المعضلة المالية والنقدية ليست في إدارة الموارد وتنميتها في صناديق الاستثمار السيادية عراقيا.. الأمر الذي لم تنجح فيه اي من الحكومات المتعاقبة في نظام مفاسد المحاصصة.. بل في ترسيخ نموذج الاغراق الاستيرادي وتعطيل الإنتاج الحكومي.. لعل ابسط مقاربة بين الاقتصاد العراقي طيلة عقدين مضت وبين"...

مرة بعد أخرى تتكرر ظاهرة تناقض الموارد الكبيرة للعراق الذي يمتلك ثاني احتياطي نفطي وكنوزاً من المعادن النادرة مع إدارة هذه الموارد في تنمية بشرية تطابق معايير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.. تفشل في إنجاز عقد اجتماعي دستوري ناهض وفق ما ورد في التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن التنمية البشرية في العراق 2025.

هذه الأيام.. تناقش مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة العجز المالي المتراكم المتوقع في موازنة 2026.. التي تحمل الحكومة المقبلة أعباء مواجهة استحقاقات الاقتراض دولياً أولاً وإدارة ملف الديون الداخلية والخارجية ثانياً.. وهذا يقضم حزمة واسعة من موارد ريع النفط!!

هناك شبه اتفاق على أن المعضلة المالية والنقدية ليست في إدارة الموارد وتنميتها في صناديق الاستثمار السيادية عراقياً.. الأمر الذي لم تنجح فيه أي من الحكومات المتعاقبة في نظام مفاسد المحاصصة.. بل في ترسيخ نموذج الإغراق الاستيرادي وتعطيل الإنتاج الحكومي.. لعل أبسط مقاربة بين الاقتصاد العراقي طيلة عقدين مضت وبين الاقتصاد الإيراني الذي أدار أزمة العقوبات الأمريكية في نموذج الابتكار الصناعي الذي وصل إلى تحويل صناعة الأقمار الصناعية ونشرها في منظومة اتصال إلى تجارة تتنافس مع كبريات الشركات مجموعة دول البريكس.. ناهيك عن الصناعات العسكرية التي تتصدر في الحرب الأوكرانية!!

يضاف لهذه المقاربة الحالة العمرانية بين محافظات الجنوب العراقي ومحافظات إقليم كردستان.. الذي يتجدد ويتوسع بعقلية إدارة دولة.. مقابل الفشل في وضع عربة المحاصصة أمام حصان الحكومة في إدارة الحكومة الاتحادية!! السؤال من المسؤول عن هذا الفشل المتوالد مع كل دورة برلمانية؟؟

حين تدقق بإمعان في تقرير التنمية البشرية للعراق 2025.. تكون الإجابة الواقعية الموضوعية.. هم الآباء المؤسسون لعراق ما بعد 2003.. الذين تعاملوا مع الدولة بمفهوم الغنيمة التي لابد من محاصصة ريعها.. من دون التحول إلى إدارة الإنتاج واستثمار ريع النفط في صناديق سيادية مثل الصناديق الخليجية على سبيل المثال. هذه المسؤولية واضحة الصورة صريحة الأفعال.. يكفي أن يطبق قانون "من أين لك هذا" في سؤال قيادات النخب المتصدية للسلطة: من أين لكم هذا في إدارة الحملات الانتخابية ومؤسسات الأحزاب للكشف عن تلك الأموال التي أهدرت طيلة هذين العقدين.. يضاف إلى ذلك سؤال كل موظفي الدرجات الخاصة "من أين لك هذا" ما قبل 2003 وبعدها.. لإظهار المقارنة بين الثابت والمتحول في الذمة المالية الشخصية.. واسترجاع المبالغ التي تضخمت في أصول الشخوص المعنوية والفردية.

يتكرر السؤال عما يمكن أن يكون في ديمومة وضع عربة مفاسد المحاصصة أمام حصان الحكومة.. في واحدة من الأبواب الدوارة للفساد الإداري والمالي.. فيما تمضي إجراءات الحكومة المقبلة كما فعلت السابقات.. لربط أحزمة التقشف على بطون جياع الشعب.. من دون توقع اتخاذ الإجراءات الكفيلة ليس فقط في تطبيق قانون "من أين لك هذا" لاسترجاع أموال الشعب المهدورة أو اتخاذ القرارات الأصعب في تقليص امتيازات ورواتب الدرجات الخاصة.. وتوحيد سلم الرواتب بقرار بات مطلوباً في إلغاء سلم رواتب الدرجات الخاصة والاكتفاء بمخصصات المنصب فقط وفق سلم رواتب الموظفين الحالي.. فضلاً عن مجموعة قرارات تلغي رواتب الهيئات التمثيلية من مجلس نواب أو مجالس محافظات والاكتفاء بمخصصات خلال وجود النائب في الدورة البرلمانية أو مدة وجود عضو مجلس المحافظة.. أو الوزير في دورته الحكومية... وإلغاء أو تعليق كل امتيازات العدالة الانتقالية.. وإلغاء كل رواتب التقاعد من مجلس الحكم والجمعية الوطنية وصولاً إلى رواتب تقاعد البرلمان الأخير. 

فضلاً عن حزمة قرارات جديدة في تحول جذري لإدارة الاقتصاد العراقي بمنهجية واضحة لرأسمالية الدولة بكونها صاحبة أعمال تعيد تشغيل الشركات المتعثرة وإدارة أبرز مرافق شركات النفط والغاز والمعادن بدلاً من نموذج العقود الاستخراجية في تخادم المصالح ما بين وجود ذات الآباء المؤسسين للعملية السياسية وبين مصالح دولية وإقليمية... من دون ذلك.. يبقى العراق خارج بوصلة استراتيجية عراق واحد وطن الجميع.. وديمومة وضع عربة مفاسد المحاصصة أمام حصان الحكومة.. وفي كل دورة برلمانية.. يتكرر ذات السؤال عما سيكون في الاقتراض دولياً لينتهي باقتراحات إعادة تعيين سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي.. حتى بات الحديث من قبل البعض عن 2000 دينار لكل دولار نموذجاً للخروج من أزمة الحكومة المقبلة لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين!!!

هذا الدوران في فراغ السلطة من دون بناء دولة عراق واحد وطن الجميع.. أين ينتهي؟؟ وهل مقترحات ترقيع الحلول تنصف الأجيال المقبلة؟؟ ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!!

اضف تعليق