يتفق جميع المتابعين بالشأن السياسي والعارفين بأمره، أن حزمة القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية هي تعبير عن مفردات المنهاج الحكومي، إذ إن حكومة رئيس الوزراء بنت الإجماع داخل مجلس النواب وهو من منحها الثقة، وبهذا يكون عمل البرلمان مكملا لعملها وداعـمـا لها ومتابعا لخطواتها، مرة بالارشاد والتسديد وأخـرى بالمحاسبة والمتابعة والاستجواب، والاخيرة تعبيرا عن الدور الرقابي لمجلس النواب.

ولكن للاسف تم يوم الثلاثاء الماضي الـقـراءة الأولــى لمشروع قانون جرائم المعلوماتية، الـذي يشكل خطراً يهدد حرية التعبير عن الرأي في الكثير من مـــواده، وكنا قـد حـذرنـا منذ سنوات من خطورة هـذا القانون ومضامينه، فهو يتعارض مع العديد من المواثيق والـعـهـود الــدولــة، كــالإعــلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق الثقافية والسياسية.

فضلا عن انتهاكه للدستور في المـادة (38): (التي تضمن حرية التعبير عن الرأي، التي نصت على (تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب: أولا: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل. ثانياً: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. ثالثاً: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون)، والمادة (40) التي نصت على (حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والالكترونية وغيرها، مكفولة ولا يجوز مراقبتها أو التنصت عليها، أو الكشف عنها، إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي).

ومن هنا يصبح السؤال مشروعا عن توجهات الحكومة وبرنامجها ومنهاجها، فهل يقع هـذا المشروع ضمن متطلبات عملها، وهــي التي تحتاج الـصـوت المـعـارض، الـــذي يـشـيـر إلـــى الاخــطــاء ويـؤشـر العثرات والـكـبـوات لأيــة حكومة.

يرى بعض المتابعين أن مجلس النواب يترك مشاريع قوانين مهمة، وبخاصة تلك التي تتعلق بحياة المواطنين في الجوانب الخدمية والاقتصادية، وهي ما تشكل لب مضامين المنهاج الحكومي، ويتجه إلى مشاريع قوانين مرحلة من دورات سابقة قدمتها الحكومات السابقة.

ولعل قانون المعلوماتية يعد من القوانين القديمة، اذ قدم للبرلمان في تموز 2011 كردة فعل على تظاهرات 25 شباط 2011، وجرت مناقشات وجــوالات واسعة من الحوار والاختلاف بشأن، ولكن للأسف فإن البرلمان ورغم تحذير منظمات المجتمع المدني من اخطار هكذا قوانين على الحياة الديمقراطية وقيمها، لأنها تفتح الأبواب واسعة لعهد جديد من القمع وتكميم الأفــواه من خلال بعض مواده التي، ضمنت السجن والغرامات المـالـيـة الـكـبـيـرة.

وقـد وصــف مشروع القانون هذا بأنه شبح يطارد أصحاب الرأي. اذ وصلت عقوبات السجن فيه إلى حد المؤبد، وتضمن القانون الـذي يتألف من (30 مــادة) عــلــى اكـثـر مــن عشرين مــادة عقابية، نصت على السجن أو الغرامة، اذ تصل الـغـرامـات إلــى 100 مليون دينار، بينما تصل عقوبات السجن إلى 30 عاما، وصور القانون المدونات وكأن جميعها يشكل تهديدا خطيرا للأمن القومي.

واعطى السلطات فسحة التأويل من خلال وجود المصلحات والمفاهيم الفضفاضة والعائمة للأخطار، التي يشكلها الرأي أو صناعته من المدونين وعـــدم الـتـفـريـق بــين الـسـب والشتم والقذف والنقد للأفراد والمؤسسات.

ويعد هذا القانون تقييدا واضحا لحق الـوصـول للمعلومة ونشرها وبخاصة ما يتعلق بقضايا الفساد. نستطيع أن نقول إن هذا القانون لو شرع فهو ضربة قاصمة للحريات، وانـتـهـاك لمبادئ الدستور والقيم الديمقراطية. فيفهم من جميع مواد القانون على أنه موجه لتكميم أفــواه المعارضين للسلطة، وهـي إشـارة واضحة لرفع السلطة العصا الغليظة بوجه المعارضين ولكن بشكل مقنن، فهل هذا جزء من المنهاج الحكومي؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق