شهدت وسائل التواصل الاجتماعي انتشار واسع وتزايد واضح لعدد مجاميع التواصل التي تصنف نفسها أنها مجاميع نخبوية. في ذات الاتجاه شهد مصطلح النخبة استخداما جائراً لمعانيه بحيث بات كل من ينضم لتلك المجاميع يرى نفسه من النخب التي يمكن أن تؤثر في القرارات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

وجرياً مع النظريات التقليدية للنخبة (باريتو، موسكا أو ميشيل) تصور كثير من أعضاء تلك المجاميع أنهم خرجوا من مجموعة المحكومين من غير النخب governed non-elites الى مجموعة النخب الحاكمة governing elites أو الصانعة للقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وعلى الرغم من أني لست من أنصار نظريات النخب أساساً، الا أني أتفهم منطقها التاريخي المستند الى أن العالم منقسم الى أقلية قابضة على السلطة، وأغلبية خاضعة لتلك السلطة. تنقسم النخب تقليدياً الى طبقات من النخب السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية أو الثقافية وبحسب درجة تحكمها بسلطة القرار في تلك المجالات.

ولو سلمنا بصحة منطق نظرية النخبة فأن الساحة العراقية تفتقد حالياً لما يمكن أن نطلق عليه (طبقات) نخبوية يمكنها تنسيق وتوحيد قرارها لقيادة التغيير في أي من المجالات أعلاه. نعم، قد يوجد أفراد يمكن تصنيفهم أنهم نخب سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو حتى اجتماعية، لكن ما زال الوقت مبكراً في رأيي لتشكيل طبقات نخبوية تقود التغيير.

نخبة جديدة

أن التاريخ هو مجرد قصة نخبة تحل محل أخرى بحسب باريتو أو ما يسميه “تداول النخب circulation of elites. فعندما تبدأ النخبة الحالية في التراجع، يتم تحديها لتفسح المجال لنخب أخرى تحل محلها. اعتقد باريتو أن هذا يحدث بطريقتين: إما من خلال الاستيعاب، أو دمج النخبة الجديدة مع عناصر من القديمة. أو من خلال الثورة، أي النخبة الجديدة التي تمحو القديم. يشهد العراق حالياً حالة سيرورة كبرى، وانتقال شامل من نظام سياسي واقتصادي واجتماعي تقليدي الى نظام جديد كلياً، تم فيه القضاء تقريباً على النخب القديمة، لكنه لم ينجح بعد في تشكيل نخب بديلة بسبب عدم وضوح معالم هذا النظام الجديد.

فعلى الصعيد السياسي لا زال نظامنا يترنح بين المركزية واللامركزية، والديموقراطية والدكتاتورية، والليبرالية والدينية، والأغلبية والتوافقية. أما على الصعيد الاقتصادي فلا زال نظامنا يعاني من الفرانكشتانية الاقتصادية حيث هو نظام رأسمالي-اشتراكي-ريعي-كليبتوقراطي.

وعلى الصعيد الاجتماعي فقد شرحت في سلسلة مقالات سابقة كيف أن مؤسسات الضبط الاجتماعي التقليدية (الأسرة، المدرسة والمسجد والحكومة) تشهد حالة مستمرة من تآكل سلطاتها وانتقالها الى فاعلين جدد لم يتمكنوا بعد من ملء الفراغ الذي تركته السلطات الاجتماعية التقليدية.

لقد ظهرت في العراق ظاهرة جديدة تماماً في علم الاجتماع هي ترييف المدن. فبدلا من أن يحصل تحضر للريف كما هو الحال في كل دول العالم حصل لدينا ترييف للمدن بحيث لم تعد النخب التقليدية موجودة، أو في أحسن الأحوال في طريقها للزوال. والغريب أنه لم تختفي فقط النخب الحضرية في المدن (العوائل المتنفذة، البيروقراط الكبار، كبار الضباط…الخ) بل تتلاشى تدريجياً سلطة النخب الريفية (الشيوخ وملاك الأراضي) خارج المدن. حدث نفس الشيء على الصعيد الثقافي حيث غاب خريجي مدارس الحكمة والراهبات وكلية بغداد وأندية العلوية والصيد والبورت كلاب ودور ومؤسسات ومجالس الفن والثقافة والآداب. وفي غياب كل مصانع النخب هذه، لا زالت عملية الأحلال والتبديل متلكأة وبالتالي غير قادرة على خلق نخب جديدة تقود عملية التغيير.

أن الرهان-حالياً على الأقل- على النخب لكي تقوم بعملية التغيير التي تريدها الغالبية المطلقة من العراقيين يبدو رهاناً خاسراً. وفي ظل فقدان الخيارات الأخرى القادرة على التغيير (الاحتلال، أو العسكر أو حتى النظام الانتخابي الحالي)، يبدو الخيار الشعبي هو الأكثر واقعية والأسرع تأثيراً. لكن المشكلة في مثل هذا الخيار هي خطورته على السلم الاجتماعي.

لذا يجب توفر أدارة عقلانية وغير مندفعة لهذا الخيار، تستطيع حشد قوى الشارع ولكن ضبطها وعدم السماح للعواطف بالتحكم فيها من جانب آخر. لقد انتهت كما يبدو حلول التغيير التي جربناها منذ 2003 وصار لزاماً البحث عن حلول أخرى لا تستند لنظريات وتجارب ترتضيها النخب-لأنها غير موجودة أصلاً-بل تستند لآمال وارادة الشعب.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق