مشهد هبوط الطائرة الروسية في المطار السعودي لم يتكرر منذ عام 2007، ذلك نتيجة بعض التصادمات في المصالح السياسية لكلا البلدين، لكن مبادرة الرئيس الروسي كسرت حاجز البرود في العلاقة وأقدم على زيارة التقى خلالها ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز.

في اول مرة وعبر لقاء صحفي يفسر الرئيس الروسي فلادمير بوتين العلاقة مع البلدان العربية، من بين تلك الدول السعودية والامارات، اذ تعكس تلك الزيارة جانبا من تطور العلاقات مع العالم العربي بصورة عامة ومع الدولتين الآنفتي الذكر بصورة خاصة.

من الطبيعي فان الزيارة لا تخلوا من مناقشة الاحداث الجارية في المنطقة لاسيما الملف الايراني، اذ شدد بوتين على محورية الحوار التي بدونها لن تتمكن دول الخليج من حل اي مشكلة مع حكومة طهران، في حين لم تغب الازمة السورية عن اطراف الحديث، حيث اتضح عزم الرئيس بوتين على اخراج القوات الاجنبية من سوريا بما فيها الروسية في حال طلبت الحكومة السورية ذلك.

هذه الزيارة تعطي انطباعا عن تحول ملامح العلاقة الروسية بالسعودية والعالم العربي، ومن المحتمل ان تؤثر على مسار التهدئة بين ايران والسعودية في ظل التصعيد الذي شهدته العلاقة في الآونة الاخيرة.

ويأتي ضمن الدلالات التي تعطيها هذه الزيارة هو اعادة ترميم العلاقات مع الجانب العربي التي تأثرت بفعل الاقتراب الكبير من الولايات المتحدة الامريكية في الفترة المنصرمة، ذلك كون الاخيرة اعلنت وبشكل رسمي ايقاف النفوذ الايراني في المنطقة واتخذت في سبيل ذلك خطوات مهمة جدا، من اهمها تقليص مساحة تخصيب اليورانيوم الايراني، وفرضها حزمة من العقوبات الاقتصادية الاخرى التي ادت بصورة مباشرة الى تراجع اقتصاد ايران ووصول عملتها الى حافة الهاوية.

في المقابل من ذلك نجد روسيا تمد يد العون لايران وتحاول الطبطبة على كتفها في خطوة منها لتقوية معسكرها مقابل المعسكر الامريكي الذي اخذ نفوذه يقوى يوم بعد آخر وعلى جميع الاصعدة العسكرية والاقتصادية والتأثير الدولي، يقابل ذلك تراجع كبير للدور الروسي في المنطقة العربية تحديدا، فروسيا فقدت مكانتها لدى الاقطار العربية ولم تحتفظ بغير سوريا موضع قدما لها ولبنان بشكل غير مباشر.

من المتوقع ان يتم خلال الزيارة توقيع مجموعة من الاتفاقيات الامنية والاقتصادية وحتى الثقافية، وهذا ما يعكس الانفتاح الروسي والترحيب السعودي والاماراتي بالمبادرة الروسية التي جاءت بالتوقيت المناسب والمتزامن مع التحرك التركي في سوريا والمرفوض من قبل امريكا، فقد تكون الزيارة لكسب الود العربي واعطاء الفسحة للتوغل التركي الحليفة لروسيا دون معارضة او تعليق من شأنه يؤزم الموقف.

موضوع التقارب الروسي السعودي يمكن ان يقرأ على انه جزء من المكر السعودي ومحاولة لاستثمار التطور والتقدم الروسي في مجال الصناعة الحربية لتقوية ترسانتها العسكرية، لاسيما وانها جربت التعاون مع الجانب الامريكي في هذا المجال ولم يحقق النجاح الذي كانت تتمناه، فمن المعروف ان الامريكان يضعون الكثير من العراقيل قبل اتمام صفقة الاسلحة وهو ما قد يؤدي الى خلق ردة فعل لدى السلطات في الرياض، التي رأت نجاح التجربة التركية في التعامل مع موسكو واقتناءها منظومة الدفاع الجوية دون عراقيل ولا شروط تعجيزية.

وقد يكون الهدف الاساس من الخطوة الروسية هو للظفر بقدر من المال السعودي الذي اخذ بالتدفق نحو البيت الابيض، فهي لا تريد لامريكا ان تكون المستفيد الاول والوحيد من الاموال الخليجية الهائلة وترى انه من الضروري اقتسام الكعكة مع الامريكان الذين أكلوا الجزء الاكبر منها ومنذ سنوات.

فيما يخص الامارات العربية فهي الاخرى وقعت معاهدة شراكة استراتيجية مع الجانب الروسي، فالزيارة تأتي في اطار التعاون المشترك لانجاح وتفعيل بنود هذه الاتفاقية، ذلك كون بوتين ينظر الى دولة الامارات العربية المتحدة على انها لاعب اساسي في رقعة الشطرنج الدولية.

وتعرف السلطات الامارتية جيدا ان العالم تحكمه اقطاب متعددة ولا تريد ان تتمسك بقطب وتفرط بالبقية كون ذلك يجعلها اسيرة لارادات ورغبات القطب الذي تسير خلفه، فهي تريد من هذا التقارب ان تحقق التوازن المطلوب في علاقتها مع الاقطاب وتعطي انطباع ان مصلحتها اين تقتظي فلا ضير بان تخلق صداقات جديدة وتقوي صداقات قائمة من اجل تحقيق ذلك الهدف.

في كل خطوة تقارب من قبل الجانب السعودي صوب روسيا نجد امريكا تتقدم خطوات فبمجرد الاعلان عن هذه الزيارة صرح وزير الدفاع الامريكي بأن الولايات المتحدة مستعدة لارسال قوات لحماية المنطقة العربية من العدوان المحتمل، فبهذه الطريقة تكون السعودية قد نجحت في انتزاع مكاسب نسبية من الطرف الامريكي الذي اعتاد ان يعطي القليل ويأخذ الكثير متبعا اساليب الخداع والغطرسة السياسية.

ربما قدوم الرئيس الروسي وهو يحمل مشعلا لاضاءة الطريق في المنطقة سيسهم في اخماد الحرائق الملتهبة في جسد الاقطار العربية، الى جانب ايقاف ولو بشكل نسبي التوغل الامريكي في المنطقة والحد من التأثير الواضح على السياسة العامة وكذلك ما يتعلق ببعض القرارات المصيرية.

في ظل الاوضاع المتدحرجة يبقى السؤال المطروح، هل ستكتفي الولايات المتحدة بتصريح وزير دفاعها؟، ام ستقدم المزيد من التنازلات او يمكن القول الضغوطات على حكومتي الرياض وابو ظبي لاعادتهم نحو الجادة التي عبدتها حسب اهواءها ورغباتها؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0