يمثل نظام القيم الحافة بالمركب الحضاري خارطة السلوك/الطريق في كل مجتمع. انه يمثل الاسلوب الامثل في القاء التحية الفردية، وفي ادارة الدولة والحكم، مرورا بكل الانشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخ في المجتمع والدولة، والحضارات التي سادت ثم بادت، والدول التي قامت ثم انهارت...

يمثل نظام القيم الحافة بالمركب الحضاري خارطة السلوك/الطريق في كل مجتمع. انه يمثل الاسلوب الامثل في القاء التحية الفردية، وفي ادارة الدولة والحكم، مرورا بكل الانشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخ في المجتمع والدولة.

والحضارات التي سادت ثم بادت، والدول التي قامت ثم انهارت، انما يحصل لها ذلك بسبب انهيار نظام القيم وتحلله وتعرضه لخلل حاد يعطل المركب الحضاري للمجتمع.

وينهار نظام القيم لاسباب عديدة، تنقسم الى فئتين: داخلية وخارجية.

فاما الاسباب الداخلية فمنها: وجود خلل مستتر في نظام القيم نفسه، الظلم بكافة اشكاله، اللامساواة الطبيعية التي لم يتم معالجتها بصورة صحيحة، الكوارث الطبيعية، الحروب، الانهيار الاقتصادي، الدكتاتورية، ضعف التربية القيمية المجتمعية، وغير ذلك.

واما الاسباب الخارجية ففي مقدمتها الغزو بكافة اشكاله، مثل الغزو الفكري والعسكري والاقتصادي الخ.

وعادة يكون امام المجتمع ودولته عدة خيارات محتملة في هذه الحالة، منها:

•الانهيار والتفكك والتداعي والخروج من الساحة التاريخية؛

•ظهور مقاومات وممانعات ترقيعية جزئية اشبه ما تكون بردود فعل انفعالية دون مستوى التحدي التاريخي سرعان ما تؤول الى الفشل؛

•تنشأ في اعماق المجتمع بذور النهضة واعادة نظام القيم من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه، كما اشار السيد الصدر بعبارات مشابهة.

وهذا ما حصل للمجتمعات العربية والاسلامية بعدما استفاقت على قرع طبول الغزو الاوروبي العسكري حيث تتالت محاولات المقاومة الحضارية والنهوض الحضاري في المجتمعات الاسلامية..

ولم تسفر هذه المحاولات عن تحريك عجلة النهوض الحضاري، وانما اعادت انتاج التخلف بطرق مختلفة، لعدة اسباب يأتي في مقدمتها عدم الانتباه الى العلة الاساسية وهي انهيار نظام القيم الحافة بالمركب الحضاري وتعطل عناصره.

وفيما كنت منشغلا بالكتابة عن الدولة الحضارية الحديثة بعد تفرغي للكتابة بعد تقاعدي، كان الصديق المبدع د. عبد الجبار الرفاعي يكتب عن "اعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونظم الدولة الحديثة". و هذه العبارة محورية جدا في منظومة افكار الدولة_الحضارية_الحديثة التي ادعو اليها. بل هي ، اي العبارة، اكثر من ضرورية؛ انها من شروط اقامة الدولة الحضارية الحديثة. ذلك ان العمود الفقري في اقامة هذه الدولة يتمثل ب المركب الحضاري المؤلف من خمسة عناصر هي: الانسان، الزمن، الطبيعة، العلم، العمل. لكن هذه العناصر لا يمكن ان تشتغل بصورة منتجة للدولة الحضارية الحديثة دون ان تكون محاطة بنظام للقيم يجعل هذا الاشتغال ممكنا وحاضرا. ولكي يتحقق هذا لابد ان تتحول القيم الى ثقافة سائدة في المجتمع. لا يمكن بناء دولة حضارية حديثة في مجتمع تسوده قيم وثقافة تقف على النقيض من الدولة الحضارية الحديثة ومتطلباتها. في حالة التخلف او النكوص او الارتكاس الحضاري تسود قيم وعادات ومفاهيم وافكار متخلفة معيقة للنهوض الحضاري، بل يجري في بعض الاحيان "اسلمة" هذه القيم المتخلفة تزيد في اعاقة النهوض الحضاري. ومن هنا، فان الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة لابد ان تنطوي على عملية تغيير ثقافي واسعة النطاق من اجل بناء نظام قيمي جديد يؤدي الى توليف عناصر المركب الحضاري بطريقة حديثة ومنتجة للحياة الكريمة والسعيدة للإنسان.

.................................................................................................
* الآراء الواردة في مقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق