بعد تجاوز ازمة نتائج الانتخابات وحسمها قانونيا دخل العراق بأزمة انتخاب رئاسة البرلمان والكتلة الاكبر وحسمت ايضا قانونيا والدخول بأزمة انتخاب رئيس الجمهورية وكذلك ازمة الحوارات والتفاهمات السياسية خاصة بين الاطراف الشيعية التي لم تحسم لغاية الان واثرت على كل الفعاليات السياسية.

وطرحت هذه الاطراف السياسية مبادرات مختلفة لتجاوز هذه الازمات لكنها لا تتعدى التجاوز المرحلي المرتبط بمغادرة ازمة دون حل مسبباتها الدستورية والقانونية والسياسية، لتظهر ازمات اخرى متلاحقة ومتكررة عند اي استحقاق او فعل سياسي، واخرها مبادرة الاطار التنسيقي التي لم تحمل اي جديد فقط طلب اعادة التواصل والحوار ولم يتضح بالمبادرة بيان موافقة او تقديم قبول او تفهم للشركاء او تنازلات وهكذا جميع المبادرات المرتبطة بتلك الازمات لا تتجاوز هذه الصيغ البلاغية والكلامية التي لا تؤسس لحلول شاملة او فاعلة تنهي احتدام الخلافات والازمات المتلاحقة.

ان المبادرات التي يجب ان تطرح لتجاوز التحديات والسلبيات والاختلالات واعطاء صورة اكثر تعبيراً عن ترابط الديمقراطية التي ننادي بها بالممارسة السياسية سواء في الانتخابات او مخرجاتها بتشكيل الحكومة واداء عملها وتطبيق برنامجها، يجب ان تكون وفقا للدستور والقانون واحترامهما، وتتماثل مع مصالح وارادة المواطن العراقي، لكن كل ما يطرح من مبادرات يترافق معها وقبلها وبعدها انتهاك الدستور والقانون والنظام العام، ان مسؤولية الطبقة السياسية الحاكمة تكمن بشكل مستمر في رفضها الاصلاح أو في عجزها عن القيام به، ويعد ذلك بمثابة تسليم منها بخيار اللجوء إلى العنف في مواجهة دعاة التغيير والاصلاح.

أما قوى التغيير التي تطرح برامجها للإصلاح السياسي فهي بدورها لديها نفس الادوات العنيفة التي تستخدمها سبيلا لتحقيق أهدافها السياسية لمواجهة خصومها، فكلاهما يستقويان بالسلاح على الدولة وعلى خصومهما في الداخل وثانيا لأنهم شخصوا المرض تشخيصا خاطئا، وهذا هو أصل الداء والبلاء.

اهل السلطة يتقاسمون المسؤولية عن استخدامهم العنف سبيلا لتحقيق اهدافهم السياسية، وبالتالي هم مسؤولون عن كل الكوارث التي حلت بالدولة، وعلى كل منهم أن يراجع تجربته ويقوم بقراءة نقدية لتجربته السياسية ليعرف حجم حصته من عملية التدمير المنهجي التي طالت الدستور والقضاء والمؤسسات وسيادة القانون والقيم والانتماء الوطني.

أول الكوارث التي اقترفتها القوى السياسية الحاكمة بحق الدولة هي تهديدها السيادة الوطنية من جهة وتهديدها بتوزيع السيادة إلى سيادات، فمنحت كل زعيم سياسي حصة منها من هذه السيادة، وحين تتعارض المصالح ويتصاعد الصراع تتسابق هذه الزعامات نحو استدراج الخارج والاستعانة به ضد الدولة والسيادة الوطنية، أهل السلطة اغلبهم لديهم ولاءات خارجية، بعضهم مع ايران والاخر مع امريكا وإسرائيل وحلفاءهما.

فتح التجرؤ على السيادة الباب على كل أنواع الانتهاكات للدستور والقوانين ولهيبة الدولة ولكل الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، إلى أن كان الانتهاك الأكبر بتشريع الحدود أمام كل راغب وطامح وطامع بأن يتدخل ويضع مصالحه مقدمة على مصالح العراق.

انتهاك السيادة والدستور والقوانين مارسته الطبقة الحاكمة وتسببت به، وهي التي أطلقت لهذا الانتهاك العنان وأزالت من طريقه كل العراقيل والقيود. فبدل ان يكون الدستور هو القاعدة وضوابطه محكمة وانتهاكه الاستثناء، صار الالتزام به هو الاستثناء، وشكل التطاول عليه حافزاً للتطاول على كل القوانين والنظام العام، فانتهكت كل مواد الدستور يمينا ويسارا من المادة الاولى الى الاخيرة، وعطل العمل بالكثير من مواده وعطلت القوانين الدستورية وتجاوز نطاقها الزماني، وفسرت وأُولت بنوده وفقا لمصالح القوى الحاكمة، حتى القوانين انتهكت يمينا ويسارا من قانون المرور إلى قانون الموازنة، وعلى رأسها القوانين والمراسيم الاشتراكية المتعلقة بالوظيفة العامة.

انتهاك الدستور هو اعتداء على الدولة، لأن الدستور هو الذي يجسد السيادة، والسيادة ليست شيئا آخر غير سيادة القانون، فانفجار الصراعات السياسية وعدم الاحتكام الى الدستور واحترامه قد يؤدي الى حرب مسلحة واقتتال داخلي بسبب التكالب على المناصب والمواقع والمصالح التي توفرها الانتخابات للأحزاب التي تريد جميعها المشاركة في الجهاز التنفيذي والهيمنة على المواقع العليا في الدولة.

اي مبادرة تطرح لمواجهة الانسداد السياسي وحقن الدماء واحتواء الصراعات يجب ان يتم عبر احترام الدستور والقانون اولا، فيجب احترام المدد الدستورية وتحديد هوية الكتلة الاكبر والتموضع باتجاه تشكيل حكومة لا يشارك فيها الجميع بالضرورة بل الذهاب الى اغلبية ومعارضة بناءة، فعلى الطبقة السياسية ان تبلور ارادة سياسية واجتماعية قوية وواعية للإصلاح والتغيير والتجديد، مبادرة بذلك الى نقد ذاتي وموضوعي لإشكال وعوامل ضعفها وتراجع مستوى شعبيتها وتأثيرها، عاملة بذلك ايضا على تفعيل رشيد ممنهج لمهامها وادوارها السياسية والاجتماعية وخاصة ما يرتبط منها بوظائف التكوين والبناء والتثقيف والتنشئة السياسية للمواطن وتشجيعه على المشاركة واعادة ثقته بالسياسة والساسة، كما يجب ان تتجه هذه الطبقة السياسية نحو اقامة قطيعة مع كل اشكال الفساد والقيم والعلاقات والممارسات التقليدية المتآكلة وتعمل على تأسيس ثقافة سياسية حداثوية مستوعبة لكل مقومات وقيم وخصوصيات المجتمع العراقي التأريخية والروحية. هذه هي المبادرات التي يريدها الشعب العراقي من ساسته.

عدا ذلك سنعود لتكرار التجارب المريرة والفاشلة ونعيد الدخول في الحلقات المفرغة والارتهان الداخلي والخارجي ويستمر الوضع العراقي في الوقوع في منزلقات العقم السياسي المؤدية الى الحرب والاقتتال، وهذه الظروف يمر بها العراق الان.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق