تجلت فلسفة الأربعين في سؤال طفلةٍ تُسائل جدتها المسنة وسط التراب؛ فالناس لا يبحثون عن نقطة وصولٍ جغرافية، بل يفرون من نرجسية المادة والألقاب ليستعيدوا إنسانيتهم المفقودة، ويستلهموا من الحسين البوصلة الأخلاقية التي تُصلح واقع المجتمع والمؤسسة...
على حافة الطريق الممتد بين الجنوب وكربلاء، وفي ظهيرةٍ لاهبة تُذيب الإسفلت وتصهر الوجوه، انحنت امرأةٌ مسنة تُدعى أم حيدر. كانت تطوي المسافات بتمهّل، ممسكةً بيد طفلةٍ صغيرة لم تتجاوز السابعة، تحاول أن تطابق خطواتها الخفيفة مع خطوات جدتها المجهدة.
في استراحةٍ خاطفة عند طرف إحدى الخيام، جلست الجدة لتُمسّد قدمي الصغيرة اللتين تورّمتا من طول السير. نظرت الطفلة بعينين ملؤهما الذهول البكر وتساءلت بطفولية: "جدتي.. لماذا نتحمل كل هذا التعب والحر؟ وعن أي شيء يبحث كل هؤلاء الناس في هذا الطريق الطويل؟".
تأملت الجدة السيل البشري الممتد حتى أفق السماء، ولثمت رأس الطفلة بدمعةٍ ترقرق في عينيها قائلة: "يا بنيتي، الناس في مدنهم يشبعون أجسادهم ويجوعون لشيءٍ أكبر.. نحن هنا لا نمشي بأقدامنا فقط، بل نبحث عن نفوسنا التي أضاعتها الحياة، ونبحث عن الحسين الذي يطهر روحنا من الغرور، لنتعلم كيف يحبُّ الإنسانُ أخاه الإنسان دون مقابل".
في تلك اللحظة الدافئة بين حكمة الشيبة وبراءة الفطرة، ينجلي الجوهر الحقيقي لهذا المسير المليوني. فالأمر يتجاوز حدود الطقس المألوف أو الحركة الجغرافية من نقطة إلى أخرى؛ إنه في عمقه حراكٌ سوسيولوجي ورواية إنسانية مفتوحة للتفتيش عن مفقودٍ غالي الجوهر ضاع في زحام المادة وصخب الحياة اليومية.
تفرض الحياة الحديثة على الإنسان نمطاً متسارعاً من الاغتراب الفردي؛ حيث تُختزل قيمة المرء في ألقابه، وموقعه الوظيفي، ورصيده البنكي. تُبنى حول النفوس جدران سميكة من النرجسية الفردية التي تجعل الإنسان يرى العالم من خلال منفعته الخاصة فقط. وهنا بالذات تكمن أولى إجابات السير: إنه فرارٌ جماعي من "الأنا المتضخمة".
على هذا التراب، يذوب سادن السلطة، والأكاديمي، والطبيب، والتاجر، في لباسٍ واحد ومسارٍ موحد. خلعُ الرتب والألقاب في الطريق ليس مجرد إظهار للتواضع، بل هو تطلع راديكالي لاستعادة الإنسانية في صورتها الأولى الخالصة من شوائب الفوقية والادعاء.
من جانبٍ آخر، يخوض الزائر تجربةً نادرة لبناء ما يُمكن تسميته بـ "الفضاء الأخلاقي البديل". في عالمٍ معاصر تعاني فيه المجتمعات من تآكل الثقة المتبادلة وسيادة الريبة تجاه الآخر، يقدم طريق الأربعين نموذجاً استثنائياً للتضامن والتكافل التلقائي.
يبحث السائر عن مجتمعٍ يُعطي فيه الغريبُ غريبه دون انتظار مقابل، وعن ساحةٍ آمنة يضع فيها الإنسان ماله وأطفاله ونفسه بين يدي ناسٍ لم يَرَهم من قبل، يطعمونه ويئوونه ويداودن جراحه برحابة صدر. إن هذا السلوك يعيد بناء "رأس المال الاجتماعي" المفقود، ويُثبت أن العلاقات الإنسانية يمكن أن تتأسس على النزاهة والإيثار بدلاً من المنفعة والشك.
لكن التساؤل الأكثر إلحاحاً يُطلُّ بوجهه عند نهاية الطريق: كيف لا نترك هذا المعنى الثمين يتبدد بمجرد عودة الناس إلى منازلهم ووظائفهم؟
إن الوفاء الحقيقي لهذه التجربة يقتضي تحويل تلك الأشواق والدروس الروحية إلى ممارسة يومية وثقافة حية تدار بها مؤسسات الدولة والمجتمع. تقتضي الرؤية أن تتحول روحية "الخدمة بلا مقابل" التي يمارسها الموكب إلى "دستور نزاهة وأمانة وظيفية" يُلزم الموظف والمسؤول بالتعامل مع المواطن بتواضع واحترام بدلاً من البيروقراطية والاستيلاء على المال العام. كما أن شبكات التكافل والثقة الهائلة التي تُبنى على الطريق يجب ألا تتفكك، بل أُجريَ استثمارها لتتحول إلى مبادرات تمكين اقتصادي واجتماعي تُعنى بفقراء المدن، وتشغيل الشباب، وحماية البيئة طوال العام.
إن زائر الأربعين لا يقطع كل تلك الكيلومترات بحثاً عن نقطة وصول جغرافية تنتهي عند أسوار المدينة، بل هو يخوض رحلة داخلية لإصلاح ذاته وإعادة اكتشاف بوصلته الأخلاقية. ومتى ما استطعنا نقل "تأثير هذا السير" من فضاء الطريق إلى سلوك الشارع، والمدارس، والدوائر الرسمية، سنكون قد ترجمنا فلسفة النهضة الحسينية من طقسٍ عاطفي نبيل إلى مشروع نهضوي حقيقي يبني الإنسان والدولة.



اضف تعليق