نسيان الإنسان لنفسه عقوبة ذاتية تنشأ من نسيان الخالق والتهرب من المسؤولية، ويتحول "التغافل" إلى حجاب يطمس الفطرة ويغيّب الوعي. هذا الانفصال عن الذات يبدأ بالتهاون في صغائر الذنوب وينتهي بقسوة القلب والضياع النفسي، كما ان نسيان النفس هو اغترابٌ روحي ينشأ من الإعراض عن الله والتهرب من محاسبة...

يتمحور هذا المقال حول فكرة أن نسيان الإنسان لنفسه هو نتيجة حتمية لإهماله ذكر الله وهروبه من مواجهة أخطائه، حين يكون "النسيان التعمدي" تبريراً لا واعياً للاستمرار في الخطايا. ليصبح نسيان الإنسان لنفسه عقوبة ذاتية تنشأ من نسيان الخالق والتهرب من المسؤولية، ويتحول "التغافل" إلى حجاب يطمس الفطرة ويغيّب الوعي. هذا الانفصال عن الذات يبدأ بالتهاون في صغائر الذنوب وينتهي بقسوة القلب والضياع النفسي، كما ان نسيان النفس هو اغترابٌ روحي ينشأ من الإعراض عن الله والتهرب من محاسبة الذات، مما يحول المعاصي إلى طبعٍ يختم على القلب ويورث المعيشة الضنك، ولا خلاص من هذا التيه إلا باليقظة الدائمة والتمسك بالقيم التي تربط الإنسان بفطرته وخالقه.

في معنى النسيان

يقول الله تعالى في كتابه الحكيم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) الحشر18/20.

لماذا ينسى الإنسان نفسه؟ ولماذا ينساه الله سبحانه وتعالى؟ حاشا لله أن ينسى عباده، بل إن هذا النسيان هو نتيجة حتمية لأعمال الإنسان. فعندما ينسى المرء ربه وينحرف عن النهج القويم الذي يجب أن يسير عليه، فإنه يقود نفسه إلى مسار آخر بعيد عن طريق الله عزوجل، مسار لا يوصله إلى غايته الكبرى وهي الخالق جل وعلا، وبسبب هذا الانحراف، يكون جزاؤه أن يُنسى.

يحمل النسيان هنا دلالات الحجب، والترك، والإهمال؛ فهو نقيض التذكر والفعل والاهتمام. فالإنسان الذي يهمل نفسه، يحجبها عن وعيه بذاكرته وبحقيقة الأفعال التي ارتكبها. لذا، فإن النسيان المذكور في هذا السياق وفي القرآن الكريم، ليس ذلك النسيان الطبيعي المألوف الذي يعتري البشر، بل يُقصد به "الإهمال"؛ أي إهمال الإنسان لمنطلقات أفعاله، ومآلاتها، وعواقبها.

وهذا ما يبينه التفسير القرآني لقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ أي أدلتنا، ﴿فَنَسِيتَهَا﴾ أي تركتها، ﴿وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ أي تُهمل وتُترك ولا يُقام لك وزن.

وسُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن قوله عز وجل: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، فقال:

"إن الله تبارك وتعالى لا يسهو ولا ينسى، إنما يسهو وينسى المخلوق المُحْدَث. ألا تسمعه عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾؟ وإنما يجازي من نسيه، ونسي لقاء يومه، بأن يُنسيهم أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. وقال: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا﴾؛ أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا، أي نجازيهم على ذلك" (1).

النسيان في علم النفس

النسيان في علم النفس بحسب ويكيبيديا: هو الدخول في حالة من الفقدان الظاهري أو تحوير للمعلومات المخزنة في الذاكرة المديدة عند محاولة استرجاعها. وتكون هذه الحالة فجائية أو بشكل تدريجي. يساعد النسيان من جهة على ملائمة ربط وتخزين معلومات جديدة مع المعرفة القديمة. وكلما ازداد الإنسان في العمر زاد نسيانه، حيث تكثر حينها مشاكل الذاكرة والتعلم، وتضعف القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة المكتسبة.

وفي تعريف آخر: النسيان أو عدم التذكر هو فقدان أو تعديل واضح للمعلومات المُخزّنة والمُشفّرة في الذاكرة قصيرة أو طويلة المدى. وهي عملية تلقائية أو تدريجية لا يُمكن فيها استرجاع الذكريات القديمة من مخازن الذاكرة.

وفي تعريف آخر: النسيان هو انتقال المعلومات في عقل الإنسان من الوعي إلى اللاوعي في شكل ذكريات مقترنة بأحاسيس ومشاعر وتبقى الذكريات موجودة، وإن لم نستحضرها حاليا، وتُسترجع تلقائيا بالتعرض لأي عامل منشط لها.

وقد يحدث النسيان نتيجةً لمرضٍ مُعين، أو بسبب التقدّم في السن حين تتعرض أجهزة الجسم العضوية للضعف والاضمحلال. وكذلك عندما يواجه الإنسان أزماتٍ وصدماتٍ ونوائب قاسية، فإن وعيه أو ذاكرته تعمد إلى حجب تلك الذكريات والمعلومات المؤلمة؛ لكي يتمكن من التأقلم مع الواقع والتكيف مع مجريات الحياة. ويُعد هذا النوع من النسيان، المرتبط بآلية التكيف، أمراً طبيعياً وصحياً من الناحية النفسية، إذ يعين الإنسان على استيعاب المصائب التي ألمّت به.

وفي هذا السياق، ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله:

"وَأَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ، وَلَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ، وَلَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ، وَلَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ، وَلَا رَجَا غَفْلَةً مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَا فَتْرَةً مِنْ حَاسِدٍ" (2).

النسيان التعمّدي أو المتعمَّد

في المقابل، يوجد نوعٌ من النسيان السلبي وغير الصحي، ويتمثل في تناسي الإنسان لأخطائه، وتجاوزاته، وإساءاته بحق الآخرين. وإذا كان للنسيان جانبان، فإن الجانب المذكور في القرآن الكريم هو هذا الجانب السلبي المذموم، والذي يُقصد به الإهمال والترك.

أما الدافع الذي يحمل الناس على النسيان عمداً، أو تعمّد القيام بما يُنسيهم، فهو في حقيقته تهربٌ من الوفاء بوعودهم، أو تنصلٌ مما يُتوقع منهم أداؤه.

ويمكن أن نطلق على هذه الحالة "النسيان المتعمَّد"؛ فالإنسان الذي ينغمس بشدة في مستنقع الأزمات والمعاصي والذنوب، يبحث دائماً عن مخرج يبرر به أفعاله. فيلجأ إلى صنع حجاب يحول بينه وبين رؤية أخطائه، متهرباً من مواجهة نفسه، ليتمادى في سلوكياته السلبية.

يُعرّف "التبرير" بأنه وسيلة للتكيف مع الإحباط، حيث يعمد الإنسان لا شعورياً إلى تفسير الموقف بإنكار رغبته في تحقيق الهدف من الأساس. وتتم هذه العملية في العقل الباطن (اللاشعور)؛ لذا نجد أن هذا الصنف من الناس غالباً لا يعترف بفشله، بل يلجأ إلى التبرير وإلقاء اللائمة على الآخرين (3).

علاوة على ذلك، يُعد التبرير آلية دفاعية لا واعية يُلجأ إليها لتجنب الشعور بالذنب، أو الخجل، أو الندم؛ إذ يتيح للفرد إعادة تفسير الأحداث والسلوكيات بقالبٍ يبدو أكثر منطقية وقبولاً بالنسبة له.

وفي هذا السياق، يتجلى النسيان هنا بمعنى الترك والإهمال، ويأخذ طابع "النسيان المتعمّد". فعلى سبيل المثال، عندما يرتكب الإنسان ذنباً أو معصية ولا يبادر إلى استغفار الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك يقوده حتماً إلى تكرار أخطائه. فالذي يترك الاستغفار ينتقل إلى مراحل متصاعدة من التمادي في المعصية، حتى يؤدي تراكم الذنوب إلى نسج حجابٍ على قلبه، يجعله ينسى أو يتناسى ما اقترفته يداه من خطايا.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "كَانَ أَبِي (عليه السلام) يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ، إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ"(4).

فالنسيان التعمدي هو أن يتعمد الإنسان تناسي أخطائه؛ ليبرر لنفسه اقتراف المنكرات وارتكاب المعاصي. وهذا النوع يتحقق بكامل إرادة الإنسان واختياره، ولذا فإنه لا يدخل ضمن دائرة النسيان المرفوع عن الإنسان. فمن نسي أداء الصلاة -على سبيل المثال- سهواً، لم يرتكب معصية؛ لأن نسيانه طبيعيٌّ لا تعمّد فيه. أما النسيان المتعمَّد، فهو أن يسعى المرء عامداً إلى ما يُورثه النسيان، وحينها تكون الإرادة والاختيار حاضرين في فعل النسيان ذاته.

وفي مقابل النسيان، نجد التذكّر والذكرى والذاكرة؛ فالذي ينسى لابد أن يتذكر، والذي يتذكر قد ينسى. وقد خاطب القرآن الكريم أولئك الذين يتناسون أنفسهم بقوله تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (12)﴾ (سورة عبس).

فالناسي هنا لا يفقد الذاكرة حقيقةً، بل يحجب الذكرى بمحض إرادته واختياره. ولذلك، لن يملك أحدٌ يوم القيامة أن يتذرع قائلاً: "لقد نسيت ما فعلت"؛ لأنه هو من اختار هذا التناسي ورفض التذكر. وفي بيان عاقبة ذلك، يقول المولى عز وجل:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 165).

تخزين المعلومات بين الوعي واللاوعي

عندما يتلقى الإنسان المعلومات والأفكار، يبدأ بعملية تخزينها في داخله؛ إذ تتألف النفس البشرية من طبقات عدة، أبرزها: الوعي الظاهري، واللاوعي. ويُقال إن تحت اللاوعي طبقة أخرى أعمق منه، وكثيراً ما تتكفل الأحلام بكشف خبايا هذا اللاوعي العميق لدى الإنسان.

ولا يستطيع المرء الاحتفاظ بجميع المعلومات والأفكار المتدفقة في دائرة وعيه الظاهري؛ نظراً لمحدودية قدرته الاستيعابية، وما قد يترتب على تكدسها من عبء يؤثر سلباً على حالته النفسية، فضلاً عن محدودية طاقته في تحليل وهضم ما يحتاجه من معلومات خلال يومه. لذا، يلجأ العقل إلى تخزين هذه المعلومات الزائدة عبر ترحيلها إلى ذاكرة اللاوعي.

غير أن الإنسان الذي يعتاد محاسبة نفسه والتأمل في أفعاله يومياً، يتمكن من استرجاع تلك الأمور المخزنة في لا وعيه. وهذه الحالة هي ما يُعرف بـ "اليقظة الذهنية" أو "الحضور الذاتي"، حيث يتذكر المرء ويسترجع ما خفي عنه، ليمارس بناءً على ذلك محاسبة دقيقة وواعية لنفسه(5).

يقول الله تعالى في سورة الحشر:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)﴾.

وفي هذا السياق، ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ عَمِلَ خَيْراً اسْتَزَادَ اللَّهَ مِنْهُ وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَمِلَ شَيْئاً شَرّاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَتَابَ إِلَيْهِ" (6).

إلا أن هناك من يعمد إلى دفن أفعاله في دهاليز لا وعيه؛ ليحجب بذلك ذكرياته ويمنع حضورها في وعيه الظاهر، متهرباً من استحضار تداعياتها ومحاسبة نفسه عبر التفكر في عواقب ما اقترفت يداه.

وهنا يتجلى دور الأنبياء والمعصومين (عليهم السلام) بوصفهم "الحجة الظاهرة"، إلى جانب العقل الذي يمثل "الحجة الباطنة"؛ إذ تكمن غايتهم في تذكير الناس، وإزالة الحجب المتراكمة على قلوبهم وعقولهم ليتفكروا ويتدبروا. وفي بيان هدف بعثة الأنبياء، يقول الإمام علي (عليه السلام):

"فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ: مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ" (7).

أي أنهم يذكّرون الناس بتلك الأمور المدفونة في باطن الإنسان ولا وعيه، والتي طُمست بحجاب سميك يمنعهم من التفكر في أفعالهم. وحين ينسى المرء أفعاله ينسى نفسه، ليتمادى في الغوص في مستنقع المشكلات والأزمات والسلوكيات السلبية. وعليه، فإن جوهر رسالة الأنبياء هو رفع تلك الحجب من خلال قوة التذكير والإرشاد.

النسيان بين المحمود والمذموم

قد يكون النسيان محموداً والتذكر مذموماً؛ فالنسيان المحمود يتمثل في تناسي إساءة الآخرين، ومقابلتها بالعفو والصفح الجميل، والله يحب المحسنين.

أما التذكر المذموم، فيكمن في استحضار الأحقاد وتخزين الكراهية في النفوس تجاه الآخرين، والاجترار المستمر للإساءات. وهذا يعكس تناقضاً في داخل الإنسان؛ فبدلاً من أن يُطهر قلبه من الكراهية، يُبقي عليها لتضره وتؤذيه هو قبل أن تصل أذيتها إلى الآخرين. ويُقال إن الإنسان غير المتصالح مع ذاته، هو من يختزن المواقف السيئة في قلبه تجاه غيره.

معنى النسيان في القرآن الكريم

أولاً: الجهل بالنفس

إن الحَدَث (الطفل الصغير) في بداية نشأته أشبه بالأرض الخالية؛ فأيُّ تغذية سلوكية تُقدَّم له يستقبلها، لتتشكل شخصيته من خلالها.

فالنفس في البدء أرضٌ خالية صافية تحتاج إلى إعمار وبناء عبر التربية والتزكية والتنمية. وتراكم هذه الأمور وتكاملها في عملية بناء النفس يتحقق من خلال التذكّر وتجنب النسيان. فالإنسان الذي يتذكر باستمرار يختزن في أعماقه المعارف الجيدة والأفكار الصالحة، مما يؤدي إلى بناء نفسي سليم. ولذلك، فإن من يجهل نفسه هو من ينساها، وهو من يمكن وصفه بالفوضوي، أو العشوائي، أو الارتجالي؛ لأنه لا يعمل على بناء نفسه الفطرية الصافية.

أما الإنسان الذي يهمل تربية نفسه وتنميتها، ويفتقر إلى معرفة ذاته، فإنه يعيش حالة من الجهل المستمر، وبذلك يكون قد نسي نفسه. وحين ينسى الإنسان نفسه باستمرار نتيجة جهله وغفلته، فإنه يخسر فرصته في الحياة؛ فالحياة في جوهرها عبارة عن فرص تُتاح له، لكنه يُهمل استثمارها ويتركها تمر سدى، ليخسر بذلك حظه في الدنيا.

وحين ينتقل إلى العالم الآخر، يجد نفسه خالي الوفاض من أي عمل صالح يلقى به الله سبحانه وتعالى في اليوم الآخر.

وهذا يعني أن الجهل هو ما قاده إلى ذلك البناء العشوائي والارتجالي والفوضوي، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الحشر:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الآية 19).

فبما أن هذا الإنسان قد نسي نفسه، فكيف يرجو أن يذكره الله سبحانه وتعالى، لا سيما وأنه جل وعلا قد منحه كافة المقومات والعناصر اللازمة ليربي ذاته وينميها؟

وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "لَا تَجْهَلْ نَفْسَكَ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ مَعْرِفَةَ نَفْسِهِ جَاهِلٌ بِكُلِّ شَيْءٍ" (8). فمن جَهل ذاته جَهل كل شيء، فكيف يتوقع إذن أن يذكره الآخرون؟

ونرى في المجتمع بعض الأشخاص الذين أهملوا تطوير أنفسهم؛ لإضاعتهم حياتهم بأكملها في القضايا التافهة، فبقوا في دائرة الجهل وانعدمت فرصهم في الحياة. ونتيجة لذلك، تراهم يلقون باللائمة دائماً على المجتمع ويكرهون من حولهم. ولكن، كيف لأي فرد أن يحظى بفرصة في مجتمعه إن لم يسعَ لتطوير نفسه، والعمل على تنميتها، وبناء مهاراته الذاتية؟

ويؤكد الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: "كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يَجْهَلَ نَفْسَهُ" (9)؛ فبذلك يضيع الإنسان نفسه وعمره، ويهدر حياته الثمينة لتقاعسه عن الاشتغال بتربية ذاته.

ثانياً: الضلال بترك الاهتداء

ومن معاني النسيان في القرآن الكريم: "الضلال"؛ سواء كان ضلال الأفراد أو المجتمعات. ويُقصد به ترك الاهتداء والعزوف عن طلبه، بحيث لا يسعى الإنسان لهداية نفسه، بل يتركها هائمةً ضائعة وتائهة. مصداقاً لقوله تعالى في سورة ص:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (الآية 26).

فالإنسان الذي لا يُدرك أن مسيرة حياته هادفة وليست عبثية، يعزف عن طلب الهداية، فيتيه في دياجير الضلال، وينسى يوم الحساب.

ومَثَلُ ذلك كمَثَل طالبٍ يذهب إلى مدرسته، لكنه يهمل دروسه ويهدر وقته في سفاسف الأمور واللعب واللهو. وحين يحل موعد الامتحان النهائي في آخر العام، يجد نفسه قد نسي ما تَعَلَّم، فيكون جزاؤه أن "ينساه" المعلم أيضاً؛ أي لا يمنحه درجات النجاح نتيجة تقصيره وتفريطه.

وفي هذا المعنى العميق، يقول المولى عز وجل في سورة الأنعام:

﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الآية 110).

ثالثاً: النفاق

ومن مصاديق النسيان أو مفاهيمه في القرآن الكريم: النفاق. يقول تعالى في سورة التوبة:

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الآية 67).

فالنفاق مرتبةٌ ينحدر إليها الإنسان، وتكون نقطة بدايتها هي النسيان. فمن ينسى أخطاءه وذنوبه في البداية -بمعنى الترك والإهمال- ويغفل عن ذنبه الأول تاركاً التذكر والإصلاح والتوبة، فإن مآله الحتمي في النهاية هو النفاق. ويُعد المنافق من أسوأ الناس منزلة، بل هو أشد خطراً من المشرك والكافر، ولذا تواترت الآيات القرآنية في ذم المنافقين ذماً شديداً.

مراحل الاحتجاب

تبدأ رحلة الانحدار حين يعمد الإنسان إلى حجب عقله؛ ذلك العقل الذي لا ينفكُّ يحذره قائلاً: "هذا الفعل خاطئ فلا تقربه"، و"هذا العمل غير صالح ولن ينفعك"، و"هذا الظلم سيُلحق الضرر بك وبالآخرين". وبينما يستمر العقل في تقديم النصح والإرشاد، يشرع الإنسان في حجبه تدريجياً؛ رغبةً منه في التخلص من وخز الضمير ولوم العقل على أفعاله السيئة، حتى يبلغ مرتبة "الحجب التام"، وعندها تنطبق عليه صفات المنافق.

فما هي مراحل هذا الحجب؟ وكيف ينتهي الأمر بالمنافق إلى النسيان التام؟

المرحلة الأولى: غلق القلب عن السماع وترك الاهتداء

تبدأ هذه المرحلة بإيصاد الأبواب؛ حيث يغلق المرء قلبه عن سماع الحق ويتحاشى الاهتداء. فلا يستمع إلى نصيحة، ويصمُّ أذنيه عن كلام الآخرين، ويُهمل إرشادهم له بأن ما يقترفه هو ذنبٌ ومعصية، وبذلك يسدُّ على نفسه طريق الهدى.

يقول الله تعالى في سورة الكهف:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الآية 57).

والأكنّةُ جمع "كِنان"، وهو السِّتار أو الحجاب، والوَقْرُ هو الثِّقَل في الأذن الذي يمنع الاستماع. ففي هذه المرحلة، يُذكِّر اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ، لكنه يتناسى ذلك ويغفل عما قدّمته يداه؛ لأنه اختار حجب بصيرته وسمعه، حتى ينتهي به المطاف إلى غلق باب الهداية تماماً. ومغزى غلق القلب عن الاستماع هنا يكمن في "النتيجة"؛ فالأذن هي أداة السماع، لكن القلب هو مستودع التخزين والوعي.

المرحلة الثانية: الرين على القلب وبداية التصلد

يُصاب قلب الإنسان بالصدأ، وهو ما تصفه الآيات القرآنية بـ "الرين"، كما في قوله تعالى في سورة المطففين:

﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الآية 14).

حيث يمتلئ قلب المرء بالسيئات بعد أن يرفض تنقيتها بالاهتداء والتوبة، فيعلوه "الرين" (أي الصدأ)، ومن هنا تبدأ عملية التصلب وقسوة القلب لدى الإنسان.

وفي هذه المرحلة تترسخ عملية الحجب؛ فالرين هو الصدأ الذي يعلو الشيء النفيس فيُغير معالمه. وقيل في تفسير الرين: إنه تراكم الذنب فوق الذنب حتى يموت القلب، فيغدو في نهاية المطاف مختوماً ومقفلاً.

المرحلة الثالثة: التطبع بالسلوك

يُفطر الإنسان في جبلته الأولى على الصدق، ولكنه حين يقترف الكذبة الأولى دون توبة أو استغفار، ينجرف خلف الثانية فالثالثة فالعاشرة، لتبدأ معها مراجل الصدأ في قلبه، الذي يشرع تدريجياً في التصلد والتصلب. وحين يمتلئ القلب بهذا "الرين" ويتكلس بذلك الصدأ، يترسخ السلوك في أعماقه ليصبح طبعاً ملازماً له جراء اعتياده المتراكم؛ فينقلب كاذباً في سجيته على خلاف فطرته النقية.

وهذا "التطبع" هو جوهر صفة المنافقين؛ إذ يغدو المرء منافقاً لتطبّعه بسلوكٍ يضاد فطرته، بعد أن أوصد باب قلبه أولاً، وران عليه الصدأ ثانياً، ثم استمرأ ذلك السلوك ثالثاً حتى صار طبعاً دائماً. يقول تعالى في سورة المنافقون:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (الآية 3).

بيد أن هذا التطبع يفضي إلى نتيجة أشد خطورة كلما استمر في صيرورته، وهي انسداد القلب وانغلاقه التام. وإن كان "الطبع" و"الختم" يحملان معنىً واحداً، إلا أن الظاهر يشير إلى أن الطبع يسبق الختم، أو أن الختم هو الثمرة المرة لهذا التطبع؛ إذ إن تطبع القلب بالسلوك السيئ يقود حتماً إلى المرحلة الرابعة، وهي "الانختام والانقفال".

المرحلة الرابعة: الختم والغلق الدائم

إن صيرورة النسيان لدى الإنسان تقوده مع ترسيخ "التطبع" إلى الختم والغلق الدائم للقلب؛ بحيث تضعف القدرة على التصحيح إلى أدنى مستوياتها، وتتضاءل فرص طلب الاهتداء؛ إذ إن انغلاق القلب بذلك التطبع يُورثه قسوةً تجعل من الصعب فتحه مجدداً. يقول تعالى في سورة البقرة:

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الآية 7).

ومع أن "الختم" و"الطبع" في اللغة يحملان معنىً واحداً وهو التغطية، إلا أن الطبع يُشير إلى "بداية" تشكل السلوك، بينما يُعبر الختم عن "النهاية" والانغلاق المحكم؛ كما في قوله جل وعلا: ﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

وفي هذا المعنى، ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي تِلْكَ النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوَادُ، فَإِنْ تَمَادَى فِي الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ، فَإِذَا غُطِّيَ الْبَيَاضُ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً" (10)؛ وهو قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

وعن هذا التراكم يعبر قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 10). فالقلب الأبيض الذي لا يمحو صاحبه سيئاته بالتوبة، يستحيل أسودَ بتراكم الذنوب حتى يمتلئ بها، وحينها تتحقق عملية "النسيان التام" والانفصال عن الفطرة.

المرحلة الخامسة: البَسْل والاستسلام التام

حين يُختم على القلب وينغمس في السواد، يستسلم المذنب لواقعه "المنسي" استسلاماً كلياً؛ فيغدو بلا مبادئ، ولا قيم، ولا اعتبار للعواقب، فاقداً لكل رؤية تجاه الآخرة أو لقاء الله سبحانه وتعالى، وهو منتهى الخطورة. يقول تعالى في سورة الأنعام:

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (الآية 70).

ومعنى "أن تُبسل نفس" أي أن كل شيء قد انتهى بالنسبة إليها؛ فالأعمال التي اقترفها "الباسل" قد تماهت مع شخصيته وروحه وشكّلت كامل كينونته، حتى لم يَعُد له مصير ولا طريق آخر يسلكه، ولا يملك مخرجاً أو زاويةً يرتدُّ منها للتوبة؛ ذلك لأنه اجتاز كافة المراحل السابقة دون أن يوقف جموح نفسه، حتى أوردها هذا المورد، ودخل بها في عالم "النسيان العدمي".

معنى ان تبسل نفس في هذه القصة

قال عبيد الله البزاز النيسابوري وكان مسنا: كان بيني وبين حميد بن قحطبه الطائي الطوسي معامله فرحلت إليه في بعض الأيام فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعلى ثياب السفر لم أغيرها وذلك في شهر رمضان وقت صلاه الظهر فلما دخلت عليه رايته في بيت يجرى فيه الماء فسلمت عليه وجلست فاتى بطشت وإبريق فغسل يديه ثم امرني فغسلت يدي وأحضرت المائدة وذهب عنى انى صائم وانى في شهر رمضان ثم ذكرت فأمسكت يدي فقال لي حميد: ما لك لا تأكل؟ فقلت:

أيها الأمير هذا شهر رمضان ولست بمريض ولا بي عله توجب الافطار ولعل الأمير له عذر في ذلك أو عله توجب الافطار فقال: ما بي عله توجب الافطار وأني لصحيح البدن ثم دمعت عيناه وبكى فقلت له بعد ما فرغ من طعامه:

ما يبكيك أيها الأمير؟ فقال: انفذ هارون الرشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل ان أجب فلما دخلت عليه رايته بين يديه شمعه تتقد وسيفا اخضر مسلولا وبين يديه خادم واقف فلما قمت يديه رفع رأسه إلى فقال:

كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال فأطرق ثم اذن لي في الانصراف فلم البث في منزلي حتى عاد الرسول إلى وقال: أجب أمير المؤمنين فقلت في نفسي: انا لله أخاف يكون قد عزم على قتلى وانه لما رآني استحيى منى قعدت إلى بين يديه فرفع رأسه إلى فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد فتبسم ضاحكا ثم اذن لي في الانصراف فلما دخلت منزلي لم البث ان عاد إلى الرسول فقال:

أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو على حاله فرفع رأسه إلى وقال لي كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدين فضحك ثم قال لي: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم قال: فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلى بيت بابه مغلق ففتحه فإذا فيه بئر في وسطه وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نفسا عليهم الشعور والذوائب شيوخ وكهول وشبان مقيدون فقال لي: ان أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء وكانوا كلهم علوية من ولد على وفاطمة عليهما السلام فجعل يخرج إلي واحدا بعد واحد فاضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر ثم فتح باب بيت آخر فإذا فيه أيضا عشرون نفسا من العلوية من ولد علي وفاطمة عليهما السلام مقيدون فقال لي: ان أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء فجعل يخرج إلى واحدا بعد واحد فاضرب عنقه ويرمى به في تلك البئر حتى أتيت إلى آخرهم ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفسا من ولد على وفاطمة عليهما السلام مقيدون عليهم الشعور والذوائب فقال لي: ان أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء أيضا فجعل يخرج إلى واحدا بعد واحد فاضرب عنقه ويرمى به في تلك البئر حتى أتيت على تسعه عشر نفسا منهم وبقى شيخا منهم عليه شعر فقال لي:

تبا لك يا ميشوم! أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت عليه جدنا رسول الله (ص) وقد قتلت من أولاده ستين نفسا قد ولدهم على وفاطمة عليهما السلام؟!

فارتعشت يدي وارتعدت فرايصي فنظر إلى الخادم مغضبا وزبرني (زجره ونهره) فأتيت على ذلك الشيخ أيضا فقتلته ورمى به في تلك البئر فإذا كان فعلى هذا وقد قتلت ستين نفسا من ولد رسول الله (ص) فما ينفعني صومي وصلاتي؟! وانا لا أشك انى مخلد في النار.(11)

والعبرة من هذه القصة انه على الإنسان ألا يستسلم لذنوبه بحيث تصل به الى تلك المرحلة الحرجة التي يتعذر فيها الرجوع؛ بل عليه أن يقابل ذلك بمراقبة نفسه بوعي ويقظة، متفكراً فيما اقترفت يداه وما يجب عليه فعله، تداركاً لنفسه من تلك الخاتمة السيئة.

النسيان بحجب التذكّر

من القضايا الجوهرية التي تؤول بالإنسان إلى نسيان نفسه: "الاستهزاء". فعندما يداوم المرء على السخرية من الأحكام الشرعية، أو المتدينين، أو كل ما له صلة بالدين، فإنه يغرق في حياة دنيوية محضة. ونتيجة لذلك، تصبح الأمور التي تذكره بالله تعالى وبالآخرة وبالحساب ثقيلةً عليه وغير مستساغة، فيلجأ إلى الضحك واللعب واللهو وسيلةً ليتناسى كل ما يوقظ وعيه. ومن هنا، يصبح هذا الاستهزاء "جدار صد" يحجب عملية التذكر.

فجوهر المشكلة إذن ليس في النسيان في حد ذاته، بل في تعمُّد الإنسان حجب التذكر عن نفسه، كما يصف المولى عز وجل في سورة الصافات:

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (15)﴾.

وقد لوحظ أن بعض الشباب يضيقون ذرعاً ببعض الأحكام الشرعية، فيدّعون عدم حرمتها، زاعمين أن رجال الدين هم من يبتدعون هذه الأحكام.

بيد أن هذا المسلك ليس إلا ضرباً من الاستهزاء بالدين؛ فمن يقترف المعصية لا يجوز له بحال أن يسعى لتبريرها، إذ إن "التبرير أقبح من الذنب" نفسه. ويكمن التفسير التحليلي العميق لهذا التبرير في كونه يضع حاجزاً منيعاً أمام التوبة والاستغفار.

وعليه، فإنه من الواجب علينا دوماً أن نُذكّر أنفسنا وشبابنا بضرورة الكفّ عن تبرير الأخطاء والمعاصي؛ لأن التبرير يقطع الطريق على الاستغفار ويمنع التوبة. وهذا النوع من الاستهزاء ممقوت عند الله سبحانه وتعالى؛ لما فيه من خطر الانزلاق في مستنقع النفاق، وتطبع النفس على تلك المعاصي جراء الاعتياد عليها. يقول تعالى في سورة الزمر:

﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الآية 48).

ما هي أسباب النسيان؟

تتعدد الأسباب التي تؤدي بالمرء إلى منزلة النسيان، ومنها:

أولاً: الاستهزاء

كما سلف الذكر، يعد الاستهزاء أحد المحركات الرئيسية للنسيان؛ فهو الذي يقود الإنسان إلى "التطبع" بالمعاصي، بل والتمادي فيها والاستبداد بها حتى ينسجم معها تماماً وتصبح جزءاً من كينونته.

ثانياً: الفسق

يُقال في اللغة: "فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ" أي إذا خرجت عن قشرها. أما في المصطلح الشرعي، فالفسق هو خروج الإنسان عن حدود الشرع، وانتهاك قوانينه باقتراف السيئات وارتكاب المحرمات.

يقول الله تعالى في سورة الحشر:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الآية 19).

فالفسق هو الطريق المفضي إلى النسيان؛ لأنه يمثل التمرد على الأحكام الإلهية. وتكمن خطورته في كونه يضع الإنسان على أول مسار "الخماسية" التي ذكرناها سابقاً (انغلاق القلب، ثم الرين، ثم التطبع، وصولاً إلى الختم والبسل). وفي بيان أصل هذا التمرد، يقول عز وجل في سورة الكهف:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الآية 50).

لقد كان فسق إبليس هو نقطة ابتعاده عن الله، حين تمرد واستهان بأمره سبحانه وتعالى.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "أَمَّا عَلَامَةُ الْفَاسِقِ فَأَرْبَعَةٌ: اللَّهْوُ، وَاللَّغْوُ، وَالْعُدْوَانُ، وَالْبُهْتَانُ" (12).

تبدأ هذه السلسلة بـ (اللَّهْوِ)، وهو الانشغال بغير المهم، مما يجرُّ المرء إلى الأمور السيئة وغير النافعة. ويقود ذلك حتماً إلى (اللَّغْوِ)، وهو القول الذي لا جدوى منه ولا فائدة، بل يؤول إلى الإضرار و(الْعُدْوَانِ) عبر التجاوز على الآخرين؛ إذ يتحول اللغو إلى حالة عدوانية تتجسد في الغيبة والنميمة والافتراء. ويصل الأمر إلى مستواه الأخطر بـ (الْبُهْتَانِ)، وهو العدوان عن طريق التسقيط والتلفيق والزور، بغرض تدمير سمعة الناس وشخصياتهم.

استحواذ الشيطان على الفاسق

إن عاقبة الفسق هي المضي في طريق الشيطان الذي يستحوذ على الناس بنشر الفساد بينهم، كما يصوّر القرآن الكريم ذلك في سورة المجادلة:

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الآية 19).

فالشيطان يمارس عملية حجب للتعقل ومنع للتذكر، ليجرَّ الناس إلى حلفه؛ ذلك الحلف القائم على اللهو واللغو والبهتان والغيبة. وهو تكتل كبير يشكله الشيطان لممارسة التضليل، مستغلاً نقاط الضعف التي يبتلى بها الفاسقون.

وفي هذا السياق، ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "بَيْنَمَا مُوسَى (ع) جَالِسٌ إِذْ أَقْبَلَ إِبْلِيسُ... قَالَ مُوسَى: فَأَخْبِرْنِي بِالذَّنْبِ الَّذِي إِذَا أَذْنَبَهُ ابْنُ آدَمَ اسْتَحْوَذْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِذَا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، وَاسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَصَغُرَ فِي عَيْنِهِ ذَنْبُهُ" (13).

وهم الخاسرون حقاً؛ إذ يغرقون بسبب فسقهم في لجج الفوضى والأزمات، مما يؤدي إلى تفشي الشرور والظلم والجرائم والحروب. وكل تلك الويلات ما هي إلا ثمرة للخروج عن طاعة الله، والتمرد على سننه، وتعمُّد حجب التذكر لنسيان أوامره عز وجل.

وهذا هو المعنى الذي تجسده الآية القرآنية في سورة الزخرف:

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الآية 54).

فما كان لفرعون أن يطغى على شعبه ويستبيح كرامتهم لو لم يكونوا فاسقين، وما كان للشيطان أن يستحوذ عليهم لو لم يغفلوا عن قوانين الله ويغرقوا في المعاصي والآثام. فالناس بفسقهم هم من يمهدون الطريق للشيطان والطاغية للهيمنة عليهم والاستيلاء على نفوسهم؛ فبمجرد أن استُعبدوا لشهواتهم، نسوا القيم الإلهية وأضاعوا إرادتهم وحريتهم وكرامتهم بمحض اختيارهم. يقول تعالى في سورة عبس:

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (12)﴾.

أصدقاء السوء وحجب التذكر

ورد عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ" (14). فمجالس اللهو واللغو والانشغال بغير الله سبحانه وتعالى، توقع المرء في المعاصي والآثام والمنكرات؛ مما يؤدي به إلى نسيان الخالق واستحضار الشيطان الذي يخرجه من دائرة التذكر والوعي.

ومن هنا، فإننا ننصح الإخوة والأخوات بضرورة التفكر الدائم في طبيعة أصدقائهم وأصدقاء أبنائهم؛ ففي كثير من الأحيان، يكون "صديق السوء" هو المحرك الأول الذي يقود الإنسان نحو تلك "الخماسية" المظلمة وهذا النسيان المطبق، حتى يلحقه بحزب إبليس. فهو الذي يستدرجه إلى اللهو واللعب والمعصية، ويحجب بصره عن التذكر، إلى أن يدمن هذه السلوكيات ويصبح جزءاً من حزب الشيطان.

يقول الله تعالى في سورة الزخرف:

﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الآية 36).

مجالس الصخب الدنيوي

قد يميل الإنسان أحياناً إلى ارتياد مجالس الصخب الدنيوي، مفتتناً بزخارفها المزيفة ومظاهرها المغرية، ومبتعداً في الوقت ذاته عن مجالس العبادة والتقوى وطاعة الله سبحانه وتعالى. إن الانخراط في مثل هذه المجالس يؤدي إلى استحواذ الشيطان على النفوس، إذ إنها تهيئ بيئة خصبة تشجع على المنكر والمعصية.

وفي المقابل، نجد من يسوق تبريرات واهية مستهزئاً ومردداً: "إنكم تسعون لحرمان الناس من مباهج الدنيا والأنس والفرح، فلماذا تذكرون دائماً ما يثير الخوف في النفوس؟". وردنا على هؤلاء هو أن تحذيرنا لهم لا يعني أبداً أن الله سبحانه وتعالى يريد تعذيب خلقه في الدنيا.

حاشا لله؛ فهو جلت قدرته يريد مصلحة عباده، ويهدف إلى تقويمهم وبناء نفوسهم بناءً صحيحاً وسليماً. فالإنسان حين ينغمس في ملذات الدنيا، ويبدأ بارتكاب الذنوب متهاوناً في التوبة والاستغفار، ويستمر في ذلك حتى تصبح المعصية طبعاً متأصلة فيه، ينتهي به المطاف إلى الفساد. فلو تأملنا حال أولئك الظلمة والمجرمين والفاسدين والمرتشين، ومن يتفننون في تعذيب غيرهم؛ من أين جاؤوا؟

أليسوا بشراً مثلنا؟ بلى هم كذلك، لكن الذنب الأول الذي استهانوا به، هو ما أوصلهم إلى تلك المرحلة المتدنية، حيث تجردوا من أي وازع أو رادع يمنعهم عن ممارسة الظلم والعدوان والطغيان. فهل نرتضي لأنفسنا الانزلاق إلى هذا المستنقع، عالم الطغيان والتجاوز والظلم؟

لذا، فلنحذر أشد الحذر من أن تخدعنا تلك الأقاويل، فتجرفنا في مسارات الدنيا الزائفة، وتجعلنا في النهاية ننسى ذكر الله سبحانه وتعالى.

لماذا يحزن الإنسان؟

وفي هذا المعنى تستوقفنا هنا آيتان قرآنيتان كريمتان يجدر بنا طرحهما وتأملهما، قوله تعالى في سورة الأنعام:

﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)﴾.

تحمل هاتان الآيتان مفاهيم غزيرة لا يتسع المقام لذكرها جميعاً، لذا من الجيد أن تخصصوا جانباً من أوقات فراغكم لتأمل معانيهما العميقة. ولكن دعونا نقف عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ... أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾، لنتساءل: ماذا تعني كلمة "مُبلسون"؟

لقد كان هؤلاء في البداية يفرحون بالدنيا، ويرغبون في مجالس اللهو، ويضيعون أوقاتهم في كثير من الملهيات. وهنا يجب على كل فرد أن يقف مع نفسه وقفة محاسبة: كم أضاع من وقته، لا سيما في يوم يكون فيه صائماً؟ فعندما يغتر الإنسان ويفرح بهذه المتع الدنيوية الزائلة، تأتيه النهاية فجأة: ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾. فالدنيا تنتهي، والعمر ينقضي، ولا دوام لحال، وحينها يقع "الإبلاس"، وهو الحزن الشديد واليأس المفرط الذي يعترض الإنسان من شدة الألم والحسرة.

ولماذا يحزن الإنسان؟ لأنه يرى الحقيقة ماثلة أمامه بعد انقضاء وقت الفرح. فـ "المُبلس" هو الذي يعتريه حزن شديد عند انكشاف الواقع. ويُقال إن اسم "إبليس" مشتق من هذا الأصل اللغوي (الإبلاس)؛ بل إن إبليس نفسه، ومن تبعه من المذنبين، سيصيبهم هذا الحزن والهم والغم يوم القيامة، حين يرون المؤمنين يدخلون الجنة، بينما يُزج بهم -وهم حزب الشيطان- في العذاب الشديد.

وخلاصة القول، يجب علينا ألا نسمح للشيطان بالاستحواذ علينا وجرّنا إلى هذا المسار المهلك. ولأن تفاصيل هذا البحث تطول، سنكتفي بالانتقال إلى بعض الملاحظات العامة لنختم بها موضوعنا.

الذكر والتذكر في مواجهة النسيان

إن الذِّكْر نقيض النسيان، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (الآية 152). ولعل أولى مراتب الذكر اليومي وأهمها، هي أن يستحضر الإنسان النعم التي وهبه الله إياها. ويجب أن نتخذ من هذا التذكر آلية وعلاجاً وقائياً لئلا ينسى الإنسان نفسه؛ فكلما همّ بالانزلاق في طريق الذنب، وجب عليه أن يتذكر نعم الله عليه.

إن من يغفل عن نعم الله هو الخاسر لا محالة. واللافت أن بعض الناس، وإن مُنحوا نعماً كثيرة، يتجاهلونها أو يقللون من شأنها. فقد تجد فقيراً قليل المال يعيش حياة بسيطة، لكنه يرفل هو وعائلته في ثوب الصحة والعافية، وفي المقابل قد تجد غنياً يملك أموالاً طائلة ولكنه مُبتلى بمرض أحد أبنائه؛ فأمام هذه المفارقة، ألا يجدر بالإنسان أن يستشعر النعمة التي بين يديه ويشكر ربه عليها؟

الذِّكْر يؤدي بالإنسان إلى المعرفة

يذكر الإنسان ربه لئلا يكفر بالنعم التي أسبغها الله على الجميع. فمن ذا الذي يجزم بأن الغني يعيش بالضرورة حياة سعيدة؟ فقد يكون الفقير أكثر سعادة منه. إن الشكر يُعد من أهم عوامل التذكر؛ وبذكر الله وشكره يرتقي الإنسان نحو المعرفة، والحكمة، والتعقل، والتقدم في مسارات الحياة.

فبالذكر يتجاوز الإنسان أخطاءه، ويذلل المعوقات التي تعرقل ارتقاء نفسه، ويتخطى المزالق التي توقعه في المشكلات، مصداقاً لقوله تعالى في سورة البقرة:

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾.

فالله جل وعلا يؤتي الحكمة لمن يستحقها من أصحاب العقول والألباب وأهل التأمل والتفكر. فهؤلاء هم من يبلغون درجات الحكمة، وينجون من الوقوع في شراك الشيطان، سواء في وعيده بالفقر، أو أمره بالفحشاء، أو مكائد ظلمه.

يقول الإمام علي (عليه السلام): "يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ الْحَذَرُ وَالنَّدَمُ خَوْفاً أَنْ تَزِلَّ بِهِ الْقَدَمُ"(15). 

وبناءً على ذلك، يجب على الإنسان أن يبقى يقظاً حذراً، فلا تغره الدنيا، ولا ينخدع بأهل الباطل.

الارتقاء بالذكر

علاوة على ذلك، يمثل الذِّكْر دافعاً لتقدم الإنسان وارتقائه في مسالك الحياة، مما يثمر عن المواظبة على فعل الحسنات، امتثالاً لقوله تعالى في سورة هود:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (الآية 114).

ويؤكد المولى عز وجل في سورة الذاريات:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الآية 55). 

وفي سورة عبس:

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾(4)

إن ذكر الله سبحانه وتعالى يُعد بمثابة تنمية روحية عظيمة للإنسان. والمقصود بالذكر هنا بشقيه: اللفظي والمعنوي؛ فالذكر اللفظي يرسخ الذكر المعنوي في الوجدان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فحين يردد اللسان عبارات مثل: "لا إله إلا الله"، و"سبحان الله"، قد تبدو مجرد ألفاظ، ولكنها تخلق توافقاً وانسجاماً تاماً بين اللفظ والمعنى، مما يؤدي في النهاية إلى نمو وارتقاء الجانب الروحي في قلب الإنسان.

وعن الإمام علي (عليه السلام): "ذاكِرُ اللهِ مِنَ الفَائِزِينَ"(16). فالذاكر رابحٌ دائماً؛ لأن الخاسر هو من يقع في المزالق، ولا سيما مكائد الشيطان وحبائله، أما الفائز فهو الذي يتنبه للمشكلات ويتجاوزها.

الذِّكْر يثمر السعادة

كذلك، فإن الذِّكْر يثمر سعادة الإنسان، ويورثه الطمأنينة والهدوء والاستقرار، كما يتجلى في قوله تعالى في سورة طه:

﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3)﴾.

ومعنى قوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ أن من يتذكر ويخشى الله لا يشقى أبداً. ألسنا جميعاً نبحث عن السعادة؟ كم من كتب نقرأها أملاً في تحسين حال البشرية ومعرفة سبل الوصول إلى السعادة!

يُقال إن أكثر الكتب رواجاً وبحثاً في العالم هي تلك التي تحمل عناوين مثل: "كيف تصبح سعيداً؟"، أو "كيف تجني المال وتسعد؟"، أو "كيف تكسب الأصدقاء وتحقق السعادة؟"، أو "عشر خطوات لبلوغ السعادة". فالبحث الإنساني يتمحور دائماً حول السعادة، وهنا يأتي الجواب القرآني القاطع والموجز ليختصر الطريق: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ، إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.

فالإنسان الذي لا يشقى هو ذاك الذي يخشى الله سبحانه وتعالى، فلا ينسى خالقه ولا ينسى نفسه؛ ليبقى متيقظاً يتجنب الوقوع في مزالق الذنوب والمعاصي والمشكلات. فهذا هو طريق السعادة الحقيقي. ولو أُجري استبيان أو استطلاع لآراء الكثير من الناس حول أسباب شقائهم، لوجدنا أن مردّ ذلك يعود بالأساس إلى الذنوب والمعاصي، والغفلة عن التوبة والاستغفار. ومن الجيد حقاً أن نتأمل ونستطلع أحوال الناس لنفهم أسباب غياب السعادة عن حياتهم.

التذكر لمعرفة الله تعالى

ومن أعظم سبل التذكر: معرفة الله سبحانه وتعالى؛ فالإنسان العارف بربه يدرك بالضرورة مناهجه الإلهية. ومن أدرك هذه المناهج استطاع أن ينمي نفسه ويزكيها، واضعاً إياها على صراط الله المستقيم.

وفي هذا السياق، يقول الرسول (صلى الله عليه وآله): "أَعْرَفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرَفُكُمْ بِرَبِّهِ"(17). وحين نتحدث عن "معرفة الرب"، فإننا نؤكد يقيناً أن ذات الله سبحانه وتعالى لا تُدرك، وإنما المقصود هنا هو معرفة مناهجه، ومعرفة المعصومين (عليهم السلام). فيجب أن نعرفهم ولا ننساهم كي لا ينسانا الله؛ لأنهم الأدلّاء الذين يقودوننا إلى الطريق المستقيم.

انفتاح القلب على النصيحة والوعي

ومن النقاط المهمة في بناء التذكر: انفتاح القلب على النصيحة، وبناء الوعي السليم. إذ ينبغي أن يكون في حياة كل منا ناصحٌ يوجهه، وعلينا ألا نتكبر أو نعاند أمام النصيحة، كأن يستنكر أحدنا قائلاً: "أأنت تنصحني وتعلمني؟!". فهذا من أكبر الأخطاء التي قد يقع فيها الإنسان، وهو من بواعث الشقاء والتعاسة. أما من حظي بناصحٍ يرشده ويحذره من الخطأ، فهو إنسانٌ سعيد في حياته؛ لأنه ينجو بفضل تلك النصيحة من المزالق والمشكلات والأزمات.

وقد جاء في الذكر الحكيم:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة ق، الآية 37).

وكما تطرقنا إلى موضوع "القلب" في مستهل بحثنا هذا، فإن المقصود هنا هو القلب الطاهر النقي، الذي لم يقسُ بعد، ولم يُغلق أو يُختم أو يُطبع عليه، بل هو قلب منفتح؛ فمن كان له مثل هذا القلب، فإنه يستمع للنصيحة وينتفع بها.

وأيضاً، جاء في محكم التنزيل:

﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (سورة الحاقة، الآية 12).

نعم، يمتلك الإنسان في جسده أذناً وقلباً وعيناً وعقلاً، ولكن ما الفائدة من ذلك كله إن عُدِمَ اليقظة وفقد الوعي، وظل غارقاً في ملذات الدنيا ومشاغل المأكل والمشرب؟ ومع كامل الاحترام للقراء، نلاحظ أن الكثيرين ينشغلون بمتابعة صفحات المأكولات والطبخ، وكأن شهر رمضان قد تحول عند البعض إلى شهر للطعام حصراً.

لذا، فإن اليقظة أمرٌ بالغ الأهمية؛ فنحن لا ندعو إلى الامتناع عن تناول الطعام، بل ندعو إلى تناوله بوعي ويقظة. ويجب أن نُعلّم أبناءنا أن الأكل حاجةٌ جسدية وليس غاية للذة المطلقة، لئلا يشتد ارتباطنا وتلتصق قلوبنا بالدنيا.

إن الشغف الشديد بالطعام يؤدي بالإنسان إلى الشراهة، ويُفقده روح القناعة والعطاء، فيتعاظم تعلقه بالدنيا. وهنا نشير إلى أن اليقظة الذهنية تلعب دوراً محورياً حتى لدى الإنسان غير المؤمن؛ فمهما كانت حالته الإيمانية، يمكنه بهذه اليقظة أن يربي جسده تربية صحية سليمة عبر الغذاء الصحي، وهو مطلبٌ أساسي لكل إنسان. بما يؤكد لنا أن الوعي واليقظة يمثلان ركيزة في غاية الأهمية لحياة الإنسان واستقامته.

الاقتداء والتأسي طريق للتذكر

ومن النقاط المهمة في بناء التذكر قوله تعالى في سورة الأحزاب:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الآية 21).

فحين تؤكد الآية الكريمة على مفهوم "الأسوة الحسنة"، فهي تشير إلى أن الإنسان الذي يتأسى برسول الله (صلى الله عليه وآله) يربح خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه يسمو بشخصيته لتتقارب مع أخلاق النبي العظيم وإخلاصه وسيرته، وهذا هو المعنى الحقيقي لاتخاذه قدوة.

إن بلوغ هذا المقام عظيم جداً، ولكنه مشروط باليقين بيوم القيامة والحساب. فمن خلال استحضار هذا الحساب، يكثر الإنسان من ذكر الله في كل لحظة، فيأمن الوقوع في المزالق. أما إذا انزلق في مستنقع الذنوب والمعاصي، فإنه سيعجز عن التأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأهل بيته (عليهم السلام).

إن الاقتداء بأهل البيت وبأمير المؤمنين (عليهم السلام) يقودنا حتماً إلى تقويم مسار حياتنا، لتغدو سعيدة ومستقرة وطيبة، ونتخلص مما يعتريها من مشكلات. وفي المقابل، يبيّن لنا القرآن الكريم عاقبة الغفلة، كما جاء في سورة طه:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126)﴾.

لِنُلاحظ هنا الرابط بين الذكر والضنك؛ فالضنك يعني المعيشة في ضيق شديد يؤذي النفس إيذاءً بالغاً. فالإنسان، وإن كانت أموره المادية في غاية الاستقرار، إذا كانت نفسه في ضيق واضطراب، فسيظل فاقداً للراحة والسعادة؛ وهذا هو المعنى الدقيق للضنك.

وهذه المعيشة الضنك تقع نتيجةً للإعراض عن ذكر الله وأحكامه، والإعراض عن أهل البيت (عليهم السلام). إن الأساس في ذكر الله تعالى يتمثل في الالتزام بأوامره وقوانينه جل وعلا. ومن قوانينه -على سبيل المثال- أن "الصدق منجاة، والكذب مفتاح الشرور"، وعليه، فإن الإنسان الذي يتخذ الكذب سبيلاً، تُصبح معيشته ضنكاً.

وكذلك الحال لمن يُعرض عن ذكر أهل البيت، ويُعرض عن الإمام علي (عليه السلام)، فإن معيشته تؤول إلى الضنك؛ لأن الإمام علي (عليه السلام) هو السبيل لبناء حياة سعيدة، وطريق لنجاة الإنسان في الدار الآخرة.

تطابق الشخصية الدنيوية مع الأخروية

تقدم لنا الآية الكريمة درساً تربوياً بالغ الأهمية في قوله تعالى من سورة طه:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)﴾.

فما المقصود بقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ... أَعْمَىٰ﴾؟ إن هذا التعبير يجسد حقيقة شخصية الإنسان في الآخرة؛ فكما نكون في دنيانا، وكما نصوغ شخصياتنا اليوم، سنكون عليه في أخرياتنا.

وبذلك تتطابق الشخصية الدنيوية مع نظيرتها الأخروية. فكلما اجتهد الإنسان في بناء نفسه، والارتقاء بها، متجافياً عن ملذات الدنيا الزائلة، لتغدو شخصيته أعظم وأسمى ومتحررة من الأغلال الدنيوية التي تقيد باطنه ونفسه؛ تجلت مكانته وشخصيته في الآخرة بالقدر ذاته من العظمة والسمو. وعلى النقيض من ذلك، من ترك شخصيته الإيمانية ضعيفة وهشة في الدنيا، فستكون كذلك في الآخرة.

وهذا هو العمق الكامن في قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾، ولا سيما من عَمِيَت بصيرته في الدنيا عن ولاية الإمام علي (عليه السلام).

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، أنه قال: "يعني ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)". وفي قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾، أوضح (عليه السلام) أن المقصود هو أعمى البصر في الآخرة، وأعمى القلب في الدنيا عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).

وحين يقف العبد متحيراً يوم القيامة متسائلاً: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾، يأتيه الرد: ﴿كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾؛ والآيات هنا -كما يفسرها الإمام- هم الأئمة (عليهم السلام). ﴿وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾؛ لأننا منحناك طريقاً للاهتداء فأعرضت عنه.

ولأنك تركت الاهتداء بأهل البيت (عليهم السلام) وتنكبت طريقهم، فكذلك تُترك اليوم في النار كما تركت الأئمة (عليهم السلام) في الدنيا، حيث لم تطع أمرهم ولم تصغِ لقولهم.

فلو أنه استمع لقولهم، وتذكر هديهم، وأطاع أمرهم -إذ إن "طاعتهم نظامٌ للملة" وبها تستقيم الحياة- لنجا. لكن الإنسان هو من نسي نفسه، واختار طواعية أن يضعها في حلف الشيطان.

لِنقرأ مناهج أهل البيت (عليهم السلام)

ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾، أنه قال: "يعني لو استقاموا على ولاية أمير المؤمنين وعلى الأوصياء من ولده (عليهم السلام)، وقبِلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم، لأشربنا قلوبهم الإيمان". فالطريقة هنا هي الإيمان بولاية علي والأوصياء (عليهم السلام)؛ فهم أهل الذكر، وهم سبيل السعادة. لذا، وجب على الإنسان ألا ينسى، وأن يُبقي نفسه في حالة تذكر دائم.

وختاماً، فإن اليقظة التي تشتد حاجتنا إليها اليوم، تكمن في قراءة مناهج أهل البيت (عليهم السلام)، وتأمل "نهج البلاغة"، واتباع الخطوات التي رسموها لنا. فبذلك نحصن أنفسنا من الوقوع في أحابيل الشيطان والانخراط في حزبه، ونمنعه من الاستحواذ علينا.

فلنتعلم علومهم، ولنقرأ أحاديثهم وكلماتهم، ولنجعلها ذكرى يومية حاضرة في أذهاننا؛ لئلا تزل القدم ويسقط الإنسان في غفلة من أمره -لا سمح الله-. نسأل الله أن يجعلنا دائماً من الذاكرين لطاعته والمؤتمرين بأوامره، لنسير معاً على نهج أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً، ولا سيما الإمام علي (عليه السلام). ففي هذا النهج بناءٌ لأنفسنا ولأجيالنا، وإنقاذٌ لأمتنا مما تكابده من أوضاع. نسأل الله تعالى أن يفرج عن هذه الأمة، وأن يُنزل علينا الأمن والسلام.

* هذا المقال هو تحرير لمحاضرة ألقيت في جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية في شهر رمضان الكريم

..............................................

(1) الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج ٢ - الصفحة ١٩٤.

(2) التوحيد - المفضل بن عمر الجعفي - الصفحة ٣٨.

(3) مرتضى معاش، المشاكل النفسية في الجماعات، مجلة النبأ، العدد 25-26، 1419ه.

(4) الكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - الصفحة ٢٦٨.

(5) يمكن تشبيه العقل اللاواعي بأنه غرفة تخزين لكل شيء يمر على العقل والذي أصبح حالياً غير موجود في العقل الواعي. يقوم العقل اللاواعي بتخزين جميع تجارب حياتك السابقة، ومعتقداتك وذكرياتك ومهاراتك، وجميع المواقف التي مررت بها، وجميع الصور التي رأيتها في حياتك.

الطبقة الاولى الوعي وهي الطبقة السطحية وتشمل كل ما يدركه الانسان في اللحظة مثل الافكار والمشاعر والقرارات والانتباه، الثانية ما قبل الوعي وهي طبقة وسطى لا تظهر في الذهن بشكل مباشر لكنها قابلة للاسترجاع وتشمل الذكريات والمعلومات المخزنة والمهارات التي تعلمها الانسان، الثالثة اللاوعي وهي اعمق طبقة ولا يمكن الوصول اليها بسهولة لكنها تؤثر بشكل كبير في السلوك والمشاعر وتشمل الرغبات المكبوتة والذكريات المؤلمة والغرايز والدوافع الخفية، فرويد شبّه العقل بجبل جليدي حيث الجزء الظاهر يمثل الوعي والجزء المخفي يمثل اللاوعي، ثم جاء يونغ واضاف مفهوم اللاوعي الجمعي وهو مستودع نفسي مشترك بين البشر يحوي رموزا وصورا متكررة في الثقافات مثل صورة الام والظل والبطل.(انترنت+جات جي بي تي).

(6) الاختصاص - الشيخ المفيد - الصفحة ٢٤٣.

(7) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع)، خطبة رقم:1.

(8) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم‏، عبد الواحد بن محمد التميمي الآمدي، رقم: 4665.

(9) المصدر السابق، رقم: 4661.

(10) الكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - الصفحة ٢٧٣.

(11) عيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق - ج ٢ - الصفحة ١٠٠.

(12) بحار الأنوار-ط دار الاحیاء التراث المؤلف: العلامة المجلسي، جزء: 1 ص: 122.

(13) الأمالي - الشيخ المفيد - الصفحة ١٥٧.

(14) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع)، خطبة رقم: 28.

(15) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٩٠.

(16) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٨٨.

(17) الاقتصاد، الشيخ الطوسي، ص ١٤.

اضف تعليق