(((إن بالإمكان أن نثري هذه الزيارة المليونية بالمزيد من البرامج التربوية والتثقيفية والتعليمية الهادفة، فنكتسب الحُسنَيَينِ بأسمى درجاتهما إنشاء الله تعالى. لأن الزائر يبقى في أجواء الزيارة أياماً تبلغ أحياناً أكثر من عشرة ايام أو حتى خمسة عشر يوماً، وهي مدة كافية لأن نُدخله فيها في دورة دينية معنوية تربوية، ثقافية، فكرية، ولائية، شاملة، تعود عليه وعلى المجتمع بالنفع والبركة ان شاء الله تعالى))).

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

"الْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لَا يَجْرِي لأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْه - ولَا يَجْرِي عَلَيْه إِلَّا جَرَى لَه - ولَوْ كَانَ لأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَه ولَا يَجْرِيَ عَلَيْه - لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّه سُبْحَانَه دُونَ خَلْقِه - لِقُدْرَتِه عَلَى عِبَادِه - ولِعَدْلِه فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْه صُرُوفُ قَضَائِه - ولَكِنَّه سُبْحَانَه جَعَلَ حَقَّه عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوه - وجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْه مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ - تَفَضُّلًا مِنْه وتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُه. ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَه مِنْ حُقُوقِه حُقُوقاً - افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ - فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا - ويُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً - ولَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ" ([1])

من الأمور التي ميز الله تعالى بها الإنسان أنه مدني بطبعه، لا يحسن العيش لوحده، بل يشكل مع غيره من بني نوعه عناصر تتفاعل مع بعضها لتكوين مجتمع إنساني، تتجاذبه أواصر شتى، ويرتبط مع بعضه البعض بوشائج مختلفة: من العقيدة واللغة والدم والصداقة والثقافة والمهنة، وغيرها من الصلات الكثر.

وهذه العلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها بنو البشر لا بد لها من دستور وقانون، ينظم هذه العلاقات ويوزع الأدوار، ويحدد المسؤوليات، ويرسم أطر الحقوق والواجبات على أفراد المجتمع، ليتحقق في ظل تطبيقها العدل والسلام، ويسود الخير والوئام، وينعم بالسعادة والخير. ويضمن استمرار الحياة المدنية الصالحة، ويصون الحرمات والمقدسات.

وليس خافيا على كل من ألقى السمع وأوتي نصيبا من الفهم، ما يتركه إهمال وإغفال تقنين القوانين وسن الدساتير من تضييع للحقوق وتفشٍ للفوضى، وانعدام في الأمن والاستقرار، ويُضحي المجتمع في ظل تضييعها بائسا شقيا، تعشعش في جوانبه المختلفة عوامل التخلف والانهيار. وهذه حقيقةً ثابتةً في كل أدوار الزمان، وعلى كل بقعة من بقاع الأرض يعمرها بوجوده الإنسان. ومن هنا كان لا بد للمجتمع الإنساني من معرفة ما له وما عليه، وتوزيع الحقوق والواجبات بين أفراده.

وقد تميزت الشريعة الإسلامية، الخاتمة للشرائع السماوية، باحتوائها على منظومة متكاملة من الفروض والسنن والآداب والأحكام والقيم والمبادئ، تنظم حياة الإنسان بشتى جوانبها، وترسم له الحقوق التي لا تستقيم الحياة إلا بمعرفتها ومراعاتها. ومعرفة الأولويات والأسبقيات في سلم تلك الحقوق، ليكون على بصيرة من أمره، وهدى من سبيله، يضع الأمور في نصابها، ويكسب في مراعاتها وتطبيقها السعادة في دنياه وآخرته.

وفي ذكرى زيارة أربعينية الإمام الحسين(ع)، ومدى ارتباطها بالموضوع محل البحث، ارتأينا أن تكون محاور هذا البحث متوزعة وفق استضاءات ثلاث:

الاستضاءة الأولى: مناشئ الحقوق

يقول السيد مرتضى الشيرازي بعد استفتاح محاضرته التفسيرية بقوله تعالى(فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) ([2]): هل الحق من الأمور الانتزاعية أم أنه من الأمور الاعتبارية؟ فهل يستفاد من إضافة كلمة (حق) للضمير (الهاء)، أنه أمر انتزاعي؟ أم يستفاد أمر ثالث، وهو ما نذهب إليه، ونعبّر عنه بـ(المنطقة الوسطى) بين الانتزاعية والاعتبارية([3])

وقبل بيان رأي السيد مرتضى الشيرازي في طبيعة هذه الحقوق، نتوقف عند مقدمة في بيان الأمر الاعتباري والانتزاعي، وما يتعلق من ذلك بجوانب الموضوع. فنقول:

إن الأمور التي تقع في حيز تصورات الإنسان إما أن تكون موجودة في العين بحيث تكون من الثابتات في الأعيان الخارجية، سواء كانت من المجردات أو الماديات. أو تكون موجودة في عالم الاعتبار. وكلّ منهما: إما أن يكون متأصلا في الوجود، أو منتزعا من موجود آخر غيره. فالأقسام أربعة.

الأول - الموجود المتأصل في العين. وهو الوجود التكويني، كالجواهر والأعراض القائمة بها، والتي بإزائها أمور واقعية متأصّلة في الخارج، تقع معلولات عن علل خاصة تكوينية، من دون دخل للجعل والبناء فيه. مثل: زيد بذاته،وبأعراضه: كلونه وطوله وكونه في مكان أو زمان، ونحو ذلك.

الثاني – هو الموجود في عالم الاعتبار، والمتقرر عند المعتبِر: كالشارع، أو العرف. القابلة للوجود في وعاء الفرض وعالم الاعتبار بمجرد الجعل والانشاء، بلفظ أو غير لفظ، يعتبر لها أهل العرف والعقلاء - بعد تحقق عللها - نحوا من الوجود يكون منشأ للآثار، وموضوعا للأحكام. بمعنى أن المصحّح لاعتبار الامور الاعتبارية هو الجعل والإنشاء، فما لم يكن هناك جعل فلا وجود للمعتَبَر.

والأمور الاعتبارية على نحوين:

1) ما يحتاج إلى المنشأ في اعتباره. كالوجوب، والحرمة، والملكية، والزوجية، ونحوها. فإن هذه الأمور موجودة في عالم الاعتبار: كاعتبار الشارع وجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر، واعتباره الحيازة والإرث والبيع أسبابا للملكية، ونحو ذلك. فإن هذه لها واقع في عالم الاعتبار. كما ان أكثر ما يجري بين الناس من المعاملات التي أمضاها الشارع لا حقيقة لها سوى الاعتبار، كالوكالة والكفالة والوصاية وأمثالها من المعاملات.

2) ما لا يحتاج إلى ذلك. وهو الاعتباريات المحضة التي لا يكون له بنظر العرف وجود مسبب عن ادعائه والحكم به، بل ليس له وراءهما شيء، كما في موارد الاستعارات والمبالغات والتنزيلات الواردة في مقام الحكم، والتي تبتني على العلاقات المجازية ونحوها. كادعاء أن الشجاع أسد، وادعاء أن المطلقة رجعيا زوجة، والمزوجة متعة مستأجرة.

والفارق بين الادعاء والاعتبار أن الوجود الادعائي لا يكون فردا حقيقيا للعنوان المدعى، بل يحتاج الحمل عليه إلى قرينة، كما في الأمثلة المتقدمة، بخلاف الوجود الاعتباري، حيث يكون فردا حقيقيا لعنوانه.

غرض العقلاء من الأمر الاعتباري وحاجتهم إليه.

ان المفهوم الاعتباري -بعد فرض عدم التقرر له في الخارج- يحتاج إلى غرض عقلائي مصحح لانتزاعه والبناء عليه في عالم الاعتبار. والغرض من ذلك تنظيم الاحكام والآثار العملية التابعة لمن بيده الاعتبار من شرع أو عرف، ولأجل تحديد الموضوع الصالح له، ليسهل تنظيمه.

الثالث- الأمر الانتزاعي. وهو الموجود الذي لا يكون له نحو تقرر ووجود، ولا يراه العقلاء أمرا متحققا موضوعا لحكم وأثر، لا في وعاء العين، كالخارجيات، ولا في وعاء الاعتبار، كالاعتباريات، بل يكون وجوده بانتزاعه عن منشأ الانتزاع. وهو على قسمين:

1 - الموجود الانتزاعي في العين. وهو الذي لا وجود له بالذات خارجا، وإنما الموجود منشأ انتزاعه، مثل أبوة زيد لابنه، فالأبوة بنفسها غير موجودة في الخارج، وإنما الموجود هو منشأ انتزاعها، أي زيد وابنه، والعقل ينتزع من النسبة الموجودة بينهما عنوان " الأبوة ". وكذا في مفهوم (السببية) و(المسببية)، فإذا ترتّب وجود شيء على شيء آخر في الخارج تُنتزَع من هذا الترتّب مقولة السببية والمسببية.

2 - الموجود الانتزاعي في عالم الاعتبار. مثل سببية الحيازة والإرث والبيع للملك مثلا، فإن الموجود في عالم الاعتبار إنما هو نفس الملكية، وأما سببية الأمور المذكورة لها فلا وجود لها، وإنما ينتزعها العقل من جعل الشارع هذه الأمور أسبابا للملكية. وكذا لو قال المولى - مثلا -(من مات فما تركه لوارثه)، بترتيب ملكية الوارث على موت المورّث، أمكن انتزاع علاقة السببية بين هذين الأمرين.

وقد استعمل المفهوم الانتزاعي عند الفقهاء في معناه اللغوي، ويعني عندهم: ما يستفاد من دليل الحكم بالتبع لا بالأصالة وابتداءً، كأن تستفاد حجّية الأمارة من الأمر باتّباعها، كما لو قال الإمام عليه السلام: "صدّق العادل"، أو "خذ عنه معالم دينك" الذي ينتزع منه حجّية خبر العادل واعتباره عند الشارع، أو ما يستفاد من الأوامر المتعلّقة بالمركّبات‏ الشرعية كالصلاة والحجّ، من الجزئية والشرطية والمانعية لأجزائها وقيودها، فإنّها أمور وعناوين مجعولة بالتبع ومنتزعة من تلك الأوامر والنواهي.

الفارق بين الأمور الاعتبارية والانتزاعية

1- ان الأمور الاعتبارية لها نحو تقرر ووجود في وعاء الاعتبار بخلاف الانتزاعية، فإنه ليس لها وجود متأصل، بل الوجود إنما هو لمنشأ انتزاعها الذي ينتزع منها العنوان الانتزاعي سواء كان موجودا في عالم العين أو الاعتبار.

2 - أن الأمور الاعتبارية بحاجة إلى وجود معتبر ولاحظ -كالشرع أو العرف– وأما الأمور الانتزاعية فهي بحاجة إلى منشأ انتزاعها.

3 - أن المعتبِر قد يكون هو الشارع، فيكون الاعتبار شرعيا، كالأحكام التكليفية الخمسة، وقد يكون هو العرف العام فيكون الاعتبار عرفيا، كاعتبار القيام للقادم احتراما. وقد يكون هو العرف الخاص، كاعتبار الفقهاء وأهل الحديث عنوان " الصحيح " للرواية التي يكون جميع رواتها عدولا إماميين ([4])

ويناقش السيد مرتضى الشيرازي، في معرض تناوله لحقوق الزائرين([5])مسألة الحقوق، وهل هي أمور اعتبارية أو انتزاعية؟ فيقول:

الظاهر: إن ضابط الانتزاعي لا ينطبق عليه؛ لأن الانتزاعي هو ما ينتزع من حاق ذات الشيء ولا يعقل عنه. لكن هذا الحق مما كتبه الله تعالى على نفسه، وليس هو منتزعا من حاق ذات الزائر أو الزيارة.

ومن جهة أخرى: فان هذا الحق ليس اعتبارياً صِرفاً فان الاعتباري الصرف هو الذي بيد المعتبر صرفا، فله ان يعتبر وله ان لا يعتبر. كما لا يتقيد الاعتبار (بالاستحقاق). والظاهر إن هذا الحق ومختلف الحقوق الشرعية، تقع في منطقة وسطى بين الحقائق الانتزاعية وبين الحقائق الاعتبارية. وهناك احتمالان في تحقيق ذلك:

الأول) إن هذه الحقوق حقوق اعتبارية، إلا انها ليست اعتبارا صرفا، وإنما تستند الى منشأ اعتبار حقيقي، ولولا ذلك المنشأ لما صح هذا الاعتبار، ومع وجود هذا المنشأ لما صح عدم الاعتبار.

وحتى النقد ـ بالدقة ـ هو من هذا القبيل، إذ ان الدولة لها أن تعتبر للنقد قيمة، لكن ينبغي أن يكون هناك منشأ اعتبار لذلك، أي أن تكون لها(ما يغطيّها) أي خلفية ذات قيمة كبيرة ورصينة، كالذهب، أو المعادن أو الأيدي العاملة أو غير ذلك. وإلا لكان ذلك الاعتبار لغوا، ولذا نجد خبراء وعقلاء العالم الاقتصادي لا يعتنون عندئذٍ باعتبار تلك الدولة، بل لهم – وعلم أنهم يقومون بذلك بالفعل - أن يسقطوا عملتها عما تدعيه من القيمة المرتفعة.

وصفوة القول: ان بعض الاعتبارات لا بد أن تستند الى منشأ اعتبار حقيقي، وهو ما نطلق عليه (الاستحقاق الذاتي)، فاذا كان هناك استحقاق ذاتي للشيء فللمُعتبِر أن يعتبر، والا فسيكون اعتباره لغوا وليس ذا قيمة.

وبهذا يجاب عن شبهة عموم كرم الله سبحانه وتعالى، وهي: أن الله سبحانه كريم، بل هو أكرم الأكرمين، فلِمَ لا يعطي كل أحد كلَ شيء؟ ولِمَ لا يُدخل الجنةَ كل أحد؟

والجواب: إن قابلية القابل، شرط العطاء، فالعطاء وإن كان بيد الله -عز اسمه- دون شك، إلا انه يستند الى (قابلية القابل) وإلا فلو أعطى غير القابل – كغير العامل وغير المتقي وغير المجاهد – كما يعطي للعامل المتقي المجاهد، لكان ظلماً للعامل المجاهد، إضافة إلى كونه خلاف الحكمة وعبثاً، قال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ([6])

الثاني) ان هذه الحقوق انتزاعية، إلا أنها ليست من نمط الحق الانتزاعي بقولٍ مطلقٍ، بل هو من الحق الانتزاعي للموضوع إذا كان بنحو خاص، وذلك نظير الفوقية والتحتية، فالفوقية يمكن أن تنفك عن السقف، فلا تنتزع منه الفوقية حينئذٍ، وقد انفكت عنه، فليست منتزعة من حاق ذات الشيء.

كما انه ليس اعتباريا ؛ لأننا لا نستطيع أن نعتبر أن هذا السقف هو تحت الارض، ما دام فوقها، ولو اعتبرناه كذلك كان خطأً.

وكذلك (الموازاة ) و(المساواة) و(الأكبرية والأصغرية)، اذ ليست الأكبرية -مثلا- لازمة لذات الشيء، فقد يفكك ويفتت فلا يكون أكبر، وهذا بخلاف زوجية الأربعة بما هي أربعة حيث لا يعقل أن لا تكون زوجا.

وهذا كله صحيح، إلا ان هذه الامور الانتزاعية هي انتزاعية بقيد او شرط، فالفوقية، بقيد كون هذا السقف فوق الارض، يكون انتزاعها قهريا، فالانتزاع إذن قهري عن النحو الخاص من الوجود أي ان الموازاة - مثلاً - للخطين المتوازيين، تنتزع من حاق ذات (الموصوف بقيد الوصف) كما ان الزوجية تنتزع من حاق ذات الأربعة بقيد بقائها أربعة. فتأمل

إن الحقوق المشروعة تستند الى مناشئ اعتبار حقيقية، واذا وجد ذلك المنشأ الحقيقي فلا يصح ـ بالنظر الى الحكمة ـ الا ان يُعتبر ذلك الحق، وإلا لكان ظلما وإجحافا "([7])

الاستضاءة الثانية: منظومة الحقوق في زيارة الإمام الحسين(ع)

يوما بعد يوم تتكشف الحقيقة بصورة أجلى لتعلن البعد الإلهي في كل جانب من جوانب ثورة سيد الشهداء الإمام الحسين(ع). فقد حاول الكثيرون من المفكرين: إسلاميين وغيرهم، أن يسلطوا الأضواء على الظروف والدوافع والدواعي لنهضة الإمام الحسين(ع) بالتحليل والتفسير،والتماس إجابات موضوعية عن تساؤلات أثيرت ومازالت تثار، عن سر إصرار الإمام الحسين(ع) على إعلان الثورة ضد الحكم الأموي - وعلى حد تعبيره(ع) - " على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر"([8]). وكل هذه المحاولات والتحليلات موضع تقدير واحترام، لما تحمله من عمق وموضوعية. إلا إن من يتتبع كلمات الإمام الحسين(ع) ومواقفه وردوده للمعترضين على خروجه والناصحين له والمحذرين إياه، سواء كانوا ممن أخلص له النصيحة أم من لم يكن له من المخلصين، كان يؤول به الجواب في نهايته إلى أن تلبية أمر الله تعالى، على لسان جده(ص)، هو الدافع الحقيقي لنهضته المقدسة. كما في جوابه لأم المؤمنين أم سلمة بقوله " يا أماه قد شاء الله ان يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مظلومين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا معينا "([9])، وإن الدماء الطاهرة له (ع) ولأهل بيته وأصحابه التي تروي أرض كربلاء ستكون شفاء الدين من السقم الذي أصابه من سياسات بني أمية الجاهلية. وكان(ع) يكتفي ببيان تصميمه على الخروج ويتجاهل حسابات الناصحين، أو يعدهم النظر في الأمر، أو أنه سوف يستخير الله تعالى في ذلك، أو يشكر لهم نصحهم، تطييباً لخواطرهم، من دون أن يتعرض لمناقشة حساباتهم. ثم لا يتراجع عن تصميمه.

وبعد فاجعة الطف، كان الأئمة من بعد الحسين(ع) يؤكدون على الجانب العاطفي جنبا إلى جنب مع البعد العقائدي لنهضة الإمام الحسين(ع)، والتأكيد على استلهام المبادئ التي نهض من أجلها. ولا يمكن أن يجد المتتبع لحال المؤمنين في الإصرار على زيارته(ع) وبذل الغالي والنفيس للتشرف بلثم ثرى القبر الطاهر، حتى وصل بهم الأمر إلى بذل مهجهم وأجلّ ما يملكون في سبيل ذلك الغرض العظيم، لا يمكن أن يجد له تفسيرا مقنعا إلا أن تكون مسببة عن أسباب تكوينية جُعلت في نفوس وقلوب وعقول المؤمنين(ع) بسبب إيمانهم وولائهم لآل بيت رسول الله(ص). ومن تلك الأسباب التكوينية لحرص المؤمنين على زيارته(ع):

1) دعوة نبيَّينِ من أنبياء الله تعالى، وهما إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) في جعل الحب والميل القلبي من قِبَل صفوة من خلقه المؤمنين لذرية نبيه المصطفى(ص)، وذلك في قول تعالى (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ([10]) كما ورد هذا المعنى في غير واحد من الأخبار عن أهل البيت(ع).

منها: في كتاب بعثه أمير المؤمنين(ع) إلى معاوية جاء فيه (ولكل نبي دعوة في خاصة نفسه وذريته وأهله، ولكل نبي وصية في آله، ألم تعلم أن إبراهيم أوصى بابنه يعقوب، ويعقوب أوصى بنيه إذ حضره الموت، وأن محمدا أوصى إلى آله، سنّة إبراهيم والنبيين اقتداءً بهم كما أمره الله، ليس لك منهم ولا منه سنة في النبيين، وفي هذه الذرية التي بعضها من بعض قال الله لإبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. فنحن الأمة المسلمة، وقالا: ربنا وابعث فيهم رسولا - منهم - يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فنحن أهل هذه الدعوة ورسول الله منا ونحن منه بعضنا من بعض، وبعضنا أولى ببعض في الولاية والميراث: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »)([11])

ومنها: قول أمير المؤمنين(ع) (إنا أهل بيت دعا الله لنا أبونا إبراهيم فقال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، فإيانا عنى الله بذلك خاصة. ونحن الذين عنى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.. إلى آخر السورة، فرسول الله الشاهد علينا ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه) ([12])

2) إن شهادة الحسين(ع) بحد ذاتها تعد عاملا تكوينيا في إلهاب قلوب شيعته وانشدادهم إليه والقرب منه وزيارته، كما أخبر بهذه الحقيقة النبي الأكرم(ص) بقوله (إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا) ([13])

وأما في الجانب التشريعي، فلم يصدر عن النبي(ص) وأئمة أهل بيته(ع) من نصوص وتأكيدات فعلية وقولية في إحياء أمر الإمام الحسين(ع) وإبراز قضيته أمام الملأ، كما في تأكيدهم على زيارته، والحث عليها. لما في زيارته(ع) من الخصوصيات والآثار التي يمكن إجمالها بما يأتي:

1- في الجانب التكليفي. فإن زيارة الإمام الحسين(ع) وقعت موضوعا لأحكام تكليفية راجحة، قد تصل في بعض الحالات والظروف إلى درجة الفرض والوجوب. ومن عناوين تلك الموضوعات الراجحة شرعا:

(أ) في زيارته تعظيم لشعائر الله تعالى، التي ندب الكتاب العزيز إليها بقوله (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ([14])

فقد أصبحت زيارته(ع) من الأعلام اللائحة للمنتسبين لمدرسة أهل البيت(ع)، ومعلما خالدا للدلالة على الله تعالى وشريعته. إذ إن زيارته (ع) في حد ذاتها تعد من أعظم شعائر الله، خلّدت الغايات التي نهض الحسين (عليه السلام ) من أجلها، بالإضافة لما يصاحبها من الأمور الراجحة والمحبوبة عند الله تعالى، من الصلاة والصدقة وقراءة القرآن والذكر والإطعام، وغير ذلك.

وقد روي عن العقيلة زينب(ع) قولها للإمام زين العابدين(ع) فيما يخص زوار قبر سيد الشهداء(وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد اثره إلا ظهورا، وأمره إلا علوا) ([15])

(ب) في زيارته (ع) أداء لحق من حقوق رسول الله (ص) على أمته، لأن أكرام أولاد المرء إكرام له، وتعظيمهم تعظيم له، والإمام الحسين(ع) هو الامتداد الطبيعي لرسول الله(ص) بكل خصائصه وصفاته. وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام )، قال: لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (عليهما السلام ) لكان تاركا حقا من حقوق رسول الله (صلى الله عليه وآله )، لأن حق الحسين (عليه السلام ) فريضة من الله واجبة على كل مسلم([16])

(ج) زيارته(ع) مما يدخل السرور على قلب النبي(ص) ويحقق عنوان المودة التي أمرنا الله تعالى بها. قال تعالى (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ([17]) فقد جعل الله تعالى أجر تبليغ الرسالة المحمدية، وما تحمّله (ص) من متاعب وشدائد ومحن ومشاقّ، هي مودة القربى من أهل بيته. ولا ريب في أن زيارة ريحانته سيد الشهداء من أجلى مصاديق مودة قربى رسول الله (ص).

روي عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام ) أو أبا جعفر (عليه السلام ) يقول: من أحب أن يكون مسكنه الجنة ومأواه الجنة فلا يدع زيارة المظلوم، قلت: من هو، قال: الحسين بن علي صاحب كربلا، من أتاه شوقا إليه وحبا لرسول الله وحبا لفاطمة وحبا لأمير المؤمنين (عليه السلام )، أقعده الله على موائد الجنة يأكل معهم والناس في الحساب([18])

(د) في زيارته طاعة للمعصومين(ع)، الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، فقد ورد في جملة من الأحاديث الواردة عنهم(ع) الحث على زيارته، من قبيل ما روي عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فإن إتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين (عليه السلام) بالإمامة من الله عز وجل([19])

وكما ورد الحث والتأكيد على زيارته(ع) فقد ورد كراهة ترك زيارته، كما في رواية علي بن ميمون الصائغ قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا علي بلغني أن أناسا من شيعتنا تمر بهم السنة والسنتان وأكثر من ذلك لا يزورون الحسين بن علي عليهما السلام. قلت: جعلت فداك، إني لأعرف أناسا كثيرا بهذه الصفة. قال: أما والله لحظهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمد صلى الله عليه وآله في الجنة تباعدوا([20])

(هـ) زيارته (ع) من علامات الإيمان

فقد روي عن النبي(ص) قال لأمير المؤمنين(ع): يا أبا الحسن ان الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وان الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحن إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيعمّرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله مودة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي، وهم زواري غدا في الجنة، يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الاسلام، وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه ([21])

2- وأما في الجانب الوضعي فقد ذكر في زيارته(ع) تحقيق لآمال الدنيا والآخرة من سعة في الرزق واستجابة الدعاء وشفاء المرضى، وطول العمر وقضاء الحاجات، وغيرها.

فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين(عليه السلام)، فان إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله([22])

وعن أبي الصباح الكناني، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن إلى جانبكم قبرا ما أتاه مكروب الا نفس الله كربته وقضى حاجته، وإن عنده أربعة آلاف ملك منذ قبض شعثا غبرا يبكونه إلى يوم القيامة، فمن زاره شيعوه إلى مأمنه، ومن مرض عادوه ومن مات اتبعوا جنازته([23])

وقد عدَّ السيد مرتضى الشيرازي ما تستتبع زيارة الإمام الحسين(ع) من ثواب كبير، وآثار وضعية عظيمة البركة، من حقوق الزائرين على الله تعالى وعلى رسوله(ص) وأهل بيته(ع)، فبعد أن نقل رواية بشير الدهان في كامل الزيارات عن أبي عبد الله(صلوات الله وسلامه عليه): "ان الرجل ليخرج الى قبر الحسين (عليه السلام) فله اذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه([24])، قال " وما أعظم هذه الخطوة وما أروعها! إنها خطوة واحدة، إلا أنها توجب غفران الذنوب كافة! وهذا حق للزائر على الله تعالى كتبه عز اسمه على نفسه، لعظيم لطفه ورحمته وفضله وكرمه ـ

ثم لم يزل يقدَّس بكل خطوة حتى يأتيه([25]) ـ ولكلمة (يقدَّس) من الدلالة ما لها، مما لا نتوقف عنده الان، لكن كإشارة نقول: إن من أسمائه سبحانه: (القدوس)، فاذا قدَّس (القدوسُ) شخصا فأية مكانة سامقة ستكون لهذا الشخص المؤمن السائر إلى ولي الله وسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فاذا أتاه ناجاه الله تعالى فقال: عبدي سلني أُعطك، أُدعني أُجبك، أطلب مني أعطك

وما أجلَّ هذا الوعد الالهي العظيم؟! وما أروع هذه العناية بزوار سيد شباب أهل الجنة (صلوات الله وسلامه عليه)؟.

وههنا لفتة دقيقة، وهي هذا الترقي المستظهر في الحديث من السؤال للدعاء للطلب: (سلني أُعطك، أُدعني أُجبك، أطلب مني أعطك) فان في موقع كل كلمة وفي هندسة الجملة دلالة مقصودة، فما هو وجه (سلني أعطك) ثم (ادعني اجبك )؟ وذلك لأن (الدعاء) يختلف عن (السؤال)، وهما عن (الطلب ).. والشاهد هو في خاتمة الرواية (وحق على الله...) فإنها صريحة في أن من حقوق الزائر السائر الى سيد شباب اهل الجنة (صلوات الله وسلامه عليه) على الله تعالى أن يعطيه ما بذله له، أي ما وعده به، لطفا منه وكرما. والحاصل: ان هذا حق من أعظم الحقوق "([26])

وعلى الرغم من تعدد المناسبات التي يزار فيها الإمام الحسين(ع) حتى شملت بأطرافها أيام السنة، إلا أن لزيارة الأربعينية طابعا خاصا أخذ يتبلور مع امتداد السنين ومرور الأيام.

ويمكن أن تذكر بعض الوجوه في سبب اكتساب زيارة الأربعين هذه الأهمية وامتيازها عن غيرها من زيارات الإمام الحسين(ع)، منها:

1) تخصيصها بالاهتمام والذكر في روايات المعصومين في أكثر من مورد، منها:

(أ) ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن الامام الحسن العسكري أنه قال: علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى والخمسين وزيارة الأربعين، والتختم باليمين وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ([27])

وقد رواها الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد في أعمال شهر صفر بقوله " وفي اليوم العشرين منه كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام من الشام إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورضي عنه من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام، فكان أول من زاره من الناس، ويستحب زيارته عليه السلام فيه وهي زيارة الأربعين " ([28])

ثم فرَّع الشيخ الطوسي (أعلى الله مقامه)على كلامه المتقدم بفاء التفريع وقال: فروي عن أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال.. وذكر الخبر.

(ب) روي عن صفوان بن مهران في زيارة الإمام الحسين(ع) في العشرين من صفر، قال: قال لي مولاي الصادق صلوات الله عليه: في زيارة الأربعين تزور عند ارتفاع النهار.. ثم تلا الزيارة([29])

(ج) ما رواه عطا عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: كنت مع جابر يوم العشرين من صفر، فلما وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها ولبس قميصا كان معه طاهرا ثم قال لي: أ معك شيء من الطيب يا عطا؟ قلت: سعد. فجعل منه على راسه وسائر جسده ثم مشى حافيا حتى وقف عند رأس الحسين، وكبر ثلاثا، ثم خرَّ مغشيا عليه، فلما أفاق سمعته يقول:.. ثم تلا الزيارة ([30])

2) هي أول زيارة للحسين (ع) من قبل أهل البيت(ع) بعد واقعة الطف، وفي أجواء المصاب والمحنة. وكان ذلك يوم رجوع موكب بنات الوحي مع الإمام زين العابدين(ع) إلى كربلاء، يوم أربعينية الإمام الحسين(ع)، وهم في حال شديدة من التعب والإرهاق وشدة المصاب والفجيعة، والتقوا عند القبر الشريف بجابر بن عبد الله الأنصاري ومن جاء معه لزيارة قبر الإمام الحسين(ع)، حاملين معهم رؤوس الشهداء الشريفة لردها إلى حيث الأجساد الطاهرة، في يوم العشرين من صفر كما جاء في الروايات.

وقد شكلت تلك الأحداث نقطة انطلاق زيارة الأربعين لسيد الشهداء تمثلت باجتماع أهل ذلك السواد عليهم، فتوافدوا بالحزن والبكاء واللطم وندب الشهداء، وأقاموا على ذلك أياما. ومن يومها أصبحت كربلاء قبلة للزائرين يؤمها الملايين من المؤمنين من مختلف بلدان المعمورة([31]).

3) انها تبرز البعد الإعلامي لنهضة الإمام الحسين(ع)، وكانت بدايته عقيب واقعة الطف مباشرة، من قبل الإمام زين العابدين(ع) والعقيلة زينب(ع) ومن معها من بنات الوحي، حين كانوا سفراء تعريف بأهداف ثورة الإمام الحسين(ع) بعد شهادته، في الكوفة والشام والمدينة وما بينها من محطات، مع ما كانت تحمله خطبهم من ميزات إعلامية، في بيان منزلة أهل البيت(ع) ومكانتهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها، وما أتى أعداؤهم من عظيم جرم باستلاب حقوقهم وانتهاك حرماتهم وسفك دمائهم وسوقهم بنات رسول الله(ص) من بلد إلى بلد، ليظهر أمام المجتمع الإسلامي خروج بني أمية ومن أسس لحكمهم، عن واقع الإسلام وبعدهم عن الشريعة وصاحب الشريعة(ص).

4) ما لهذه الزيارة من آثار أخلاقية وعقائدية وفقهية وسياسية تفوق – في الجملة – سائر زياراته(ع).فإن الإنسان يجد نفسه، أيام هذه الزيارة، في ظروف ومشاهدات وأحاسيس ومشاعر تنقله إلى عالم القديسين، فكل شيء مختلف أيام زيارة الأربعين، سواء في جانب الجود والبذخ والعطاء، أو في جانب الالتزام بالفرائض والواجبات وأحكام الشريعة المقدسة والتعاليم الإلهية، أو في الجانب الأخلاقي من التسامح والإيثار والعفو وكظم الغيظ والأخلاق السامية والقيم النبيلة ومعاني التضحية والفداء. حتى يتخرج المؤمن من هذه الدورة الحسينية وقد تعبأت نفسه بكل القيم والمبادئ التي قدم لأجلها سيد الشهداء تلك النفوس الطواهر الزواكي قربانا لوجه الله تعالى وإعلاء لكلمته.

وبإزاء هذه المزايا والصفات التي اكتسبتها زيارة أربعينية الإمام الحسين(ع)، وما ترشح من أهميتها على الزائرين أنفسهم، إذ كانوا محلا لاهتمام الشريعة المقدسة، لا سيما أن هذه الزيارة العظيمة اكتسبت في السنوات الأخيرة صفة المناسبة العالمية التي يجتمع لأجل إقامتها وإحيائها الملايين من كل أقطار الأرض، فإن ما يقع على عاتق الدولة بكل مؤسساتها أن تكون بقدر المسؤولية المناطة بها بما يحفظ سمعة وكرامة وعزة الدولة والقائمين على شؤونها، وبما يكسبها من سمعة طيبة تلفت انتباه وعناية المجتمع الإنساني في كل الدول.

فلزم – على هذا – مراعاة حقوق الزائرين المتوافدين لزيارة الأربعين، والاهتمام بشؤونهم من قبل الشعب والدولة. وقد ذكر السيد مرتضى الشيرازي حقوقا مهمة للزائرين، يحقق تطبيقها ومراعاتها من قبل الدولة والشعب، استيعابا للجموع الكبيرة من الزائرين والتي تعد من أكبر التجمعات البشرية العالمية في الوقت الحاضر. ومن جملة تلك الحقوق التي نوه إليها السيد مرتضى الشيرازي بالذكر "

1) حق السكن المناسب والإيواء.

[فإن] هؤلاء يستحقون -عقلا وشرعا وعرفا- على الدولة حقوقا كثيرة. كما انهم يستحقون على عامة الشعب حقوقا كثيرة، ومن تلك الحقوق حق السكن والإيواء. وبمقارنة بسيطة يظهر لنا حجم تقصيرنا – فانه لو لاحظنا كم فندقا يوجد في كربلاء المقدسة وقارناه بما يوجد في إحدى المدن الأخرى ـ لان الأشياء تعرف بأمثالها كما تعرف بأضدادها، لظهر الفرق الواسع. فهناك مدينة صغيرة توجد في ولاية (نيفادا) لا يسكنها إلا ما يقارب (600) ألف انسان، واذا ضممنا اليها ما حوليها من الضواحي التابعة لها فإن سكانها لا يتجاوزن مليون و(700) ألف لا أكثر، لكن تلك الدولة وذلك الشعب الذي يهتم بذلك المعلم السياحي الذي لا قيمة حقيقية له، بل هو يحمل الكثير مما يضاد القيم الانسانية الكريمة، اهتموا بتلك المدينة الصغيرة أبلغ الاهتمام، حتى أنهم شيدوا فيها مائة ألف فندق!!بينما لا نجد في كربلاء المقدسة إلا حوالي ألف فندق – كما قيل - لذا تجد الكثير – بل الملايين - من الناس يفترشون الشوارع والأزقة، فهل الدولة لا تستطيع أن تعطي أراضي إلى الميسورين ولكل من شاء ليبنوا عليها مساكن للزائرين والوافدين إلى حرم أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؟!

2) توفير الأمن. وهو وإن كان مسؤولية الدولة بشكل أساسي، وأن الأجهزة الأمنية والعشائر والناس، قد اضطلعت بالمسؤولية بشكل لا بأس به، لكن الواجب أن يهتموا بذلك أكثر فأكثر، وعلى كل شخص أن يساهم في حفظ أمن الزائرين وراحتهم وطمأنينتهم وهدوئهم وسكينتهم.

3) توفير مختلف البرامج التربوية والثقافية، والتي تحتضن الزائر فكرياً وروحياً من كل الجوانب، بحيث تكون الزيارة مدرسة نوعية متكاملة، فإن بالإمكان أن نثري هذه الزيارة المليونية بالمزيد من البرامج التربوية والتثقيفية والتعليمية الهادفة، فنكتسب الحُسنَيَينِ بأسمى درجاتهما إنشاء الله تعالى. لأن الزائر يبقى في أجواء الزيارة أياماً تبلغ أحياناً أكثر من عشرة ايام أو حتى خمسة عشر يوماً، وهي مدة كافية لأن نُدخله فيها في دورة دينية تربوية، ثقافية، فكرية، ولائية، شاملة، تعود عليه وعلى المجتمع بالنفع والبركة ان شاء الله تعالى([32])

الاستضاءة الثالثة: انطباق عناوين شرعية راجحة على زيارة الأربعين

أكد أئمة أهل البيت(ع)- فيما ورد عنهم -على ما ينبغي للزائر أن يتصف به وما يتحلى به من مكارم الأخلاق بين يدي سيد الشهداء بما يعكس الأخلاق التي اقتبسها شيعة أهل البيت(ع) من أئمتهم(ع)

فقد روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: إذا خرجنا إلى أبيك أ فلسنا في حج؟

قال: بلى.

قلت: فيلزمنا ما يلزم الحاج؟

قال: ماذا.

قلت: من الأشياء التي يلزم الحاج.

قال: يلزمك حسن الصحابة لمن يصحبك، ويلزمك قلة الكلام الا بخير، ويلزمك كثرة ذكر الله، ويلزمك نظافة الثياب، ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحائر، ويلزمك الخشوع، وكثرة الصلاة والصلاة على محمد وال محمد، ويلزمك التوقي لأخذ ما ليس لك، ويلزمك ان تغض بصرك، ويلزمك أن تعود إلى أهل الحاجة من إخوانك إذا رأيت منقطعا والمواساة، ويلزمك التقية التي قوام دينك بها، والورع عما نهيت عنه والخصومة وكثرة الأيمان والجدال الذي فيه الأيمان، فإذا فعلت ذلك تم حجك وعمرتك، واستوجبت من الذي طلبت ما عنده بنفقتك واغترابك عن أهلك ورغبتك فيما رغبت أن تنصرف بالمغفرة والرحمة والرضوان ([33])

ومن هذه الرواية الشريفة يسلط السيد مرتضى الشيرازي الأضواء على محورين رئيسين فيها، هما:

1) صفات الزائر المثالي.

فإن من يفد على عظيم من عظماء الدنيا تراه يضع في حساباته عمل كل شيء يقربه إليه رجاء رفده وطلب نائله، وينأى بنفسه عن كل قول أو فعل يبعده عن ذلك المأتي المنتسبة عظمته إلى الدنيا، فكيف لو كان ذلك العظيم المزور سلطان الدنيا والآخرة، ومن جعله الله تعالى واسطة لفيض كمالات الوجود على الموجودات، وهم مصدر كل خير، ومحل كل بركة. وفوق كل ذلك هم معادن الجود والكرم، وأهل البر والمعروف. وعلى قول الفرزدق:

من معشر حبّهم دين وبغضُهُمُ......كفر وقربُهُم منجًى ومعتصمُ

إنْ عدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم......أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ

فينبغي على الزائر أن يتحلى بمزايا وسجايا تجعله لائقا بحمل هذا العنوان العظيم.

ومن الاستفادات التي لحظها السيد مرتضى الشيرازي من الرواية الشريفة المتقدمة فيما يتعلق بصفات الزائر المثالي قوله " في الرواية المتقدمة يذكر الإمام الصادق (عليه السلام) شروط الزائر المثالي والنموذجي ومواصفاته، ويشير الإمام (عليه السلام) إلى أن الزائر إذا تمتع بهذه الصفات، (فقد تم حجك وعمرتك) بحسب نص كلام الإمام..

ويلزمك نظافة الثياب ـ وذلك لوضوح أن كل مسافر يسافر الى مسافات طويلة، ولأيام عديدة أحياناً، يتعرض لأشعة الشمس أو المطر أو الغبار أو غير ذلك، وقد تتسخ ثيابه أو بدنه، فيلزمه ـ أي الزائر ـ نظافة ثيابه، ومراعاة هيأته ومظهره، على أن النظافة بشكل عام عنوان رئيسي في الشريعة الإسلامية الخاتمة، وللسيد الوالد كتاب ضخم باسم (النظافة) في مسائلها الفقهية من واجب ومستحب وغير ذلك.

ولعل تعبير الإمام (عليه السلام) بـ(يلزمك) للمبالغة في التحريض نظراً لصعوبة الالتزام بالنظافة للمسافر أياماً عديدة خاصة في الأسفار القديمة، أو حتى للمشاة في العصر الحاضر.

ويلزمك الخشوع ـ أي أن يكون قلب الزائر خاشعا متعلقا بالله تعالى، وبأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) حتى لا يفكر في الدنيا وهمومها ومشاغلها ومشاكلها، بل أن يكون خاشعاً إلى درجة أن يكون مصداقا للحديث الشريف "من تذكركم اللهَ رؤيتُه"([34]) فما أروع وأحلى ذلك: أن ترى كل زائر على طريق سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، ذاكرا خاشعا متواضعا متذللا لله عز اسمه!.

وكثرة الصلاة ـ أي تلزمك كثرة الصلاة، فاذا كانت طرق الزائرين على امتدادها وتشعباتها من كل فج عميق، في أوقات الصلاة، تعج بالمصلين جماعة أو فرادا فان الزيارة المليونية ستكون محفلا عظيما لذكر الله ومظهراً جليلاً من أبهى مظاهر (إقامة الصلاة) وكما أراد الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد شاهدنا الكثيرين والكثيرين جداً – ولله الحمد – يلتزمون بذلك إلا أننا نشدد على الاهتمام بالصلاة بشكل أكبر فأكثر، ومن ذلك أن يلتزم الزائرون عند دخولهم الى الخيام للاستراحة، بأداء ركعتين تقربا الى الله وشكراً له جل اسمه واستعانة بالصلاة على مهام الأمور كما ترشد إليه الآية المباركة (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) ([35])

فاذا كان ديدن وشغل الزائر إقامة الصلاة في الخيام والمضايف وفي الشوارع والطرق والأزقة والحارات فسوف يكون هذا الزائر مصداقا لـ (مقيمي الصلاة) وليس مجرد مؤدٍ للصلاة، ولعل هذه تشكل أفضل دعوة الى الدين ولسيد شباب أهل الجنة (صلوات الله وسلامه عليه) في العصر الحاضر، مما يتأتى من عامة الناس.

والصلاة على محمد وآل محمد. ويلزمك التوقي عن أخذ ما ليس لك ـ وهذا من المحرمات كما هو واضح، فعلى الزائر ان لا يأخذ ما ليس له، ولو كان مداس – حذاء ونعل - أحد الزائرين أو غيره إلا بعد الاستئذان منه، أو معرفة انه من الأشياء المعدة لخدمة الزائرين من قبل أصحاب المضائف والمواكب.

ويلزمك أن تغض بصرك ـ ولاحظوا الدقة هنا، فالإمام (عليه السلام) يقول (.. أن تغض بصرك..) ولم يستخدم كلمة (من ) أي لم يقل (أن تغض من بصرك) كما ورد في الآية الشريفة (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ([36]) فما السر في ذلك؟ لا بد ان هناك فرقاً دقيقاً؛ لأن الإمام (عليه السلام) لا ينطق بكلمة إلا بوجه، ولا يترك ذكر كلمة الا لحكمة.

وبيان ذلك الوجه أن نقول: لأن المطلوب من الزائر هو فوق المطلوب من عامة الناس فان المطلوب من عامة لناس هو (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) أي بعض الغض، اما الزائر فعليه كل الغض، بحيث يحتاط حتى في النظرة الأولى التي لا اشكال فيها حسب الصناعة الفقهية اذا لم تكن عن علم وعمد، فالأفضل للزائر أن يكون الزائر منكس الرأس حتى لا تقع حتى نظرته الأولى على وجوه النساء الأجنبيات، وحتى إلى ما حلّ له منها

وذلك لأن الأفضل للمؤمن دون شك أن يتجنب ان تنطبع صور النساء الأجنبيات، في ذهنه، حتى ما حلّ منها بقيوده، وذلك لجهات عديدة، منها: الأثر الوضعي الذي يتركه انطباع تلك الصور في خزانة ذهنه وحافظته حتى وإن كانت تلك الصور من جهاز التلفاز أو غيره.

وذلك كله يشكل دورة تربوية تنفعه طوال السنة، إذ إن من تعود على أن ينكس رأسه أياماً يسهل عليه الاستمرار على ذلك طوال أيام السنة.

ويلزمك ان تعود إلى أهل الحاجة من اخوانك اذا رأيت منقطعا من اخوانك، والمواساة ـ وهذه الرواية أيضاً تحدد العلاقة مع المجتمع المحيط بالزائر، من الزائرين وغيرهم.

ومن الملاحظ أن بعض الناس من طباعهم المبادرة للخدمة، حتى مع شدة تعبهم، خلافا للبعض الذي قد يتراخى بسب التعب، ولا شك أن قضاء حوائج الإخوان من أعظم القربات بحيث ورد: ان (من قضى لأخيه المؤمن حاجة، قضى الله له يوم القيامة سبعين حاجة، ايسرها دخول الجنة) ([37]) تأملوا (أيسرها دخول الجنة) فما أعلاها إذن؟ وفي رواية أخرى (من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له مائة ألف حاجة!) ([38])

وقضاء الحوائج مطلوب بشكل عام، وفي كل الأوقات والأماكن، لكنه إذا كان في طريق سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) وزيارته العظيمة حيث الملايين من المؤمنين وكثرة الحوائج للناس من مأكل او مشرب او مسكن أو تداوٍ أو غير ذلك، فإن ثواب قضاء الحاجات سيكون أعظم عند الله، وأوفر قربا اليه من غيره.

ان الإنسان اذا كان محورا للخدمة في مختلف الأبعاد، في هذه الأيام القلائل، فانه سيوفق لكي يكون انسانا رائعا، وعنصرا فاعلا طوال حياته، وفي شتى مناحي الحياة بإذن الله.

واذا تربى المجتمع على مثل هذه الحالة، فسنشهد عندئذٍ عظيم ما تصنعه هذه النهضة الحسينية، من التموجات في العالم كله.

ولا شك ان هذه الزيارة المليونية بتموجاتها المنظورة وغير المنظورة في العالم كبيرة جدا، حتى ان بعض المحققين تتبع ولاحظ واستقرأ، وبعث بعض الناس لكي يتتبعوا (الربيع العربي)، فتوصل الى ان من أهم الأسباب التي أدت إلى هذه الثورات والانتفاضات ضد طغاة العرب، هو تموجات هذه الزيارة المليونية الحسينية الكبرى التي وصلتهم عبر الفضائيات والتي كانت لسنوات عديدة تبث مشاهد هذا الزحف الالهي الكبير نحو سيد الأحرار، نحو ذلك الإمام الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الله وفي سبيل الإصلاح في أمة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووقف بوجه الظلم والطغيان، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، كأبلغ وأسمى وأكمل وأتم ما يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ان هذا الزحف المليوني الكبير لا شك انه كان يؤثر في طبقات اللاوعي للشعوب الإسلامية وعلى مدى الخبرات المتراكمة في داخل نفوس المظلومين، فالربيع العربي ـ ومع الأسف اننا لا نفصح عن هذا الامرـ ما هو إلا تموج من تموجات الزيارات المليونية الحسينية الكبرى، خاصة إذا لاحظنا أن الإمام الحسين (عليه السلام) يشكل الرمز الأعلى للتضحية والجهاد والخروج والفداء، ويجسد (المثل) (الأنموذج) للعالم الكامل الثائر التقي الورع الزاهد لدى كل مسلم، شيعياً كان أم مخالفاً.

وهنا نقول: إذا كان الأمر كذلك ـ وهو كذلك ـ فما بالك لو كان الزائرون كلهم مثاليين، كما يريد ذلك إمامنا الصادق (صلوات الله وسلامه عليه)؟

ويلزمك الورع عما نهيت عنه، والخصومة ـ أي أن تتورع عن الخصومة والتخاصم مع بقية الزائرين او الخدم أو حتى عامة الناس

وكثرة الأيمان والجدال، الذي فيه الأيمان فاذا فعلت ذلك فقد تم حج وعمرتك ـ

إذن: هذه الزيارة للإمام الحسين (عليه السلام) هي حج وعمرة، بالإطلاق الشرعي الثاني، وبالمصطلح الشارعي باعتباره نوعاً للجامع الجنسي أو باعتباره وجوداً تنزيلياً.

واستوجبت من الذي طلبت ما عنده بنفقتك، واغترابك عن اهلك ورغبتك فيما رغبت، ان تنصرف بالمغفرة والرحمة والرضون

وهذه مراتب ثلاث متسلسلة في التعالِي أي ان تنصرف بالمغفرة اولا، وبالرحمة وهي مرتبة فوق المغفرة، ثانيا، وبالرضوان حيث يقول تعالى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) ([39]) ثالثا([40])

2) معنى كون زيارة الحسين(ع) حجّاً

شاع في الشريعة المقدسة استعمال ألفاظ في غير معناها اللغوي الأولي، بحسب حاجة المقام والظرف والحال. حتى خصص علماء الفقه والأصول بحثا عنونوه بـ(الحقيقة الشرعية) أو (المتشرعية) للتفريق بين الألفاظ التي أريد بها معناها اللغوي، أو أنها نقلت إلى معنى جديد لمناسبتها للمعنى الأول، فينتقل الذهن إلى المعنى الجديد من دون قرينة، فأصبحت حقيقة وموضوعة بوضع جديد. وربما استعملت هذه الألفاظ باستعمالات مجازية من دون هجر للمعنى الأولي.

وتأتي أهمية هذا البحث لمعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها، أو التي وقعت موضوعات للحكم الشرعي، ومن ثمَّ كانت محلا لاختلاف الآراء وموردا لاجتهاد الفقهاء.

وقد رصد السيد مرتضى الشيرازي هذا الأمر حين تعرض لمعنى (الحج) الوارد في الرواية المتقدمة والتي أطلقته على زيارة الإمام الحسين(ع)، فصدَّرَ كلامه في تلك المصطلحات المستعملة في الشريعة وبحوث الفقه، كمقدمة للوصول إلى المعنى الأرجح للفظ (الحج) المستعمل في الرواية، وقد أطلق على البحث عنوان (فقه المصطلحات المزدوجة) وهو جدير بالتوسع وإفاضة القول فيه، حيث قال: هناك العديد من المصطلحات المزدوجة الاستعمال، نذكر منها:

أ) الجهاد: وهو مصطلح متعدد الاستعمال، اذ تارة يستعمل في الجهاد بالمعنى المعروف: وهو ان يشهر الانسان سيفه او بندقيته، وينطلق الى سوح الوغى والحرب. وتارة يستعمل بإطلاق اخر، مثل قوله (صلوات الله وسلامه عليه): "جهاد المرأة حسن التبعل"([41]) فانه جهاد، إلا انه يختلف عن الجهاد بالمعنى الأول، ولكلٍ ضوابط ومحددات تختلف عن الأخر، علما ان الجهاد بالمعنى الثاني (حسن التبعل) لا يراد منه المعنى اللغوي الصرف وهو: بذل الجهد، بل هو مصطلح شرعي جديد.

ب) العدالة: وهو مصطلح شرعي، إلا أن له إطلاقات مختلفة، اذ العدالة في مرجع التقليد لها معنى وضوابط، هي تختلف عن العدالة المشترطة في الشاهدين، كما ان هذين المعنيين يختلفان عن العدالة المشترطة في إمام الجماعة.

ج) الإمام: إن إمامة إبراهيم الخليل (على نبينا واله، وعليه أفضل الصلاة والسلام) التي ذكرها الله تعالى في كتابه المجيد (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) ([42]) وسائر الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، تختلف عن إمامة إمام الجماعة.

مع أن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وإمام الجماعة، كلاهما يطلق عليه لفظ (الإمام ) ولا تجوّز في ذلك ولا مجازية، إلا أن هذا أين وذاك أين؟!

د) الشهيد: وهو من المصطلحات المزدوجة الاستعمال ايضا، فقد ورد في الحديث الشريف:إن " من مات على حب ال محمد (صلى الله عليه وآله) مات شهيدا"([43])

مع ان الشهيد في سوح الوغى والحرب له ضوابط وأحكام، إلا ان من مات على فراشه، وهو محب لإل محمد (صلى الله عليه وآله) فهو شهيد أيضا، بمعنى اصطلاحي جديد، وليس بالمعنى اللغوي وحسب، اذ ان له اثارا خاصة.

هـ) الحائر: أي الحائر الحسيني (على ساكنه الآلاف التحية والسلام)، فقد أورد الشهيد (قدس سره) في (الذكرى ) رواياتٍ وأقوالا في بيان المراد من الحائر الحسيني([44])

1ـ انه المساحة المقدرة بـ(5) فراسخ من كل الاتجاهات. انطلاقا من المرقد الشريف.

2ـ انه (4) فراسخ من كل الاتجاهات.

3ـ انه (1) فرسخ.

اما ابن إدريس الحلي فقد ارتأى ان الحائر: هو ما ضمّته أسوار الحرم الشريف والمسجد المحيط به([45])

بيد ان هنالك رأياً أخر يرى ان الحائر: هو ما كان إلى (25) ذراعا عن المرقد المطهر، او (24) ذراعا، او (27) ذراعا، على ثلاث أقوال([46])

لكن التحقيق يقتضي صحة كل تلك الأقوال، فإن كل هذه إطلاقات، وقد حمل الشهيد في الذكرى الاطلاقات الثلاثة الأولى ـ والتي اقتصر على نقلهاـ على مراتب الفضل، إلا ان الأمر أوسع من ذلك وأعمق، ولنا حوله حديث فقهي نتركه لوقت آخر إن شاء الله تعالى.

كما ان من الضروري ان تكتب دراسات تخصصية في هذا البحث، اعني (فقه المصطلحات المزدوجة او المتعددة الاستعمال)، فان الآثار الشرعية لكلٍّ من فردَيْ المصطلح المزدوج تختلف عن الفرد الآخر، كما أن الآثار الغيبية مختلفة ايضا، فان (التربة الحسينية) مثلا حيث أن فيها شفاء ورحمة، من أين تؤخذ؟ وما هي المسافة التي لها هذا الأثر العظيم في الشفاء او السجود عليها؟ كذلك (الحائر الحسيني) وما يستتبع تحديده من التخيير بين القصر والإتمام في الصلاة، وهناك حيثيات أخرى نتركها لمضانها.

و) الحج: وهو ايضا من المصطلحات المزدوجة، فقد رأينا كيف ان محمد بن مسلم (رحمه الله) ـ وهو من الفقهاء الكبار ولم يكن مجرد راوي ـ عندما يسأل الإمام (عليه السلام) عن زائر سيد شباب أهل الجنة (صلوات الله وسلامه عليه) فيقول: أفلسنا في حــــج؟ قال: بلى...

فهو (حج) اذن.. وليس (الحج) بالمعنى اللغوي([47])

ولكن ما هو المصحح لإطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني المصطلحة في لسان الروايات ثم كتب الفقه. وقد ذكر السيد مرتضى الشيرازي وجوها ثلاثة، لا على سبيل الحصر، لصحة إطلاق هذه الألفاظ على معانيها الاصطلاحية الشرعية. وهذه الوجوه:

الوجه الاول: قد يكون ذلك من باب المراتب، وهو وجه من الوجوه، وقد يحمل عليه (الحائر الحسيني) في بعض جهاته.

الوجه الثاني: قد يكون من باب الوجود التنزيلي كما في "الطواف في البيت صلاة"([48]) فالشارع عندما يقول (ان الطواف في البيت) هو (صلاة) يعني انه نزّل هذه الحركات منزلة الصلاة، واعتبرها صلاة حقيقيةً، لكن بوجود تنزيلي.

وهل (الحج) الوارد في كلام الإمام الصادق (عليه السلام) من هذا القبيل؟ اي هل ان حج الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) حج تنزيلي؟ فيكون حج بيت الله الحرام هو المعنى الأول، وحج الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) حج تنزيلي؟

الوجه الثالث: ان يكون هنالك جامع، فيكون لفظ (الحج) موضوعا لجامعٍ ينطبق على حج بيت الله الحرام كصنفٍ من أصناف هذا النوع، وينطبق على حج الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) كصنف اخر، ولكل منهما ضوابط وشرائط معينة، وهذا أيضاً احتمال([49])

وبعد بيان الأوجه لاستعمال بعض الألفاظ الشرعية في غير معانيها الأولية نسأل: بأي وجه من تلك الوجوه يطلق لفظ (الحج) على زيارة الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؟

يقول السيد مرتضى الشيرازي: إن كل تلك الوجوه محتملة ويمكن جريانها في المقام، ومن الممكن إطلاق لفظ (الحج) على زيارة الإمام الحسين(ع) ولها ما يقتضيها من الصحة "ولكن: لا ينبغي التخوف والتحرج من ذلك، ما دامت الروايات الصحيحة الصريحة موجودة، وما دام البيان العقلائي والمنطقي موجوداً، وما دام بناء الشرع في الكثير من القضايا على تعدد الاطلاقات، والتعدد في المصطلحات" ([50])

* هذا البحث مستفاد من سلسلة (دروس في التفسير والتدبر). محاضرات تفسيرية ألقاها سماحة السيد مرتضى الشيرازي(دام ظله) على طلبة بحثه/ الدرس(145)- (146).
** السيد نبأ الحمامي، باحث ومدرس في الحوزة العلمية في النجف الاشرف

.........................................................................
([1]) الشريف الرضي، نهج البلاغة: 2/198.
([2]) الروم/38.
([3])الدرس 145.
([4]) ينظر: إفادات الميرزا النائيني للشيخ الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول: 4/381. السيد أبو القاسم الخوئي، تقرير بحث النائيني(أجود التقريرات): 2/381. السيد محمد سعيد الحكيم، المحكم في أصول الفقه: 1/50.
([5]) وهذا ما سنتناوله في الاستضاءة الثانية.
([6]) الزمر/9.
([7]) الدرس 145.
([8]) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج: 2/25.
([9])السيد محسن الأمين، لواعج الأشجان: 31.
([10]) إبراهيم/37.
([11]) إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، الغارات: 1/200.
([12]) سليم بن قيس الهلالي الكوفي، كتاب سليم بن قيس: 407.
([13]) ميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل: 10/318.
([14]) الحج/32.
([15])كامل الزيارات: 444.
([16])جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات: 238.
([17]) الشورى/23.
([18])جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات: 261.
([19]) المصدر نفسه: 236.
([20]) الشيخ المفيد، المزار: 225.
([21]) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام: 6/22.
([22])جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات: 284.
([23]) المصدر نفسه: 312.
([24]) المصدر نفسه: 253.
([25]) تكملة رواية بشير الدهان المتقدمة.
([26]) الدرس 145.
([27]) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام: 6/52.
([28]) الشيخ الطوسي، مصباح المتهجد: 788.
([29]) المصدر نفسه.
([30])العلامة المجلسي، بحار الأنوار: 98/329.
([31]) ينظر: السيد محسن الأمين، لواعج الأشجان: 240.
([32]) الدرس 145.
([33]) جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات: 251.
([34])عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ص قَالَتِ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى يَا رُوحَ اللَّه مَنْ نُجَالِسُ قَالَ مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّه رُؤْيَتُه ويَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُه ويُرَغِّبُكُمْ فِي الآخِرَةِ عَمَلُه. الشيخ الكليني، الكافي: 1/39.
([35]) البقرة/153.
([36]) النور/30.
([37]) الحميري القمي، قرب الأسناد: 119.
([38]) الشيخ الكليني، الكافي: 2/193.
([39]) التوبة/72.
([40]) الدرس 146.
([41]) الشريف الرضي، نهج البلاغة: 4/34.
([42]) البقرة/124.
([43]) السيد ابن طاووس، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: 159.
([44]) الشهيد الأول، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: 4/291.
([45]) ابن إدريس الحلي، السرائر: 1/342.
([46]) الشيخ الطوسي، مصباح المتهجد: 731. الشهيد الأول، الدروس الشرعية في فقه الإمامية: 2/11.
([47]) الدرس 146.
([48])ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي: 1/214.
([49]) الدرس 146.
([50]) الدرس 146.

اضف تعليق