بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ)(1). صدق الله العلي العظيم.

إن أحد الأشياء التي نلاحظها في الأشهر المباركة، هو التأكيد الوارد حول إحياء ذكرى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، حيث يوجد في الروايات الواردة حقٌ وتأكيدٌ على إحياء ذكرى الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).

فهنالك زيارةٌ لسيد الشهداء (عليه السلام) في الأول من شهر رجب، وهنالك زيارة لسيد الشهداء (عليه السلام) في الخامس عشر من شعبان، وهنالك في شهر رمضان المبارك تركيز على إحياء ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام) في ليالٍ عِدَّة وليس في ليلة واحدة، حيث وردت زيارة سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) في الليلة الأولى من هذا الشهر، وفي ليلة منتصفه، وفي الليلة الأخيرة منه، وفي ليالي القدر الثلاث، فتصبح الليالي التي نحيي فيها ذكرى الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في شهر رمضان المبارك ست ليالٍ.

كذلك هنالك إحياء لهذه الذكرى في عيد الفطر، وفي عيد الأضحى، وفي يوم عرفة، وفي شهر محرم، وفي العشرين من شهر صفر، وغيرها.

هنالك عِدَّة أبعاد في إحياء ذكرى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه):

البعد الأول: البعد الحضاري

أحد أكبر الأخطار التي تهدد كل حضارة هو خطر الذوبان الثقافي، ولا يتعلق الذوبان الثقافي بحجم الأمة، فربما تكون هنالك أمة كبيرة من ناحية الحجم، ولا يتعلق هذا الخطر بحجمها وإن تعلق بكيانها، كذلك لايتعلق خطر الذوبان الثقافي بقوة الأمة، فقد تكون هنالك أمة قوية مهيأة ولا تفتقد شيئاً من عناصر القوة، ولكن قد يهدد الخطر الذوبان الثقافي حضارتها وكيانها.

وأوضح مثال على قولنا هذا هم المغول الذين جاؤوا إلى بلادنا بذلك الجيش الجرار الذي كان لديهم، فكانوا يملكون كل شيء في ذلك الحين، واحتلوا البلاد الواحدة تلو الأخرى، وحطّموا الخلافة العباسية، فقد كان المغول أقوياء حيث يُنقل أن نهر دجلة كان ملوَّناً باللونين الأحمر والأسود، لعدة أيام من الدماء التي أُريقت في بغداد والكتب الخطية التي أُلقيت في نهر دجلة، ولكن مع ذلك ذاب المغول ثقافياً، لعدم امتلاكهم مناعة وحصانة فكرية، فقد امتصتهم الأمة الإسلامية وهضمت الغزو المغولي في داخلها، وتحول حكام المغول أنفسهم إلى مسلمين، وبعضهم تحوّل إلى موالين لأهل البيت (صلوات الله عليهم) (2).

إذن فالمغول كانت أمة قوية ولكنها ذابت ثقافياً في أمةٍ أخرى، وكانت حضارة قوية ولكن ذابت ضمن حضارة أخرى، فلا يتعلق الذوبان الثقافي إذن بحجم الأمة ولا بقوتها ولا بمواردها الطبيعية، ولكن يتعلق بالمناعة الفكرية لها، وهي إحدى أقوى النقاط التي نمتلكها نحن الموالين لأهل البيت (صلوات الله عليهم)، فلو فتّشت العالم كله من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فلن تجد أمةً تملك قوة كقوة سيد الشهداء (عليه السلام).

الموالون لأهل البيت (صلوات الله عليهم) يملكون أقوى قوة، وهي سفينة النجاة: (كلنا سفن النجاة ولكن سفينة الحسين (عليه السلام) أوسع وفي لجج البحار أسرع)، فهذه الحملات التي تعرّض لها الموالون لأهل البيت (عليهم السلام) يندر أن تعرضت لها أمة أخرى، والأحقاد التي أنصبّت على الموالين لأهل البيت (صلوات الله عليهم) منذ ذلك اليوم، حيث يندر أن توجد هكذا أمة في التاريخ كله تنصبّ عليها هذه الأحقاد وبهذا الحجم والقدر، فقد شرّدوهم تحت كل حجر ومدر منذ أيام معاوية وقبل ذلك أيضاً.

فإذا كان الشخص يُتّهم بالموالاة دون أن يثبت بأنه موالٍ ــ مجرد تهمة أو ظن فقط ــ ينكّلون به ويهدمون داره، لقد مرّت على الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) أياماً كان يقال للرجل فيها بأنه زنديق، بمعنى كافر، ملحد، مشرك، أحب له من أن يُقال له أنه موال لأهل البيت (عليهم السلام)!! (3).

لاحظ الإرهاب والتنكيل وتهديم الدور، ولكن لاحظ اللطف الإلهي أيضاً وهو لطف عظيم، فهذه الأمة التي قُتّلت وشُرّدت وبُنيت في أسطوانات بغداد وسُملت أعين رجالها وقُطعت أعناقهم أو وضعوا في السجون حتى ماتوا، تلك السجون التي ما كان السجين يُميّز فيها الليل عن النهار، كيف قاومت هذه الأمة كل ذلك؟

إنها قاومت بقوة سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، بمجالس سيد الشهداء (صلوات الله عليه) التي حفظت ــ بإذن الله تعالى وبحوله وبقوته ــ هذا الكيان وهذه الأمة،

(فلا يزداد أمره إلا علوّاً) (4) هذا هو البُعد الحضاري لذكرى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه).

لولا المجالس الحسينية..

ذلك الرجل يأتي إلى بيت الله الحرام ويطوف حول الكعبة ويؤدي الأعمال المطلوبة ثم يخاطب الله سبحانه وتعالى ويقول: يا رب يا الله إنك نعم الرب تفضلت وأنعمت وجدت وكذا وكذا.... ولكن أذكُر فضل محمد (صلى الله عليه وآله) ــ طبعاً هذا تذكير لنا جميعا ــ فكان هنالك حول هذا البيت ثلاثمائة وستون صنماً تُعبد من دون الله تعالى، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حطّم هذه الأصنام وأقرّ الوحدانية، فاذكر فضل النبي (صلى الله عليه وآله)، ولو لم يكن هذا النبي (صلى الله عليه وآله) ما كنتَ تُعبد وحدك، ولكانت اللات وهبل..

ثم جاء الرجل إلى المدينة المنورة وسلّم على النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: إنك نعم النبي (صلى الله عليه وآله) جاهدتَ وعملتَ وضحيتَ وفعلتَ وقد ذكرتُك عند ربك، ولكن يا رسول الله لا تنسَ فضل علي (عليه السلام)، فإذا لم يكن عليٌ (صلوات الله عليه) موجوداً لم يبقَ هنالك ذكرٌ للنبي (صلى الله عليه وآله).

لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: يا علي إكشفها عني (5)، فمن الذي كان يكشف الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أحدهم كان يذكر فتوحات (فلان...)، ويقول بأنه فتح (كذا... و...)، فقال له أحد الأشخاص: إنك ذكرت الفرع ونسيت الأصل، فلو لم تكن فتوحات علي (عليه السلام) هل كانت تصل النوبة إلى فتوحات (فلان وفلان)، إذن اذكروا تلك الفتوحات، فلو لم يكن موقف علي (صلوات الله عليه) في بدر، ولو لم يكن موقفه في أحُد، ولا في بقية الغزوات، لما كان بقي من هذا الدين أي أثر، فاذكر فضل علي (صلوات الله عليه).

وجاء هذا الرجل إلى النجف الأشرف وقال لعلي (صلوات الله عليه) ذكرتُك عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن يا علي أذكر الحسين (عليه السلام)، فإن لم يكُن الحسين موجوداً، ولم تكُن ثورته، لم يكن يبقى لك أثر، فلولا الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) ما كان يبقى أي أثر من عليٍ ومن النبي (صلى الله عليهما وآلهما) ولولا هذه المجالس وهذه الذكرى لم يكن يبقى لسيد الشهداء (عليه السلام) أثر.

البعد الثاني: المجالس والزيارة أمان لأهل الأرض

هنالك أخطار تهدد الأمم وأخطار تهدد الأفراد، ربما يأتي عذاب إلهي (نعوذ بالله) ويهدد أمة مّا من الأمم، فالعذاب الإلهي لا يحتاج إلى مؤونة، فهنالك تلك المدينة التي كانت مضرب أمثال في العالم كله، ولكن في لحظات وليست دقائق، أي في عشرين ثانية فقط، يأتي زلزال يضرب تلك المدينة ويقتل أكثر من أربعة آلاف إنسان، وهذا يسمى خطراً يهدد أمة.

وهناك خطر يهدد الأفراد، فلا نعلم ما الذي قدّر الله سبحانه وتعالى لنا في ليالي القدر، في ليلة الثالث والعشرين، أو في بقية ليالي القدر، لا نعرف ما الذي كُتب لكل واحد منا إلى العام القادم، فهل نحن من الأحياء إلى العام القادم أو من الأموات؟ حقاً إن القدر الإلهي رهيب، ولا يعلم الإنسان لأن تقلب الدهر تقلب فاحش وشديد وكثير.

إن مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) وإحياء ذكراه هي من أفضل الوسائل الغيبية لدرء المخاطر والآفات التي تهددنا كأفراد وتهددنا كأمم، لقد جعل الله سبحانه وتعالى عللاً طبيعية في هذا الكون، ولكن جعل هنالك عللاً غيبية أيضاً، فالذي أعطى التأثير لحبة الدواء هذه، أعطى التأثير الغيبي لتلك الترُبة (تربة الصلاة، تربة قبر الحسين (عليه السلام)).

من الذي أعطى التأثير لهذه الحبة؟ هل امتلكت التأثير من ذاتها؟ ومن أين لها هذه القوة ؟ هل هنالك شيء في هذا الكون يملك صفةً أو تأثيراً من ذاته؟ وهل هنالك ما هو ذاتي في هذا الباب؟ ليس لدينا ذاتي في هذا الباب، حتى لا يختلف ولا يتخلّف.

إنَّ الله تعالى الذي أعطى العلل الطبيعية آثارها، وأعطى للأشياء الغيبية آثارها أيضاً.

ينقل ذات مرة أن الوباء عمّ العراق، وفي ما مضى كانت الأوبئة تأتي وعندما تنتشر لا يمكن القضاء عليها بسهولة فكانت تبقى مدة طويلة وتحصد الملايين أو عشرات الآلاف، لعله لا يبقى بيت في مدينة إلاّ ويدخله الوباء، فيأتي الوباء للعراق ويدخل مُدُنه ومن ضمنها يدخل مدينة النجف الأشرف، ــ طبعاً عندما يجيء وباء ما، يكون واضحا ما هي الحالة التي يكون عليها الناس، فالإنسان لا يعلم إلى لحظات، أيبقى حياً أو ميتاً، لأنه يُقال بأن هذا الوباء (نعوذ بالله) إذا استحكم ونفذ ولا نقصد أعراضه السطحية، بل إذا نفذ إلى الإنسان خلال لحظات يقتل ولا يمهل ــ فجاء الوباء إلى مدينة النجف الأشرف، وكان فيها رجل متديّن مؤمن يقول هذا الرجل: نحن توسلنا إلى الله سبحانه وتعالى بسيد الشهداء (عليه السلام) فأقمنا مجلس توسل بسيد الشهداء (صلوات الله عليه) في إحدى الساحات العامة، وليس في أحد البيوت، ثم انتهى المجلس وذهب الناس إلى أعمالهم. وكان هذا الرجل مُتعباً ومرهقاً بعد عمل طويل، وقال: نمت هناك في الساحة نفسها التي أقمنا بها المجلس ولم أذهب إلى البيت، وفي المنام رأيت ثلاثة مسلحين أحدهم أخذ يهاجمني وأراد أن يقضي عليّ وفي هذه الأثناء نَهَرَهُ صاحِباهُ المسلحان اللَّذان كانا معه وقالا له: أترك هذا الرجل، أما ترى هذه الآثار، وهذه المفروشات لاتزال مفروشة في عزاء سيد الشهداء (صلوات الله عليه) ولا تزال هذه المنقلة موجودة هنا، وهذه أباريق القهوة لا تزال موجودةً هنا أيضاً، فأترك هذا الرجل.

يضيف الرجل قائلا: لقد تركني فعلاً، وسمعت الرجلين يقولان له: أترك هذا الرجل ولنذهب إلى القرية (الفلانية...)، وسمّاها ضيعةً (الضيعة الفلانية)، ثم استيقظتُ من المنام مرعوباً، في صباح اليوم التالي كنت أترّصد الأخبار التي ذكرتْ بأن هنالك ثلاثة أشخاص من الضيعة الفلانية ماتوا في تلك الليلة، لقد توجه الأجل لهذا الرجل في تلك الليلة ولكن دفع الله البلاء ببركة عزاء سيد الشهداء (عليه السلام)

وقد جاء في الأحاديث، أنه في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك تقدّر الآجال، وفي ليلة الواحد والعشرين تقضى الآجال، أو قريب من هذه المضامين، وفي الليلة الثالثة والعشرين تُبرم الآجال إبراماً (6).

يبدو أن التقدير الإلهي له مراحل، مرحلة بعد مرحلة، فقد جاء الأجل لهذا الرَّجُل ولكن الأعمال والمجالس ترّد القضاء، (وقد أُبرم إبراماً) بمعنى أصبح القضاء حتميّاً، وكل العلل تؤدي إلى ذلك، ولكن ببركة هذه المجالس يُدفع هذا الأمر.

البعد الثالث: شفاعة المجالس الحسينية

لعل البعد الثالث أكثر أهمية من البعد الثاني، إنَّ هذه المجالس والذكرى شفيعةٌ لنا في ذلك اليوم وهو الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، في ذلك اليوم الذي يكون فيه الإنسان بأشد الحاجة، لأن يده انقطعت من كل شيء ولا يوجد عنده أي شيء ينفعه.، وحينما يتقطّع كل شيء عن الإنسان، تكون هذه المجالس وهذه الذكرى والزيارة والعبرة شفيعةً له في ذلك اليوم.

وفي الحقيقة أن من الضروري على المؤمنين ــ أيّدهم الله تعالى ــ أن يعمّموا هذه المجالس، فكم هو جيد حين تجدون هذه العادة الجيدة في بعض العوائل؟ في إحدى العوائل تجد (المجلس الحسيني) في بيوتهم عند دورة السنة، حيث في الليلة الأولى تكون في بيت هذا، وفي الليلة الثانية في بيت ذاك، على مدى أسبوع، ثم الأسبوع الثاني وإلى نهاية السنة، ففي هذه العائلة يستمر (المجلس) من أول السنة إلى آخرها، فكم هي عادة جيدة حقاً، وكم هو جيد أن تنحى بقية العوائل هذا المنحى؟

وكم هو جيد أن يعمل الشباب المؤمنون وفق هذا المنهج، سواء في إطار عائلي أو غير عائلي، فالحقيقة إنَّ الإنسان عندما يذهب إلى جوار ربه سيتأسف على كل ما فاته من هذه الأشياء، و(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدّمْتُ لِحَيَاتِي)(7)، فإذا تمكن الإنسان وليس بينه وبين الله تعالى محذور، فمن أفضل القربات إليه سبحانه هو إحياء ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام)، ومن أفضل الوسائل للخلاص من عذاب الآخرة هو إقامة تلك المجالس المباركة في البيوت.

لقد بذل أصحاب الحسين (صلوات الله عليه) أرواحهم، والروح تعني أثمن شيء لدى الإنسان، فيتَّمُوا أولادَهُم، وينبغي أن يتصور الإنسان ماذا يعني الأولاد الأيتام، فالإنسان بشر، وهؤلاء كانوا بشراً، وعندهم عاطفة كالعواطف التي عندنا، ورمّلوا زوجاتهم، لكن لماذا ؟ لنصرة سيد الشهداء (عليه السلام)، أما الآن فأقول ليس المطلوب من الشخص أن يبذل روحه ولا مطلوب أن يرمّل زوجته ولا يُيَتِّم أولاده، بل يقيم مجلساً في بيته. فهل يبخل الإنسان على سيد الشهداء (عليه السلام) بهذه التضحية البسيطة؟! نصف ساعة أو ساعة واحدة في الأسبوع...

يُنقل أن هنالك زقاقاً في النجف الأشرف يسمى بزقاق (السيد علي الدرويش)، ربما كان سوقاً أو أشبه بذلك، وكان هنالك رجلٌ في هذا الزقاق أو السوق المُسقّف، له بعض الأشياء أو الذنوب، والشاعر يقول:

إن تغفر اللهم تغفر جمّاً.....وأي عبد لك ما ألمّا (8)

يُنقل عن أحد الخطباء المشهورين في النجف إنه قال ذات مرة: في ليلة من ليالي عاشوراء كنت أتنقّل من مجلس إلى آخر، فمررت بزقاق (السيد علي الدرويش) وإذا بذلك الرجل المعروف ببعض القضايا يأخذني نحو بيته ويقول: إلى أين أنت ذاهب ؟ فقلت له: عندي مجلس يجب أن أذهب، فقال: ألا تقرأ لي مجلساً، فهذه الليلة ليلة عاشوراء سيد الشهداء (صلوات الله عليه)؟ قلت له: في الواقع عندي مجلس آخر، وأنا مستعجل. فقال الرجل متوسلاً: لحظات فقط، تقرأ لي (قراية) ثم تذهب إلى المجلس الآخر. فقلت له: أين الجمهور وأين المستمعون؟ لمن أقرأ المجلس؟ فقال: لي! ألستُ أنا إنساناً؟ ألستُ بمسلم؟ ألستُ بموالي؟، فقلت له: ولكن أين المنبر ؟ فنحن الخطباء لابد أن نجلس على منبر ونقرأ، ثم فجأةً رأيته وقد انحنى واتخذ وضع السجود واعتمد على يديه ورجليه وقال: أنا المنبر اصعد على ظهري واقرأ. وقد قال ذلك بصفاء وإخلاص حقيقي.

فرأيت لابد أن أقرأ له حيث لم يترك لي عذراً، وجلستُ على ظهره وهو في حالة السجود وقرأت بعض الكلمات وقلت: (السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا مظلوم...)، وقرأت عدة كلمات مختصرة. وإذا بالرجل يجهش بالبكاء في ليلة عاشوراء، وأكملت القراءة بسرعة وواصلت طريقي.

وبعد ثلاثة أيام فقط رآني أحد فضلاء النجف وقال لي: هل علمت بالخبر؟! قلت له: وأي خبر تعني؟ فقال: إن فلاناً مات (ويقصد الرجل الساكن في زقاق السيد علي الدرويش) وقد رأيت حوله البارحة رؤيا لا أعلم ماذا تعني؟ فقلت له: ماذا تعني بالرؤيا؟ فقال لي: رأيت البارحة في المنام أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) واقفاً في أيوان الحرم وإذا بجنازة تأتي إلى الداخل، يطوّفونها حول قبر الإمام المبارك، ثم يدفنونها في صحن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) فتوّجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أولئك الذين يحملون الجنازة وقال لهم: أخرِجوا هذا الرجل الذي تحملونه خارج الحرم لأنه ليس له قابلية أن يُدفن هنا، فهو ملوّث ببعض الذنوب والآثام أخرِجوه من هذا المكان.

ويواصل رؤياه قائلا: وحين أرادوا أن يخرجوه وإذا بي أرى سيد الشهداء (صلوات الله عليه) يدخل مسرعاً ويأتي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ويسلّم عليه ويقول له: يا أبتاه ائذن بدفن هذا الرجل إلى جوارك. فتوجّه أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) إلى سيد الشهداء (عليه السلام) وقال له: أنت تعلم بأن هذا الرجل كان له في حياته بعض الذنوب والآثام ولايليق به أن يُدفن في هذا المكان. فتقدم سيد الشهداء (عليه السلام) خطوة إلى أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) وقال له: هل يمكن يا أبتاه أن يُحرق منبرك بالنار، لأن هؤلاء الملائكة النقالة إذا أخذوه من هنا ولم يسمحوا بأن يدفن بجوارك، فهذا يعني أنه سينقل إلى مكان آخر بعيد عنهم، فهل يليق أن يُحرق منبرك بالنار؟ فقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): كلا، فوافق أن يدفنوه هنا. فدفنوه في ذلك المكان المطَّهر. ولا أعلم ماذا تعني قوله (هل يليق أن يُحرق منبرك بالنار).

فبكى هذا الخطيب بكاءً مرّاً وقال: إن هذه الرؤيا رؤيا صادقة، لقد كان هذا الرجل منبراً لسيد الشهداء (عليه السلام) في لحظات وقد نَجَّتْهُ تلك اللحظاتُ بشفاعة سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) من عذاب النار وعذاب الآخرة.

إذن فهذه المجالس تحفظ لكم دين أبنائكم، حيث يعيش هؤلاء الأبناء في أجواء ملوّثة، فالمدارس ملوّثة، والصحف ملوّثة، والمجتمع ملوّث، بل كل شيء ملوّث حتى الهواء الذي يستنشقه الابن ملوّث، إنه تلوّثٌ كامل يشمل كل شيء، فكيف نحفظ هؤلاء الأبناء؟

إذا أردنا أن نحفظ أبناءنا فالطريق هو إقامة مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) في كل بيت وفي كل مكان، ولكن بقدر الإمكان، حيث (لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا)(9).

وإذا أردنا أن نحفظ إيماننا فالطريق هو سيد الشهداء (عليه السلام)، وإذا أردنا الأمان في الدنيا والآخرة فالطريق هو سيد الشهداء (عليه السلام) أيضاً، نسأل الله حقاً التوفيق لهؤلاء الأفراد الَّذين يقيمون المجالس في كل ليلة، أو في كل أسبوع، وهم أفراد موفَّقون، وكل فرد يحتاج إلى التوفيق، وهؤلاء الذين يقيمون المجالس الحسينية في بيوتهم موفَّقون ومنظورٌ إليهم من قِبَل سيد الشهداء (عليه السلام).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوّفقنا لخدمة سيد الشهداء (عليه السلام) في الدنيا وأن يرزقنا شفاعته في الآخرة، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* من محاضرات الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (اعلى الله درجاته)

....................................
(1) سورة إبراهيم: 24.
(2) انظر (الاسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي) لحسن الامين: ص47.
(3) الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، لعبد الحليم الجندي: ص 107
(4) راجع: بحار الأنوار: ج28 ص57.
(5) الانتصار، للعاملي: ج 6 ص180 نداء النبي (صلى الله عليه وآله) يوم اُحُد: (يا علي رد هذه الكتيبة عني).
(6) راجع: تذكرة الفقهاء ( ط.ق ) للعلامة الحلي: ج1 ص283.
(7) سورة الفجر: 24.
(8) قول الشاعر أبي خراش الهذلي.
(9) سورة البقرة: 286.

اضف تعليق