وسربت بعض الصحف الغربية أخبار خلاف بين الملك سلمان وولي عهده محمد بسبب مقتل خاشقجي والإخفاق في إدارة الدولة، وأن الملك بدأ بسحب بعض الصلاحيات منه، والدليل عدم حضور الأمير بعض اللقاءات التي عقدها الملك مؤخرا. والحقيقة أن تلك التسريبات مجرد تحليلات بل ربما تسريب...

ما زال العهد السعودي الجديد يثير القلق في العالم وليس فقط في البلاد والمنطقة العربية، بسبب سياسته التي توصف بالمتهورة لدرجة تجاوز كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها وذلك باسم الانفتاح والتحرر والترفيه. فقد تمكن الأمير محمد بن سلمان من فرض سياسته وتحقيق تغيرات وتحولات في المجتمع في وقت يحقق أرقاما قياسية في الاعتقالات التعسفية لأمراء ووزراء وشخصيات سياسية ودينية ونخب وكفاءات ولنشطاء في المجال الحقوقي والاجتماعي، حتى صار اسم السعودية في سجل الانتهاكات وجعلها محل الانتقاد الدائم من قبل المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية. ما يحدث في السعودية يجعل حتى الدول الداعمة تشعر بالقلق وعدم استقرار الوضع الذي سيولد الانفجار.

وسربت بعض الصحف الغربية أخبار خلاف بين الملك سلمان وولي عهده محمد بسبب مقتل خاشقجي والإخفاق في إدارة الدولة، وأن الملك بدأ بسحب بعض الصلاحيات منه، والدليل عدم حضور الأمير بعض اللقاءات التي عقدها الملك مؤخرا.

والحقيقة أن تلك التسريبات مجرد تحليلات بل ربما تسريب من قبل مكتب ولي العهد نفسه الذي يحب صناعة الإثارة في وسائل الإعلام ليبقى اسمه حاضرا متصدرا الواجهة، ورسالة للرأي العالمي أن هناك تغييرا في البلاد في محاولة لامتصاص الغضب العالمي وانتقاد الأمير في المحافل والمنظمات والهيئات الدولية. فلا يزال الأمير يملك الصلاحيات في البلاد، بل الملك لا يستطيع أن يفعل شيئا بدون ترتيب وتنسيق وإشراف ومتابعة من ولي العهد مباشرة.

الأمير الشاب يرى أن تسريب مثل تلك الأخبار يصب في مصلحته لتخفيف الضغط عليه وعلى السعودية بسبب قضية قتل الصحافي جمال خاشقجي واعتقال والتحرش بالنساء. لقد حدث تسريب أخبار عن وجود أزمة وأن الملك غاضب بعد الكشف عن مسؤولية السلطة السعودية في عملية قتل خاشقجي بطريقة بشعة واعتراف السعودية بذلك بعد كذب وتزييف، ولأجل امتصاص الغضب العالمي قام الملك بإصدار قرارات وتعديلات في وزارة الاستخبارات وعزل بعض المسؤولين مثل مستشار ولي العهد سعود القحطاني وأحمد العسيري وغيرهما وهي محاولة لتحميل أفراد من الأجهزة الأمنية مسؤولية القتل وتبرئة ساحة ولي العهد.

صراع الأجنحة

ورغم الحملة العالمية بتحميله مسؤولية قتل خاشقجي حسب الاستخبارات الأمريكية، لا يزال الأمير محمد شخصية قوية داخل السعودية والعائلة الحاكمة، يتعامل كملك فعلي في البلد، ويفرض ما يريد على الجميع وبالخصوص الأمراء عبر الترهيب والقمع والاعتقال والتعذيب لبعض الأمراء المعارضين أو المنافسين ولمن يملك نفوذا أو قوة سياسية أو مالية أو اجتماعية.

ولكن الصراع بين الأجنحة الحاكمة على النفوذ والمصالح متجذر ويشتد، ربما الأمير الشاب تمكن عبر سياسته من زرع الخوف في أوساط الأمراء، وبالخصوص من هم أكبر منه في السن ومنهم أعمامه مثل الأمير أحمد بن عبد العزيز، ولكن هذا لا يعني أنه حسم المعركة، فهناك تسريبات بوجود معارضة من قبل الأمراء ولكنها مخفية وسرية لغاية الآن، وحتما هذا الوضع سيزيد من الاحتقان.

ويشعر الأمير بالخوف من جميع الأمراء حتى إخوته أي الدائرة الضيقة، اذ لا أحد منهم يجتمع مع والده الملك إلا بإشراف منه، فقد تم تسريب خبر مفاده أن الملك قرر زيارة ابنه الأكبر الأمير سلطان مؤخرا، وبينما كان الموكب ينتظر قدومه “اتصل الأمير بن سلمان على الشؤون الخاصة وألغى الزيارة، وفعلا لم يذهب الملك”. وهذا يدل على وجود قلق شديد لدى ولي العهد محمد من اللقاءات التي تجري مع الملك.

ونشر المغرد مجتهد أكثر من تغريدة حول قيام الأمير محمد باعتقال أخيه بندر. لقد استطاع ولي العهد أن يزرع الخوف في أجنحة العائلة الحاكمة، فالاعتقال والتعذيب هو مصير كل من يعارضه شيخا أو شابا لدرجة اعتقال أميرات، حيث قام باعتقال الأميرة نوف بنت عبد الله بن سعود الكبير لأنها دافعت عن أخيها الأمير بندر بن عبد الله الذي اعترض على بن سلمان وقد تم اعتقاله من قصر الحكم، وهذه رسالة لكل من يخالف أوامره.

العلاقة مع القبائل والوجهاء

منذ تأسيس الدولة والعلاقة مميزة بين العائلة الحاكمة آل سعود وشيوخ القبائل والوجهاء والشخصيات، وقائمة على احترام العادات والتقاليد التي تحافظ على مصالح كل طرف. وتقوم السلطة بدعم شيوخ القبائل والوجهاء بالمال والنفوذ للحصول على الولاء، ولكن هذه العلاقة اهتزت مع وجود محمد بن سلمان حيث جردهم من مكانتهم، فهو يريد من الكل أن ينفذوا أوامره وخاصة شيوخ القبائل الكبار في السن.

وأصبحت العلاقات مع الشخصيات والوجهاء في البلاد مقطوعة، حيث كان للوجهاء والشخصيات الاجتماعية دور مساند لخدمة السلطة والسيطرة على الشعب، وبرغم ذلك كانت العائلة الحاكمة تحقق مطالبهم أحيانا لتقوية مكانتهم الاجتماعية، ولكن هذا الدور والمكانة المرموقة للوجهاء تراجع كثيرا لدرجة القطيعة إذ أنهى بن سلمان هذا الدور.

وقد تمكن الأمير من إضعاف وتهميش المؤسسة الدينية وإبعادها عن المشهد السياسي بل والاجتماعي، رغم ان السلطة ما زالت متمسكة بكونها دولة دينية وهابية وان حاكمها يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين، فالشرطة الدينية اختفت، والخطاب الديني المتشدد والمتطرف الذي كان يعارض الانفتاح والغناء والترفيه والسينما أصبح يبارك جهود الأمير ويجد له المبررات الشرعية لإقامة المهرجانات الغنائية والاستعراضية وغيرها.

حتما سياسة الأمير لا تصب في مصلحة شيوخ القبائل والوجهاء والشخصيات الاجتماعية ولا رجال الدين الذين كانوا يسيطرون على المجتمع، وبالخصوص المؤسسة الدينية التي كانت تسيطر على بعض مؤسسات الدولة الرسمية مثل الإعلامية والتعليمية حيث كان الخطاب الديني هو المسيطر وهذه قوة تمثل تهديدا لطموح بن سلمان.

الاعتقالات التعسفية

لقد استطاع الأمير تقديم نفسه باسم رؤية 2030 بأنه مع التغيير إذ سمح للمرأة بقيادة المركبات وبإقامة الحفلات والمهرجانات الفنية وجلب فرقا عالمية للغناء والترفيه وافتتاح دور للسينما، ولكن مقابل كل ذلك هناك اعتقالات تعسفية واسعة للنشطاء السياسيين من كل التوجهات الفكرية الليبرالية والدينية والطائفية ومن كل المناطق، وملاحقة واعتقال والتنكيل بالحقوقيين والحقوقيات منهن من كان لهن دور في المطالبة بحق قيادة المرأة للسيارة.

فالاعتقالات التعسفية هي سمة سياسة الحزم والعزم للعهد الجديد، حيث هناك الآلاف من المعتقلين النشطاء والحقوقيين وبالذات من لهم مشروع إصلاحي وتغييري، فالاعتقالات طالت شخصيات كثيرة من الكفاءات والنخب الوطنية من جميع المناطق والفئات والتيارات من مشائخ وحقوقيين والإعلاميين واعتقال كل من لا يدعم سياسة الأمير.

إنتهاكات حقوق الإنسان

ملف حقوق الإنسان في السعودية يكشف حقيقة ما يرتكبه النظام من انتهاكات صارخة داخل مملكة الصمت، فالرياض لها سجل أسود وتتعرض لضغوط دولية كما حدث في الاجتماع الأخير لمجلس حقوق الإنسان في جنيف. فقد طالبت منظمة العفو الدولية “دول العالم باتخاذ موقف واضح ضد انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية”.

وما زال اهتمام المؤسسات والمنظمات الحقوقية العالمية بملف المعتقلات في المملكة مستمرا، فقد منحت بعض المعتقلات جوائز كجائزة بن/باربي لحرية الكتابة حيث منحت منظمة أدبية حقوقية أمريكية “بن أمريكا” 3 ناشطات سعوديات معتقلات نوف عبد العزيز وإيمان النفجان ولجين الهذلول جائزة بن/باربي لحرية الكتابة.

ان ملف المعتقلين والمعتقلات في السجون السعودية بسبب التعبير عن الرأي، يشكل ضغطا على السلطة وحرجا شديدا، ولهذا قامت بتعيين الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرة للرياض في واشنطن، كمحاولة لكسب الرأي العام العالمي وهو مجرد محاولة تحسين سمعة ‎الرياض وتغطية تداعيات جرائمها كقتل ‎جمال خاشقجي وكذلك اعتقال الأبرياء وبالخصوص النساء وإجبار بعضهن على الهرب من بلادهن خوفا من القمع. وقد أكدت وسائل إعلامية تعرض بعض المعتقلات للتعذيب الوحشي والتحرش الجنسي والتهديد بالقتل كما حدث مع الناشطة المعتقلة لجين الهذلول. هناك قلق شديد حول مصير المعتقلين وبالخصوص المعتقلات بسبب نشاطهم الحقوقي السلمي، ويزداد مع اصرار سلطات الرياض على إصدار أحكام قاسية كالإعدام بحقهن، ويأتي ذلك بعد نشر النيابة العامة لائحة اتهامات كاذبة ومزيفة ضد المعتقلات والمعتقلين.

ستبقى سمعة السعودية ملطخة، وستتم ملاحقة الأمير محمد بن سلمان المسؤول عن جريمة قتل الإعلامي جمال خاشقجي حسب أجهزة الاستخبارات العالمية ومنها الأمريكية ومجلس الشيوخ الأمريكي. والعائلة الحاكمة وبالخصوص ولي العهد في مأزق خطير، وربما تكون هذه الأزمة وردود أفعالها هي الأقوى على النظام السعودي منذ تأسيس الدولة، وارتدادات جريمة قتل خاشقجي على العائلة الحاكمة ستتواصل وربما تهدد مستقبل بن سلمان، بعد ان تحولت إلى قضية عالمية.

تحسين الصورة

منذ قيام الرياض بقتل جمال خاشقجي وهي تواجه مشكلة وأزمة خصوصا مع الرأي العام العالمي، ولهذا لجأت إلى مؤسسات للعلاقات العامة لتحسين صورتها وسمعتها، ومنها شركات في نيويورك للفصل بين القيادة وجريمة القتل، في وقت كانت تعمل فيه الرياض على مواجهة الخسائر الدبلوماسية وتحسين صورتها بسبب الجريمة. وقد وقع صندوق الاستثمارات العامة الذي يدير 300 مليار دولار ويترأسه ولي العهد محمد بن سلمان عقدا بأجر 120.000 دولار في الشهر مع شركة “كارف كوميونيكيشن” في شباط (فبراير) حسب وثائق وزارة العدل الأمريكية.

ومن الملفات التي تشكل خطرا على مستقبل ولي العهد الحرب العدوانية العبثية ضد اليمن التي تمثل أعظم كارثة إنسانية، حيث تم قتل آلاف الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير اليمن، وكذلك الأزمة والحصار ضد دولة قطر، وتدخل الرياض في الشأن البحريني ما ساهم في تفاقم الأزمة هناك لمدة عشر سنوات تقريبا، وملف التصعيد مع إيران والتعامل معها كدولة معادية والدخول مع أمريكا وإسرائيل وبعض الدول تحت اسم ناتو العربي في مواجهة إيران، ودعم الكيان الصهيوني بفرض “صفقة القرن” على الشعب الفلسطيني والتطبيع مع الاحتلال، بالإضافة لملفات أخرى قابلة للاشتعال وربما تحرق كل أحلام الأمير.

فهل سيتمكن محمد بن سلمان من تجاوز كل التحديات التي تواجهه والوصول إلى عرش الحكم، بأي طريقة كانت؟

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق