(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)

طرحنا في المقال السابق ضمن محور (من هو المسلم)، التحديات التي تواجه شخصية الفرد منها، تحدي عصر الحداثة وما بعدها حيث يتميز بكثرة المغريات والملهيات التي تملأ أوقات الإنسان، بالترف والمتعة واللهو واللعب، والكسل والضجر. وتحدي حب التملّك للأشياء فهذا العصر يعجّ بالأشياء الكثيرة التي تدور حوله، أو يدور حولها، بما أدى الى تضخم الاستهلاك بما يفوق الحاجات الأساسية. وتحدي الحداثوية المادية الذي كسر كل الأطر الإنسانية. وتحدي تخمة العصر بالمعلومات والأفكار والثقافات التي تبثها الآلة المعلوماتية الفخمة جدا. وتحدي المناهج التي تهيمن على إدارة المجتمعات هي مناهج مستورَدة.

وتؤدي هذه التحديات إلى تشكيل شخصية أخرى، فقد يبدو الإنسان مسلما في الظاهر، لكن في الحقيقة تكون ثقافته وقيمه الأخلاقية غير إسلامية، وكذلك اختلال الهوية وتشكيل شخصية ازدواجية ومتناقضة.

إن هذه التحديات تؤثر بشكل أساسي على تشكيل شخصية المسلم، ومعرفة هذا الأمر يعطينا وعيا وإدراكا للمآلات أو للنهايات التي يصل إليها الإنسان، حتى نستطيع أن نستجيب إلى هذه التحديات، ومن أهم هذه الأمور التي يجب أن نبحث عنها هي كيفية تأثير هذه التحديات في تشكيل شخصية الإنسان.

عناصر تشكيل الشخصية وتشكلها

تتشكل شخصية الإنسان بشكل عام من خلال التفاعل مع المحيط الذي تعيش فيه، سواء كان المحيط الطبيعي، أو الجغرافي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو التربوي، ونقصد بذلك كل أنواع البيئات الموجودة في حياة الإنسان، والتي يتفاعل معها بشكل يومي من خلال الفعل ورد الفعل، حيث تبدأ عملية الانطباع والتطبّع السلوكي والثقافي في داخل الإنسان.

من خلال ردود الأفعال تتشكل في ذهن الإنسان مجموعة من الأفكار التي تتحكم بسلوكياته، على سبيل المثال لو أن الإنسان لاحظ وجود كذب في الأسواق أثناء تعاملات البيع والشراء، وليس هناك بديل يعطيه الرؤية الصحيحة، وإذا كان هذا الإنسان غير محصّن ولم يتلقَّ التربية اللازمة، فسوف يتأثر بهذه البيئة ويتفاعل معها من خلال اعتبار الكذب شيئا طبيعيا في سلوكه، فهو يكذب لأنه يعتقد في فكره أن الكذب هو ربح له وتجنب للمشكلة او هروب منها، وهكذا تتشكل شخصيته على التعامل بالكذب لأنها أصبحت فكرة راسخة في ذهنه.

وراء كل سلوك فكرة

فوراء كل سلوك فكرة، تدعم سلوكه وتبرّره، نلاحظ أن بعض الناس يبرّرون أفعالهم وأقوالهم دائما، لأن الخلفيات الفكرية الموجودة لديهم تبرر لهم هذا السلوك في اللاوعي واللاشعور، فتفاعله مع البيئة يؤدي إلى تشكل شخصية الإنسان حسب هذه البيئة، وهذا التفاعل أما أن يسير في طريق الخير وتنبثق منه الفضائل، ويعيش في مجتمع متوازن معتدل، الصدق والأمانة وبقية الفضائل الأخرى فيه واجبة. وهكذا فإن الأفكار التي تتشكل لديه تنبثق من هذه البيئة.

أو العكس من ذلك هناك بيئة تؤدي بالإنسان نحو الرذائل، أو التذبذب بيْنَ بيْن، تارة تقوده الاجواء نحو الفضائل، وأخرى نحو الرذائل، وهناك مجتمعات ازدواجية، تؤدي إلى تشكيل الشخصية الازدواجية أو المزدوجة التي تتذبذب بين الفضائل والرذائل، على سبيل المثال الإنسان الذي لا توجد لديه أمانة، لكنه في نفس الوقف لديه كرم، أو تلاحظ أحدهم عنده خطوة خير، واخرى شرّيرة.

وقد ذكرنا سابقا، أن المنظومة الأخلاقية لابد أن تكون واحدة، ولا يمكن التبعيض فيها لكي تصبح منظومة ناجحة، أما إذا أصبحت تبعيضية، فهذا يؤدي إلى بناء الشخصية المزدوجة والازدواجية، وهذا بدوره يؤدي إلى النفاق.

ويمكن ملاحظة نمو الشخصية وتشكلها من خلال:

أساليب التربية

أولا: أساليب التربية التي ينشأ في ظلّها، ومنها الأساليب التربوية غير المخطط لها مثل الأساليب العرفية التي تنتج من خلال الأعراف الاجتماعية، فالتربية اليوم غير منظمة في كثير من المجتمعات، وغير مخطط لها أي تربية عشوائية.

وحين تقوم التربية مثلا على العنف والقسر والفرض، أي استخدام العنف في التربية، فهذه وراثة عرفية خاطئة لأنه لا يتربى الإنسان ولا يتأدّب من خلال القوة والإكراه، فلا يتم تشكيل شخصية قوية متماسكة بل ينتج العنف شخصية هشّة، والشخصية المتماسكة قادرة على مواجهة التحديات، أما الشخصية الهشة فإنها تكون ضعيفة في مواجهة التحديات بل تخضع لها وتنهار أمامها.

الحواضن المجتمعية

ثانيا: الحواضن التي ينمو فيها الإنسان، وهذه الحواضن تختلف اختلافا كبيرا جدا عن التربية، فالتربية تكون في مجتمع مصغّر وهو الأسرة، أما الحواضن فهي مجموعة الأشكال المختلفة الموجودة في المجتمع، كالحاضنة المدرسية، الحاضنة السكنية بالحي الذي يعيش فيه، حاضنة الأصدقاء، حاضنة الرأي العام، حاضنة المجتمعات المختلفة التي يدخل فيها، كل هذه الحواضن المختلفة تؤدي إلى بشكل مختلف الى تشكيل شخصية الإنسان.

أنواع الذكاء

نلاحظ أحيانا هناك شخصيات ذكية ولديها إمكانية وقدرة على التمييز ومعرفة التحديات التي تواجهها، وهناك في نفس الوقت شخصيات سطحية تتأثر كثيرا بأجواء الحواضن التي تكون فيها، وتتأثر بأفكارها.

هناك نوعان للذكاء الإنساني، وهما الذكاء الفطري الطبيعي، وهذا الذكاء يختلف فيه البشر، فتجد أحدهم ذكي جدا، والآخر متوسط الذكاء، وآخر ضعيف الذكاء، ولكن هذا الذكاء لا يرتبط بالذكاء الاجتماعي وهو الذكاء الأهم لأنه يعتمد على الخبرة، أحيانا نلاحظ شخصا ذكاءه عاديّا لكن ذكاءه الاجتماعي في مستوى جيد نتيجة الخبرة التي حصل عليها.

وهذا يثير تساؤل حول الحواضن ومدى تأثيرها في الإنسان أكثر من الأسرة؟

وقد سُئِلْتُ هذا السؤال في إحدى محاضرتي حول التربية، وقال السائل بأنه وفّر كل شيء لأولاده في الجانب التربوي، لكنه لم يحصل على النتائج التي كان يتمناها، ولم يحصد النتائج التربوية التي أتحدث عنها، نعم هناك تأثير تربوي بشكل نسبي، لكن من جانب آخر لم يتحقق التأثير التربوي الكبير.

الجواب عن ذلك أن التربية يجب أن تكون تربية جوهرية، وقائمة على بناء قوة الشخصية عند الإنسان، فعندما يخرج هذا الإنسان إلى الحواضن والبيئات المختلفة فإنه يتأثّر بها، وهذا يعني أن التربية الأسرية التي تربّى عليها وإنْ كانت سليمة لكنها لم تؤدِّ إلى بناء شخصية قوية متماسكة، ولهذا فإن الخبرة الاجتماعية مهمة في عملية التربية.

إن الأسر في الغالب تتصور بأنها ستنجح إذا أحاطت أبناءها بالضبط القسري أو الإكراه في ترسيخ القيم الاجتماعية، أو عزلهم عن الحواضن، ولكن هذا العزل وهذا الضغط يحرم الإنسان من الحصول على الخبرة الاجتماعية في الحياة، وهذا الامر يحتاج إلى ثقافة جيدة، حتى تكون هناك مدخلات ومخرجات، لبناء الخبرة.

التربية ليست تعليم تلقائي فقط، أو تعليم تلقيني، بل هو برمجة لبناء الخبرة أو الذكاء الخبروي عند الإنسان، بحيث عندما يخرج من بيئته أو أسرته إلى البيئة أو إلى الحواضن الاجتماعية، يكون أقوى منها ولا يتأثر بها بل يكون هو المؤثِّر فيها.

امتلاك الذكاء الخبروي

هناك بعض الناس شخصياتهم قوية وجيدة، ويمتلكون ذكاء فطريا واجتماعيا قويا ويستطيعون أن يتفاعلوا مع البيئات المختلفة ويؤثِّرون فيها، وهذه من صفات القادة، لاسيما الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام). حيث كان رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لديه الذكاء الخبروي الكبير، بحيث كان يجذب كل الناس إليه.

إحدى القضايا التي لاحظتها أثناء الإغلاق الذي حدث في جائحة كورونا، حيث تعطّلت جميع المدارس وتحولت إلى التعليم الإلكتروني وليس الحضوري، ربما يكون الإنسان قد حصل من التعليم الإلكتروني على مجموعة من المعلومات الجيدة، ولكن يبقى الشخص جالسا في بيته، وليس لديه اختلاط مع الآخرين.

بعض الناس نجحوا في التعليم الإلكتروني ولكن أكثرهم فشلوا وكانت نتائج هذه التجربة محبِطة في العالم كلّه ومدمِّرة للتعليم، والسبب في ذلك أن التعليم في جوهره ليس تعليما فقط، وإنما عملية خبروية عند الإنسان، وبناء الخبرة عنده تتم عن طريق التفاعل مع الآخرين، وباعتبار الإنسان كائن اجتماعي فإنه يحتاج إلى التدرب على اكتساب الخبرة.

بناء الشخصية القوية المتماسكة

لذلك فالإجابة عن السؤال في أعلاه، تؤكّد بأن التربية يجب أن تقوم على بناء الخبرة الذكية عند أفراد الأسرة، بحيث يكون الإنسان ذكيا وفطنا في التعامل مع الآخرين، ولا تخدعه البيئات المختلفة التي يدخلها بحيث يضيع فيها وبالنتيجة يصبح إبنًا لتلك البيئات.

وعنه (صلى الله عليه وآله): (المؤمن كيس فطن حذر).

إن الخبرة الذكية فيها جانبان، الجانب الأول شخصية الأبوين بما تحمله من خبرة اجتماعية وإنسانية، وتكون مؤثرة جدا في أفراد الأسرة، بحيث يرث الأبناء شخصيات آبائهم، فنجد أن شخصية الابن أو البنت متأثرة بشخصية الأبوين، لذلك فالخبرة التي يحملها الأب والأم تكون مؤثرة في تشكيل الخبرة عند الأبناء.

الجانب الثاني، النصائح المهمة في عملية بناء شخصية الإنسان، بحيث يكون شخصية متماسكة أقوى من شخصية المجتمع، فيكون تفاعله إيجابيا وليس سلبيا، فيكون هو المؤثِّر، بالطبع سوف يتأثر بالمجتمع ولكن قوة شخصيته تتأثر بالأشياء التي تتناسب مع خبرته، أي مع الفضائل والأشياء الجيدة.

على سبيل المثال، من القضايا المهمة في التربية الأسرية، أن تكون صادقا في حياتك، أي تعلّم الابن الصدق وتأتي له بأمثلة، وحينئذ لابد للأب والأم أن يكونا صادقيْن في حياتهما، ويكون الصدق متلبّسا في شخصياتهما، فيلاحظ الأبناء هذه الخبرة الموجودة لدى أبويه فيأخذها منهما، وينطلق فيها للمجتمع.

التفاعل العاطفي في الأسرة

لذلك لابد من الانتباه الى الحواضن التي يكون لها تأثير سلبي على الأبناء، ونقصد مختلف الحواضن، كالحاضنة المدرسية، وحاضنة الصداقات والجماعات والنشاطات، فأما يكتسب الإنسان الفضائل أو الرذائل من خلال شخصيته، فإذا كانت ضعيفة سوف تأكله الحواضن، مثال على ذلك، الطفل الذي لا يحصل على تفاعل عاطفي من الأسرة، ولا يحصل على الحنان العاطفي، وليس لديه حوار مع العائلة، فعندما يختلط بجماعة من أصدقائه، ويتفاعل معهم عاطفيا ويتحاور معهم فتصبح تلك الجماعة أباه وأمه، فيتلقى كل أفكاره وثقافته وسلوكياته من هذه الحاضنة.

لذلك يقع بعض الافراد في فخ التطرف، إذ تحتضنه جماعات متطرفة، وتشبع له حاجاته النفسية والفكرية والذاتية، فينتمي إلى هذه الجماعات ويتمرد على أسرته.

حاضنة الشبكات الاجتماعية

وسائل التواصل الاجتماعي من الحواضن المؤثِّرة في بناء الشخصية، فهذه الشبكات فوضوية، ويكون تأثيرها سلبيا في كل الأحوال، لكن توجد فيها بعض التأثيرات الإيجابية على بعض الناس، لأنها بمثابة عملية تنفيس، فأغلب الناس الذين يدخلون مواقع التواصل يقومون بعملية تنفيس، وهي عملية معتمدة على اليأس والاحباط، فيُخرج يأسه وإحباطه من نفسه ويلقيه كالقمامة في شبكات التواصل.

اليائسون المحبطون هم الأغلب، لكن هناك بعض الناس لديهم رسائل وأفكار جيدة، ويمنحون الآخرين الأمل والتفاؤل، والمشاعر الإيجابية، ويحركون النوازع الخيِّرة عند الناس.

الغايات والنهايات

ثالثا: التربية أولا هي التي تشكل شخصية الإنسان، وتفاعله مع الحواضن ثانيا، وثالثا الغاية التي يريد أن يصل إليها، بمعنى إلى أين يريد أن يصل الإنسان، والغاية ليست الهدف لأنه أقلّ من الغاية التي تعني (الهدف الأسمى) أو الأبعد أو المنتهى، فما هي الغايات التي يريد الوصول إليها، هل عنده غاية أولا توجد لديه غاية؟

هل غايته خيِّرة أم شريرة، وهل لديه غاية جيدة أم سيئة؟ أم غايته عبث، أي لا توجد لديه غاية أصلا، فالتفكير في المنتهى والنهاية او عدم التفكير، يؤدي إلى تشكيل الأفكار في شخصية الإنسان.

مثال على ذلك، إذا كان أحدهم غايته السلطة، فعندما يصل إلى السلطة تصبح هي الغاية المطلقة له، وبالنتيجة (الغاية تبرر الوسيلة)، فيستخدم كل الوسائل الجيدة وغير الجيدة للاحتفاظ بالسلطة، سواء بالتملق أو النفاق، أو الانتهازية واتباع الرذائل، المهم أن يصل إلى تلك الغاية وهي السلطة، هذا منتهى ما يريده. بالنتيجة تتحكم الغاية بتفكير الإنسان، وعندما يفكر بهذه الأفكار يؤدي ذلك إلى تشكيل شخصيته وسلوكه.

حواضن الخير والشرّ

بالطبع أغلب الناس لا توجد لديهم غاية، فعندما تسأله ما هي غايتك وماذا تريد؟، فلا يعرف غايته وبهذا تكون حياته عبث لأنه يريد أن يقضي يومه بلا هدف، وسوف نبحث هذا الأمر في مقال قادم، (المسلم بين الغاية والعبث).

هذه الفاصلة الزمانية المكانية الموجودة في حياة الإنسان، هي التي تتحكم بتشكيل شخصيته، مثلا إذا أراد أحدهم أن ينطلق بسيارته وتسأله إلى أين ذاهب؟، سوف يجيبك بأنه يريد الوصول إلى المكان الفلاني، فهذا هو هدفه، وقد تسأل آخر إلى أين تريد أن تصل؟، فيجيبك لا أدري إلى أين أريد أن أصل!، أنا سأتجول بسيارتي بلا هدف، مجرد جولة لا أعرف إلى أين ستأخذني، وهذا هو العبث أو الضياع أو التيه الذي يحدث عند الإنسان.

أحيانا تسأل أحدهم، ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟، يجيبك أريد أن أصبح طبيبا، هذا هو الهدف، لكن ما هي غاية أن تكون طبيبا؟، أحدهم يقول لك أنا أريد أن أكسب الأموال وأبقى كذلك حتى نهاية حياتي، هذه تسمى الغاية. لكن هناك آخر يريد أن يخدم المرضى كحالة إنسانية، هذه تسمى غاية أيضا، لكن هناك فرق واضح بين الغايتين، فالأول غايته مادية، والثاني غايته إنسانية معنوية.

وقد يجيبك أحدهم إنه يريد أن يصبح طبيبا، لكن ماذا بعد ذلك لا يعلم، مجرد أن يحصل على الشهادة، وهذا نوع من العبث في حياة الإنسان، كل هذا نتيجة لأفكار تتشكل في أنفسنا، وهذه الأفكار تؤثر على سلوكياتنا في الحياة.

مزايا العقل المعرفي

هناك آية قرآنية مهمة في القرآن الكريم، وكل الآيات القرآنية مهمة وفيها معانٍ قيّمة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة 286، الله سبحانه وتعالى جعل الحياة مفتوحة أمامنا للعمل، وتراكم هذا العمل هو الذي يؤدي إلى تشكيل سلوكياتنا وشخصياتنا.

وحين يقول تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فهذا يعني أن الله تعالى أعطى للإنسان طاقة وعليه أن يستثمرها جيدا، فمثلما أعطانا تعالى العقل لكي نستفيد منه لزيادة معرفتنا وعلومنا وتفكيرنا، هناك بعض الناس يستخدمون عقولهم، وهناك آخرون لا يستفيدون من عقولهم بأي شيء، الله تعالى يريد أن يضع الحجة على البشر فقال سبحانه: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ولم يكلفنا الله تعالى شيئا يفوق طاقتنا.

هناك نقطة مهمة في برمجة حياتنا، فبعض الناس يصل إلى مرحلة معينة من الفشل، فمثلا أحدهم تجاوز مرحلة الشباب ولم يحقق شيئا في حياته، فقد يكون قضى عمره في اللهو واللعب وتضييع الوقت والعبث، فيصل إلى مرحلة معينة يحمّل فيها مسؤولية فشله على المجتمع، وعلى والديه وعلى الله أيضا، ويدعي ان الحياة لم تنصفه، فتجيبه الآية المذكورة (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

لها الربح وعليها الخسارة

إن عبارة (لها ما كسبت)، بمعنى الأشياء الجيدة التي كسبها الإنسان تكون له، (وعليها ما اكتسبت) فالشيء الذي اكتسبه من خلال الرذائل التي سلكها أو الأفكار الشريرة أو العبثية تكون عليه وضده.

الربح والخسارة مرتبطان بسعي الإنسان وطاقته، وعمله، ليس معقولا أن يقارن أحدهم يعمل بشكل سيء نفسه، مع شخص عمل طوال حياته بجد، ويريد أن يحصل على راتب مثل راتبه، هناك موظف يجتهد في عمله وهناك من يخلّ في عمله، فقيمة المكافأة هنا يجب أن تختلف وهذا هو الإنصاف والعدل، معنى العدالة هو أن يحصل الإنسان على استحقاقه من خلال ما كسبه.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (قيمة كل امرئ ما يحسنه)، وذلك من خلال عملية الاكتساب والكسب الجيد المستمر للإنسان، فيصبح له.

إن الإنسان يقع في حياته في جوانب مختلفة، مثلا يقع في أخطاء وعثرات واشتباهات وأخطاء وذنوب ومعاصٍ، فالأشياء الجيدة تُحسَب له، والأشياء غير الجيدة تكون عليه، لذلك فإن الله سبحانه وتعالى في الآية القرآنية يعطي مجالا للإنسان لعملية التصحيح، لأننا نحتاج إلى عملية تصحيح حتى يكون الكسب منظَّما مرتَّبا نحو الغاية، ولا يكون متذبذبا بين الجيد والسيّئ، وهذا يحتاج إلى عملية محاسبة النفس والاستغفار والتوبة، حتى تكون عملية كسب الإنسان منظَّمة، مرتبة تتجه نحو الترقّي والسمو.

الاكتساب الثقافي العشوائي

إن الآية القرآنية التي وردت في أعلاه تعطينا معنى أن الإنسان لابد أن يكون ذكيا في عملية تشكيل وبناء شخصيته، فالعمل مقترن بالصالح دائما كما يرد في كثير من الآيات القرآنية الكريمة، وهو يؤدي إلى بناء الكسب عند الإنسان بناءً جيدا، كذلك فإن عملية كسب أو اكتساب الثقافة، لابد أن تكون ذكية، لأن المشكلة التي نواجهها هي عشوائية في اكتساب الثقافة.

في بعض الأحيان يكون لدينا انبهار بالثقافة القادمة إلينا، ولا نقرأ هذه الثقافة قراءة واقعية عملية، كي نتأكد هل هي جيدة، فيجب أن نُرجِعها إلى المصادر الأساسية وهي القيم الفطرية، والقرآن الكريم، وأهل البيت (عليهم السلام)، وقد يكون هناك جهل منا بثقافة الإسلام.

إن أحد أسباب التشويه الذي يحدث للشخصية المسلمة، هو نتيجة للاكتساب الثقافي العشوائي، هناك أفكار ومصطلحات غريبة علينا فننبهر بالمصطلح، وننبهر بالحداثة العمرانية، وكذلك بالتكنولوجيا وشبكات التواصل، وننظر إلى أنفسنا في قمة التخلف، وهؤلاء الذين ابتكروا هذه الأشياء في قمة التقدم، لكن هذه الموازين خاطئة وقد تؤدي إلى عملية اكتساب مشوّه.

لابد أن ندرس التقدم الثقافي والواقعي دراسة واقعية عملية، ما الذي يفيد الشخصية؟، هل شبكات التواصل تفيد الإنسان، أم الكتاب العقائدي الثقافي هو الذي يفيد الإنسان؟

الإعمار النفسي والأخلاقي

إن الإعمار المادي جيد للبشر، فكلنا لدينا بيوتنا التي نحب أن تكون جميلة ومنظمة ومرتبة، لكن المشكلة أن هذا الأمر أصبح غاية على حساب البناء المعنوي، الإسلام ورسالة الأنبياء ورسالة الأئمة (عليهم السلام)، والقرآن الكريم، والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، هي رسالة لبناء الإنسان بناءً معنويا، ومنها الإعمار النفسي والإعمار الأخلاقي، والرصانة الذاتية والفكرية، وهذا هو الأساس في بناء الشخصية.

هل قرأت يوما أن أحد الأنبياء بنى برجًا أو قصرا، فقد كانت رسالة الأنبياء بناء الإنسان، مثلا إذا لم تبنِ إنسانا يمتلك ثقافة مرورية، فسوف يصبح الشارع فوضويا، فنلاحظ أن الشارع جميل والسيارات جميلة أيضا لكن الأهم من كل ذلك الإنسان الذي يحمل في داخلة ثقافة النظام ويؤمن به، أما أن يكون السائق بلا ثقافة ويقود سيارة جميلة وفارهة في شارع جميل ولكن قيادته متهورة، فهذا يؤدي إلى الفوضى في الشارع، وهذا يعني أن البناء المادي لهذا الإنسان فاشل، لأنه افتقد إلى البناء الثقافي اللازم. فالإنسان الذي يسير بطريقة سليمة ونظامية في الشارع، فهو يمتلك البناء الأخلاقي الجميل والمنظّم، وهو عكس الشخص الفوضوي.

لذلك وفي ظل الفراغ المعنوي تصبح قضية الإنجازات المادية لا معنى لها، يقول الله سبحانه وتعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) ١٢٨-١٣٠ الشعراء.

وهذا ما سنبحثه في المقال القادم...

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق