد، فالأرض تصبح منجمًا للفحم، النهر يصبح مصدرًا للطاقة الكهرومائية، وحتى الإنسان نفسه يُختزل إلى موارد بشرية يمكن استعمالها كشيء من الأشياء. هذا التحويل يُفقد الأشياء أصالتها ويجعلها مجرد مخزون. الخطر ليس في التقنية نفسها، بل في هيمنة هذا النمط من الكشف الذي يحجب طرقًا أخرى لفهم الوجود، مثل الفن والتأمل.

خطر التقنية لا يقوم في أدواتها، وإنما في سلطانها على أفق المعنى، حيث يتحوّل الوجود إلى شيء معد للاستعمال. لم تعد التقنية مجرد وسيلة في يد الإنسان، إنما صارت إطارًا يطبع رؤيته للعالم، فتغدو الطبيعة مخزونًا للطاقة والمعادن، ويغدو الإنسان ذاته رقمًا أو وظيفة أو شيئًا كالأشياء. في هذا الأفق يتبدل نمط الوجود: السرعة تحلّ محل التمهل، الحساب يحجب التأمل، والجاهزية الدائمة تزيح الحضور العميق. يتسلل هذا النمط إلى وعي الإنسان من غير قرار واعٍ، فيفقد العالم أصالته، وتنغلق منافذ الانفتاح على إمكانات أخرى للفهم. وحده الوعي النقدي القادر على فتح علاقة أكثر حرية مع التقنية، وإبقاء سؤال الوجود حيًا في قلب التجربة الإنسانية.

أفق انكشاف الوجود يتبدّل ضمن ما يسميه هايدغر "الوجود-في-العالم"، حيث الإنسان ليس ذاتًا تقف خارج العالم، بل كائن منغمس في شبكة من المعاني والاهتمامات. العالم لا يظهر كمجرد أشياء مادية، بل كحضور مشبع بالدلالات، والإنسان لا يُفهم إلا من خلال صلته بهذا الحضور. التقنية الحديثة تفرض نمطًا من الكشف يحوّل الكائنات إلى موارد جاهزة للاستعمال، ويختزل الإنسان إلى وظيفة أو رقم، فتغدو السرعة بديلًا عن التمهل، والحساب بديلًا عن التأمل، والجاهزية الدائمة بديلًا عن الحضور العميق.

 انكشاف الوجود لا يحدث خارج الزمان ولا يستقل عنه، فالزمان هو الأفق الذي تظهر فيه الكينونة أصلًا. الأشياء لا تُعطى دفعة واحدة، بل تتكشف ضمن عالم زماني يربط الإنسان بالماضي الذي يحمله، بالحاضر الذي ينخرط فيه، وبالمستقبل الذي يستبق إليه. الزمان عند هايدغر ليس تسلسلًا ميكانيكيًا للحظات، بل البنية التي يتحدد فيها وجود الإنسان نفسه. 

بهذا يصبح "الوجود - في - العالم" وصفًا أنطولوجيًا يكشف أن الإنسان لا يوجد كذات منفصلة تواجه العالم، بل ككائن منغمس في شبكة من المعاني والدلالات، حيث يتشكل وجوده دائمًا ضمن أفق زماني يفتح إمكان الفهم ويُبقي سؤال الكينونة حيًا. تخيّل شجرة في ساحة بيتك تراها ظلًا يخفف وطأة الحر، أو علامة حياة في أرض قاسية، أو ذاكرة صامتة لطفولة بعيدة، هذا الانكشاف لا يحدث خارج الزمان، بل يتشكل في سياق تاريخك معها، وفي لحظتك الراهنة، وفي أفق ما يمكن أن تصير إليه. أنت لا ترى الشجرة كما هي في ذاتها، وإنما كما تنكشف لك في زمانك، فيما تبقى وجوه أخرى من وجودها مستترة، حاضرة بالقوة لا بالفعل. هذا الاستتار ليس نقصًا في الشيء، وإنما تعبير عن كون الوجود زمانيًا، لا يكتمل في لحظة واحدة، ولا يمنح معناه دفعة واحدة. عند هايدغر يكون الفهم ممكنًا لأن الإنسان كائن زماني، يعيش المعنى في حركة لا في ثبات، ويختبر الوجود بوصفه مسارًا لا معطى جاهزًا. 

لو كان الوجود مكشوفًا بالكامل خارج الزمان لانغلق المعنى، ولتحول العالم إلى حضور جامد بلا أفق، ولتعطلت إمكانات السؤال والتأويل والتجربة. عدم الاكتمال هنا هو ثمرة الصلة العميقة بين الوجود والزمان. ما ينكشف اليوم قد يتبدل غدًا، وما يُفهم الآن قد يتعمق أو يتغير مع اتساع التجربة. هكذا يصبح العالم عالمًا حيًا، ويغدو الإنسان كائنًا يسكن الوجود عبر الزمان، لا يملكه ولا يستنفده، وإنما ينخرط فيه انخراطًا متجددًا، حيث الغموض ليس حجابًا يحجب الحقيقة، وإنما أثر زمانيتها، وشرط بقائها مفتوحة على المعنى. 

اليوم يتخذ هذا التحول وتيرة أكثر كثافة وعجلة عبر الخوارزميات، إذ لا تكتفي الخوارزميات بتنظيم المعلومات، وإنما تشارك في تشكيل نمط خاص للوجود، وتوجيه الرغبات والاحتياجات، وترتيب الأولويات، وصناعة المعنى اليومي، فيتشكل الوجود الإنساني خوارزميًا من خلال ما ينكشف وما يُحجَب، وما يُقترح وما يُستبعد، وما يُسرّع وما يُهمَل. هكذا يغدو الإنسان حاضرًا في تدفقات رقمية متضخمة كشلال جارف، بينما يتآكل حضور الذات الداخلي، وتضيق المسافة بين الإحساس والفعل، فتضعف القدرة على السؤال والتأمل وبناء علاقة حيّة بالوجود.

 هذا المنعطف الأنطولوجي ليس تحولًا تدريجيًا، بل هو قطيعة أنطولوجية حادة، أي انكسار في البنية الأساسية لحضور الوجود ووجوه انكشافه لنا، حيث لم يعد الإنسان هو المركز الوحيد للقرار والإنتاج، بل دخلت الخوارزميات كفاعل أنطولوجي جديد يشارك في صياغة العالم وتشكيل نمط وجود الإنسان وتعريفه لنفسه، والكيفية التي ينكشف له فيها وجوده في العالم. 

ما يتغير ليس ما يعرفه الإنسان فقط، وإنما كيفية ظهوره في العالم، إذ يتحول من كائن يسكن الوجود ببطء وتأمل إلى كائن يُدار وجوده عبر أنظمة خوارزمية، وتتشكل خبرته من خلال سرعة الاستجابة لا عمق الحضور.

هذا التحول يضعنا أمام قطيعة غير مسبوقة في التاريخ البشري، لأن الوجود نفسه بات تعاد صياغته خوارزميًا، فينزاح مركز الثقل من التجربة الوجودية البشرية إلى الرقمنة، ومن المعنى المتولد من الذات إلى المعنى المقترح من الخارج. 

من هنا يكون اقتراحنا لمصطلح "قطيعة أنطولوجية" توصيفًا واقعيًا لما نعيشه في فضاء نمط الوجود الخوارزمي، بنحو يصبح الوجود الخوارزمي طبيعة بديلة للإنسان، بما هو نمط وجود يتشكل عبر الخوارزميات، ويقطع مع أنماط سابقة كان الإنسان فيها مرجع حضوره ومعناه، قطيعة لا تُقاس بخسارة مهارات أو وظائف، وإنما بتغير تعريف الإنسان لذاته، والعالم الذي يسكنه، ومعنى أن يكون موجودًا فيه. نمط الوجود البديل لا يغيّر ما يفعله الإنسان فقط، وإنما يعيد صياغة إحساسه بذاته وبالعالم، ولا يجدُ إجابةً لمعنى كونه موجودًا، فيتحول السكن في الوجود إلى معطيات رقمية، ويتحول المعنى إلى ناتج معادلات حسابية، ويصبح الخطر الحقيقي هو انغلاق أفق انكشاف الوجود في بُعد واحد، بُعد يحجب إمكانات أخرى للحضور الإنساني، مثل: الشعر، والإنصات، والمعنى، والتجربة الروحية، وهي الإمكانات التي نجد فيها منافذ لإنقاذ الإنسان من الذوبان في أفق تقني شامل، يحتجب في هذا الأفق الوجود، ويتحول فيه معنى الذات إلى معطى رقمي.

الوجود الخوارزمي البديل للإنسان لا يقتصر فعله على تنظيم المعرفة أو تسريع الوصول إلى المعلومات، وإنما يتغلغل تأثيره في بنية الوعي، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمان، والعمل، والإنتاج، والدولة، والسياسة، والسلطة، واللغة، والثقافة، والقيم، والدين، وذاته. التسريع الفائق الذي تقوم به الخوارزميات لا يستهدف تحسين الكفاءة فحسب، وإنما يميل في عمقه إلى إنتاج نمط وجود بديل يقوم على العجلة الدائمة، والحضور المبتور، واستبدال التجربة الحيّة بمحاكاة رقمية، فيغدو الإنسان متلقيًا قبل أن يكون فاعلًا، ومُوجَّهًا قبل أن يختار، بعد أن تستلب الخوارزميات قدرته على الاختيار وتعطل قراره بالرفض. 

ما يحدث اليوم يتبدّى كقطيعة أنطولوجية قبل أن يكون تحولًا إبستمولوجيًا. القطيعة الإبستمولوجية تظل محصورة في تبدّل أدوات المعرفة ومصادرها وكيفياتها وقيمتها، أما القطيعة الأنطولوجية فتتغلغل إلى عمق الكينونة والزمان معًا، حيث لا يقتصر التحوّل على طرائق الفهم، بل يمسّ أفق الانكشاف ذاته. في هذا الأفق تتبدّل بنية الزمان: الماضي يتحوّل إلى معطى جاهز، الحاضر ينضغط في لحظة حسابية سريعة، والمستقبل يتحوّل إلى توقع مبرمج. بهذا الانقلاب يفقد العالم أصالته، ويتغيّر نمط حضور الإنسان داخله، ويعاد تشكيل معنى الوجود والزمان في جذرهما الأصيل.

 القطيعة الأنطولوجية تعني تبدّلًا في أفق انكشاف الوجود، حيث لا يعود الإنسان يشعر بوجوده كما كان، ولا يدرك العالم ومن يشاركه العيش بالطريقة نفسها. في هذا التحوّل تتغيّر علاقته بالزمان والمكان والعمل والمعنى، وتتراجع مركزيته بوصفه فاعلًا حرًا قادرًا على الاختيار والتأمل. نمط حضوره ينزاح من تجربة قائمة على الإنصات إلى حضور يُعاد تشكيله من خارج الذات، حيث تتقدّم الاستجابة الفورية على الوعي المتأني. هكذا لا تقتصر القطيعة على المعرفة وأدواتها، بل تمسّ كيفية الكينونة نفسها، وتعيد رسم معنى الوجود المشترك في عالم يتبدّل أفقه الوجودي على نحو غير مسبوق.

 الذكاء الاصطناعي، حين يتدخل في تشكيل الاحتياجات والرغبات، وتوجيه الانتباه، وصناعة المعنى، لا يغير ما نعرفه فقط، وإنما يغير كيف نكون، إذ يزحزح الإنسان عن مركزه الوجودي، ويتسلط على توجيه الخيارات التي يتخلق فيها الوعي والمسؤولية وحرية الإرادة. 

في هذا الواقع يتعمق اغتراب الإنسان الوجودي، لأن الوجود التقني يستنزف وعي الإنسان وروحه وقلبه ويصيره هشيمًا، فيغدو الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، متصلًا بالشبكات ومنفصلًا عن ذاته، محاطًا بمعانٍ جاهزة ومحرومًا من اختبار المعنى بوصفه تجربة ذاتية حيّة. هذه القطيعة لا تشبه تحولات سابقة في التاريخ البشري، لأنها لا تمس أدوات العيش وحدها، وإنما تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان ووجوده، بين الإنسان ومعنى حياته، بين الإنسان وذاته. إذا استمر التطور الفائق للذكاء الاصطناعي دون ضابط إنساني يوجهه إلى حماية حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، فإن الخطر لا يتمثل في هيمنة الآلة بحد ذاتها، وإنما في انزلاق الإنسان إلى نمط وجود خوارزمي في وعيه ورؤيته للعالم ومشاعره وإحساسه بالعالم وسلوكه، حيث يتآكل حضور ذات الإنسان بوصفه إنسانًا، ويتحول الوجود إلى تدفق بلا معنى، واغتراب مرير. 

لا يتوقف الذكاء الاصطناعي كل يوم عن سرعته الفائقة وتقدمه المدهش، إذ كشف وزير الخزانة الأمريكي بتاريخ 20.2.2026 عن أن: "الذكاء الاصطناعي تقدم خلال الشهرين الماضيين بمقدار يساوي ما حققه من تقدم خلال السنتين الأخيرتين". تحدث مات شومر الخبير بالذكاء الاصطناعي في مقالته المعنونة: "Something Big Is Happening" . 

"تحوّل كبير يحدث"، تحدث عن أن العالم يقف على أعتاب تحوّل نوعي عميق في مسار الذكاء الاصطناعي، تحوّل لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور تقني تدريجي أو تحسين في الأداء، بل بوصفه انتقالًا يمسّ طبيعة المعرفة والعمل والإبداع الإنساني ذاته.ـ "الشيء الكبير" الذي يحدث، بحسب الكاتب، يتمثل في اقتراب نماذج الذكاء الاصطناعي من أنماط فهم تشبه الفهم البشري، حيث لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر أو معالجة البيانات، بل باتت قادرة على توليد أفكار جديدة، وربط مجالات معرفية متباعدة، واقتراح حلول لم تُبرمج عليها بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعلها شريكًا معرفيًا لا مجرد أداة محايدة. 

 يقول مات شومر: "على الرغم من أني أعمل في الذكاء الاصطناعي، لكن ليس لدي تقريبًا أي تأثير على ما سيحدث، وكذلك الغالبية العظمى من العاملين في هذا المجال. المستقبل يتشكَّل على يد عدد صغير بشكل مذهل من الأشخاص: بضع مئات من الباحثين في عدد قليل من الشركات: OpenAI، Anthropic، Google DeepMind، وغيرها. عملية تدريب واحدة، تُدار من قبل فريق صغير على مدى بضعة أشهر، يمكن أن تنتج نظام ذكاء اصطناعي يغيّر المسار الكامل للتكنولوجيا. معظمنا ممن يعملون في الذكاء الاصطناعي يبنون فوق أسس لم نضعها نحن. نحن نشاهد هذا يتكشف مثلك تمامًا، الفرق أننا قريبون بما يكفي لنشعر بالاهتزاز أولًا".

 ويضيف مات شومر: الأمر يحدث بالفعل الآن ويجب أن تفهموه. السبب في أن كثيرًا من العاملين في مجال التقنية يطلقون التحذيرات لأننا نحن أول من واجه هذا التحوّل؛ لسنا نتنبأ بما سيأتي، بل نصف ما حدث بالفعل في وظائفنا ونحذّركم أن الدور سيأتيكم. لسنوات كان الذكاء الاصطناعي يتطور تدريجيًا مع قفزات متباعدة يمكن استيعابها، لكن في عام 2025 ظهرت تقنيات جديدة جعلت وتيرة التقدم أسرع بكثير. كل نموذج جديد لم يكن أفضل فقط من سابقه بل أفضل بفارق أكبر، والفاصل الزمني بين الإصدارات أصبح أقصر. في الخامس من فبراير أطلقت مختبرات كبرى نموذجين جديدين في اليوم نفسه: GPT‑5.3 Codex من OpenAI و Opus 4.6 من Anthropic. 

يضيف الكاتب عندها أدركت أنني لم أعد ضروريًا للعمل التقني نفسه؛ أصف ما أريد بلغة بسيطة فيُنجز الذكاء الاصطناعي العمل كاملًا بجودة تفوق ما كنت سأفعله بنفسي. اليوم يمكنني أن أطلب منه بناء تطبيق كامل: يكتب عشرات آلاف الأسطر البرمجية، يفتح التطبيق، يختبره بنفسه، ويعدل ما لا يعجبه حتى يصل إلى مستوى يرضيه، ثم يخبرني: "التطبيق جاهز للتجربة"، وعندما أجربه يكون غالبًا مثاليًا. النموذج الجديد الذي صدر مؤخرًا، GPT‑5.3 Codex، كان الأكثر تأثيرًا عليّ يقول شومر، لأنه لم يكتفِ بتنفيذ التعليمات بل اتخذ قرارات ذكية بدت وكأنها تحمل حكمًا وذوقًا، وهو ما كان يُقال إن الذكاء الاصطناعي لن يمتلكه أبدًا. 

هذه النماذج ليست مجرد تحسينات تدريجية، بل هي نقلة نوعية مختلفة تمامًا. الأهمية هنا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالتركيز أولًا على جعله بارعًا في كتابة الأكواد، لأن ذلك يمكّنه من تطوير نفسه بسرعة أكبر، وبناء نسخ أذكى باستمرار. لم يتغير عملي لأنهم استهدفوا المهندسين، بل لأن البرمجة كانت نقطة البداية التي تفتح الباب لكل شيء آخر. والآن، بعد أن نجحوا في ذلك، يتجهون إلى جميع المجالات الأخرى.

اضف تعليق