السؤال الحقيقي لا يتعلق بسبب الركض، وإنما بما يدفع ملايين البشر إلى استعادة هذا المشهد عامًا بعد عام، رغم اختلاف لغاتهم وأعمارهم وأوطانهم وثقافاتهم. فما الذي يجعل الإنسان يقطع المسافات ليشارك في لحظات لا تمنحه منصبًا، ولا مالًا، ولا مكسبًا سياسيًا؟ ولماذا يشعر كثيرون بأنهم لو غابوا عنها فقد غابوا عن جزءٍ من ذواتهم؟...
كلُّ أمةٍ تمتلكُ طقوسًا تحفظ بها ذاكرتها، غير أن بعض الطقوس لا تبقى مجردَ استذكارٍ لماضٍ مضى، بل تتحول إلى لغةٍ حيّةٍ تخاطب الإنسان في كل زمان. من بين هذه المشاهد تقف ركضة طويريج بوصفها واحدةً من أكثر الصور الإنسانية إثارةً للتأمل؛ فالمشهد الذي يبدو لأول وهلة اندفاعًا بشريًا نحو مرقد الإمام الحسين عليه السلام، يخفي وراءه منظومةً كاملةً من المعاني التي لا يمكن تفسيرها بمنطق العاطفة وحدها، ولا بمنطق الاجتماع وحده، ولا حتى بمنطق الدين وحده. إنها لحظة يلتقي فيها التاريخ بالضمير، ويلتقي فيها الإنسان بنفسه قبل أن يلتقي بالطريق الذي يسلكه.
ولعل السؤال الحقيقي لا يتعلق بسبب الركض، وإنما بما يدفع ملايين البشر إلى استعادة هذا المشهد عامًا بعد عام، رغم اختلاف لغاتهم وأعمارهم وأوطانهم وثقافاتهم. فما الذي يجعل الإنسان يقطع المسافات ليشارك في لحظات لا تمنحه منصبًا، ولا مالًا، ولا مكسبًا سياسيًا؟ ولماذا يشعر كثيرون بأنهم لو غابوا عنها فقد غابوا عن جزءٍ من ذواتهم؟ إن الإجابة لا تبدأ من عاشوراء وحدها، وإنما تبدأ من حاجة الإنسان الدائمة إلى نموذجٍ أخلاقي يعيد إليه ثقته بأن المبادئ قادرة على أن تنتصر، ولو بعد حين.
حين خرج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة لم يكن يؤسس لحركة احتجاج عابرة، ولم يكن يبحث عن صراعٍ مع السلطة من أجل السلطة، بل أعلن بوضوح الغاية التي خرج من أجلها حين قال:
«إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي.»
(بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ج44، ص329، نقلاً عن كلمات الإمام الحسين عليه السلام).
ولهذا لم تبقَ كربلاء واقعةً عسكرية انتهت بانتهاء ساعاتها، وإنما أصبحت سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا أمام الإنسانية كلها: ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح الحق ضعيفًا، ويصبح الظلم هو القانون؟ وهل يستطيع الضمير أن يبقى حيًا عندما يخسر كل شيء؟
ركضة طويريج هي أحد الأجوبة الشعبية التي ولدت من هذا السؤال. فالراكض لا يعتقد أنه سيدرك الحسين عليه السلام بعد أكثر من ألف وثلاثمائة عام، لكنه يريد أن يقول لنفسه قبل الآخرين: لو كنت حاضرًا يوم الطف لما تأخرت عن نصرة الحق. وهنا تتحول الحركة إلى رسالة، ويتحول الجسد إلى لغة، ويصبح الركض إعلانًا متجددًا بأن الضمير لا يعترف بتقادم الزمن.
ولهذا السبب لا يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه مجرد شعيرة دينية، لأن أبعاده الإنسانية أوسع بكثير. فالقرآن الكريم حين أعلن تكريم الإنسان لم يربط الكرامة بالسلطة ولا بالقوة ولا بالغنى، وإنما جعلها أصلًا ثابتًا في خلق الإنسان، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
(سورة الإسراء: 70).
ومن هنا يمكن فهم كربلاء باعتبارها دفاعًا عن هذا التكريم الإلهي حين حاول الاستبداد أن يحوّل الإنسان إلى تابعٍ فاقد الإرادة. لقد أراد الحسين عليه السلام أن يبقى الإنسان قادرًا على أن يقول "لا" في وجه الظلم، وأن يحتفظ بحقه في الاختيار، حتى لو كان الثمن حياته.
وعندما يتأمل الإنسان في ركضة طويريج يجد أن الملايين يذوبون في هوية واحدة لا تقوم على الطبقة الاجتماعية ولا على النفوذ ولا على الثروة. فلا أحد يسأل الآخر عن موقعه الوظيفي، ولا عن جنسيته، ولا عن مقدار ما يملك. الجميع يتحركون بالاتجاه نفسه، وكأنهم يعيدون بناء المجتمع على قاعدة المساواة التي نادى بها الإسلام منذ بداياته.
وهنا يبرز البعد الأخلاقي الذي جسدته عاشوراء. فقد أثبت الإمام الحسين عليه السلام أن الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد الغالبين في ساحة القتال، وإنما بقدرة الإنسان على الحفاظ على أخلاقه وهو يواجه أقسى الظروف. ولهذا بقيت كربلاء مدرسةً للأخلاق قبل أن تكون مدرسةً للبطولة.
وقد لخّص رسول الله صلى الله عليه وآله رسالة الإسلام بقوله:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.»
(الموطأ للإمام مالك، كتاب حسن الخلق، بلاغًا؛ ورواه غيره بألفاظ متقاربة).
ولم تكن هذه الأخلاق شعارًا نظريًا في كربلاء، فقد ظهرت في التعامل مع الخصوم، وفي الصبر على البلاء، وفي حفظ الكرامة حتى في أصعب اللحظات، ولذلك بقيت الواقعة حيّة في وجدان الشعوب لأنها قدّمت صورةً مختلفةً للقوة؛ قوةٍ لا تعتمد على البطش، وإنما على الثبات.
أما اجتماعيًا، فإن ركضة طويريج تكشف قدرة القيم المشتركة على صناعة وحدةٍ قد تعجز عنها القوانين والمؤسسات. ففي ساعات قليلة تتشكل منظومة تطوعية هائلة من التعاون والتنظيم والإيثار وخدمة الآخرين، دون أن يطلب أحد مقابلًا لذلك. وكأن المجتمع يعيد اكتشاف نفسه من خلال قيمةٍ واحدة هي خدمة الإنسان.
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن هذه الرؤية حين قال:
«الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق.»
(نهج البلاغة، الكتاب 53، عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر).
إن هذه الكلمة لا تزال تقدم واحدةً من أكثر الرؤى الإنسانية تقدمًا في التعامل مع الآخر؛ فهي تجعل الإنسان محور الاحترام، قبل أي انتماء آخر، ولذلك تجد في كربلاء من يخدم كل من يمر به، دون أن يسأله عن هويته أو معتقده.
ومن زاويةٍ فلسفية، فإن ركضة طويريج ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما هي احتجاجٌ دائم على فكرة الاستسلام. فالإنسان الذي يركض اليوم يعلن، ولو بصورة رمزية، أنه لا يريد أن يكون متفرجًا على الظلم. إن الركضة بهذا المعنى ليست حركةً في المكان فقط، وإنما حركةٌ ضد اللامبالاة، وضد الصمت، وضد موت الضمير.
ولعل هذا ما يفسر بقاء الحسين عليه السلام حاضرًا في ضمير العالم؛ فالأمم لا تحفظ أسماء جميع الملوك، لكنها تحفظ أسماء الذين غيّروا معنى الإنسان. ولذلك لم يعد الحسين رمزًا لجماعة بعينها، وإنما أصبح رمزًا عالميًا لكل من يرى أن الكرامة تستحق التضحية.
ومن الزاوية الاقتصادية تبدو عاشوراء أيضًا مدرسةً مختلفة. ففي الوقت الذي تتحول فيه كثير من المناسبات إلى مواسم استهلاك، تتحول كربلاء إلى موسم للعطاء المجاني. آلاف المواكب، وملايين الوجبات، ومظاهر الكرم التي يصعب تفسيرها بلغة الربح والخسارة وحدها.
ويختصر القرآن هذه الروح بقوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
(سورة الحشر: 9).
إن هذا الإيثار لا يقتصر على الطعام والشراب، وإنما يمتد إلى الوقت والجهد والخدمة والابتسامة والكلمة الطيبة، حتى يصبح العطاء جزءًا من هوية المجتمع.
أما البعد الديني، فهو يؤكد أن الارتباط بأهل البيت عليهم السلام ليس ارتباطًا عاطفيًا مجردًا، وإنما هو ارتباطٌ بالقيم التي حملوها. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«أذكّركم الله في أهل بيتي.»
(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب).
وقال تعالى:
﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾
(سورة الشورى: 23).
والمودة هنا ليست شعورًا مجردًا، وإنما التزامٌ بالسير على طريق العدالة والرحمة والصدق والإصلاح الذي جسده أهل البيت عليهم السلام.
وعندما نصل إلى البعد السياسي، تتضح الرسالة بصورة أشمل. فقد كشفت كربلاء أن السلطة عندما تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى أداة قهر، وأن الشرعية الحقيقية لا تُقاس بالقوة العسكرية، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان وصيانة كرامته.
ولهذا قال الإمام الحسين عليه السلام:
«ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا.»
(تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص245).
إنها ليست دعوةً إلى الصدام، وإنما دعوةٌ إلى اليقظة الأخلاقية؛ إلى أن يبقى المجتمع قادرًا على تمييز الحق من الباطل، والعدل من الظلم، مهما تغيرت الأسماء والعناوين.
وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت ركضة طويريج تتجاوز حدود الشعيرة لتصبح خطابًا عالميًا موجّهًا إلى الضمير الإنساني. إنها تقول للعالم إن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، وإنما يعيش أيضًا بالقيم التي تمنحه معنى وجوده. فالمجتمعات التي تفقد ضميرها قد تمتلك القوة، لكنها تفقد مستقبلها، بينما المجتمعات التي تحافظ على قيمها تستطيع أن تعيد بناء نفسها مهما اشتدت عليها الأزمات.
ويبقى هذا المشهد السنوي شاهدًا على أن الدم الطاهر الذي أريق في كربلاء لم يتحول إلى ذكرى جامدة، وإنما تحول إلى طاقة أخلاقية متجددة تدفع الملايين إلى مراجعة ذواتهم كل عام. فحين تركض الجموع في عاشوراء، فإنها لا تبحث عن نهاية الطريق، وإنما تبحث عن بداية جديدة داخل الإنسان نفسه؛ بداية يكون فيها أكثر عدلًا، وأكثر رحمة، وأكثر وفاءً للمبدأ.
ولهذا ستظل ركضة طويريج أكبر من كونها حركة بشرية، لأنها في حقيقتها رحلة ضمير نحو قيمٍ لا يشيخها الزمن، ورسالةً متجددة تقول إن الإنسان يستطيع أن يخسر كل شيء، لكنه إذا احتفظ بالحق والكرامة فقد احتفظ بأعظم ما يملك.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.



اضف تعليق