السياسة تعني علم إدارة الدولة، وهي فن الممكن، كما درجنا عليه للتعبير عن الواقعية السياسية، وتوازن القوى، وإنها تعبير مكثّف عن الاقتصاد، حسب فلاديمير لينين، أما وفقاً لحنّا أردنت فأصل السياسة هو الحرية، ومفهوم الحرية يمثل جوهر الفعل السياسي الذي يرتبط بمفهومين آخرين، هما: البراعة، والشجاعة...

السياسي الناجح ليس هو «الغالب» أو «الفائز» أو «المنتصر»، بل هو من يروّج لقيم الخير والحرية والعدل والمساواة والجمال والتسامح والمحبّة.

هل السياسة فعل خير حقاً؟ إذاً، لماذا ينصرف ذهن عامة الناس، إلى أنها عمل يتميّز بالحيلة، وإخفاء الحقائق، بل ونشر الأباطيل والخداع للوصول إلى الأهداف المرجوة؟ وحسب كتاب «الأمير» لمؤلفه نيكولو ميكافيلي الذي احتفي في العام 2013 بمرور 500 عام على صدوره، فإن «الغاية تبرر الوسيلة»، بغض النظر عن عدالة، أو شرعية، أو شرف هذه الوسيلة، من عدمها، لاسيّما بالنسبة إلى الحاكم لكي يدوم حكمه، ويبسط سيطرته.

ولهذه الأسباب شاع الاعتقاد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل عام، أن السياسي لا يتورّع من فعل أي شيء لتحقيق أهدافه باستخدام جميع الوسائل، بل يبرر أحياناً أن غايته الشريفة تعطيه مثل هذا الحق، وقد وقع الكثير من الأحزاب والتيارات ذات الأيديولوجية الشمولية في مستنقع الاستبداد بتبرير وسائلها غير الشريفة، بما فيها ضد المعارضين في صفوفها، باستخدام العنف، والتعذيب، والاغتيال، وحتى الإرهاب، أي القوة الخشنة والناعمة، تحت عنوان «السياسة»، والمباراة مع العدو، أو الخصم للفوز في المعركة.

وكما يعتقد البعض أن «السياسة تبيح المحظورات» بزعم الأهداف الشريفة، فلا مانع من استخدام وسائل غير شريفة، أو تبرير استخدام ما يستخدمه العدو، أو الخصم، أو الطرف الآخر، ومحاربته بسلاحه كجزء من «المعاملة بالمثل»، وهكذا يختلط مفهوم السياسة بالمكر والدسيسة خارج منظومة القيم الإنسانية، والاعتبارات الأخلاقية، خصوصاً حين يمارس بعض السياسيين جميع أنواع الدجل، والاحتيال، والغش، والتزوير، للوصول إلى الهدف بغض النظر عن شرعيته، وعدالته، وشرفه.

وبالضد من ذلك، كان المهاتما غاندي ينظر إلى السياسة بأنها اتّحاد الوسيلة بالغاية، مثلما تتّحد البذرة بالشجرة، ولا غاية شريفة من دون وسيلة شريفة، وإذا كنّا نستطيع أن نحدّد الوسيلة لأنها ملموسة، وقريبة، وآنية، إلّا أن الغاية غير ملموسة وبعيدة أحياناً، وحتى غير منظورة، ولذلك فالوسيلة هي ما يمكن التحكّم فيه، واختياره، لأنها ممكنة، ولهذا نقول إن الغايات الشريفة تتطلب وسائل شريفة، والعكس هو الصحيح أيضاً.

وإذا اقترنت الوسيلة بالفساد، والطائفية، والعنف، والإرهاب، وتقديم المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، فذلك سيعني الانقلاب على قيم السياسة، ومُثلها الإنسانية، فالسياسة، حسب أرسطو في كتابه «السياسة»، تُعنى بالأفعال النبيلة، ووفقاً لابن خلدون: السياسة هي صناعة الخير العام، وهي أمانة وتفويض، فليس لأحد الحق في امتلاك أركانها، باسم استخلاف إلهي، أو ما شابه، وإلاّ فستبقى دواوين التاريخ مفتوحة على أخبار قوى التسلّط، والتحكّم، المناقضة لشرائع النقل، والعقل.

السياسة تعني «علم إدارة الدولة»، وهي «فن الممكن»، كما درجنا عليه للتعبير عن «الواقعية السياسية»، و«توازن القوى»، وإنها تعبير مكثّف عن الاقتصاد، حسب فلاديمير لينين، أما وفقاً لحنّا أردنت «فأصل السياسة هو الحرية»، ومفهوم الحرية يمثل جوهر الفعل السياسي الذي يرتبط بمفهومين آخرين، هما: البراعة، والشجاعة.

وإذا كانت الحرب وجهاً آخر للسياسة، فالأخيرة يمكن أن تكون «وسيلة حربية»، باستخدام «أسلحة ناعمة ولاعنفية»، أو إنها «وجهٌ آخر للحرب»، أو امتداد آخر لها، حسب تعبير المفكر العسكري النمساوي كلاوزفيتز، إلّا أنها لن تصبح سياسة بمعنى «إدارة وتدبير وتنظيم وفنّ» ضمن قواعد ومعايير إنسانية، إلّا باقترانها بفعل الخير، وإلاّ ستكون السياسة وفعلها ومنتجها شرّاً.. والشرير ليس شجاعاً، مهما واجه من مصاعب، وتعرّض لمخاطر، وتصدّى لتحدّيات لبلوغ مآربه، وسيبقى «جباناً»، لأن صفة الشرّ هي الغالبة عنده.

أمّا الشّجاعة فهي «فضيلة من فضائل القلب» التي يتمكّن فيها الإنسان من الإمساك برباطة جأشه في الوقت المناسب، وتقتضي منه الشّجاعة مقاومة الشرّ لا الاقتداء بالشرير، وكذا الحال هي السياسة أيضاً، والسياسي الناجح ليس هو «الغالب»، أو «الفائز»، أو «المنتصر»، بل هو من يروّج لقيم الخير والحرية والعدل والمساواة والجمال والتسامح والمحبّة.

وإذا كانت الحركة السياسية خارج السلطة في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، تجنح في الأغلب للتغنّي بالسياسة باعتبارها «فعل خير» منزّهة نفسها عن كل ممارسة من شأنها أن تندرج في «فعل الشر» الذي غالباً ما تنسبه للحكام، فإن معيار اختبارها الحقيقي حين تصل إلى السلطة، فهل ستبرّر كل ما كانت تعارضه؟ وأين ستصبح شعاراتها ذات الجذرية والرنين العالي؟ أم أنها ستتبرأ من ذلك بزعم الواقعية السياسية، وربما ستكون أكثر محافظة من الحكومات التي عارضتها؟

ولعلّ هذا ما واجهته مجتمعاتنا بعد موجة ما سمّي ب«الربيع العربي»، وآن الأوان لردّ الاعتبار للسياسة على أساس القيم الإنسانية والمثل النبيلة التي تضع الإنسان مقياساً لكل شيء.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق