العالم محكوم بالكثير من قوى الاستبداد... حكام، مافيا، منظمات متطرفة، احزاب...الخ، والمستبدون يمارسون اقسى انواع الانتهاكات ومصادرة الحريات والفساد من دون وجود محاسبة قانونية او اخلاقية، سوى لعدد قليل منهم لا يتعدى عدد اصابع اليد...، كما ان البيروقراطية المصطنعة وسلسلة الاجراءات القانونية المزعجة والمجاملة الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية... غالبا ما تضع العديد من الموانع الصناعية امام الجهد الانساني الذي يقوم به النشطاء والمنظمات الحقوقية غير الحكومية، في كشف ومطاردة القافزين فوق القانون والمنتهكين لأبسط حقوق الانسان... كونهم يتمتعون بحصانة خاصة تميزهم عن الاخرين، سيما اذا كان الشخص المطلوب من الواجهات المهمة (رئيس دولة، رئيس وزراء، ملك، وزير، رئيس منظمة)، مثلما حدث مؤخرا مع الرئيس السوداني "عمر البشير" في جنوب افريقيا، والذي اثار عدة مفارقات جمعت بين "خيبة الامل" الصريحة التي اعلنتها "المحكمة الجنائية الدولية"، وبين "الامل" بخطوة نحو مستقبل افضل، لا يأمن فيه اصحاب الجرائم الدولية الخطيرة بمكان في العالم.

عندما ذهب "البشير" الى جنوب افريقيا لحضور "القمة الافريقية"، كان يعلم ان قضايا دولية ستثار ضده... مذكرتي الاعتقال (2009-2010) بتهم الابادة الجماعية في "دارفور"، وجرائم ضد الانسانية، واعتباره بانه مجرم حرب... لكن البشير تحدى ارادة "المجتمع الدولي" او اراد كسرها، عندما نجح في مغادرة "جوهانسبورغ" ليصل الى "الخرطوم" منتصرا كالأبطال... وهو يمارس حركته المشهورة... التلويح بعصاه وهو يردد "الله اكبر"... وقتها لم يكن "البشير" خائفا... او مترددا... وحتى زعماء افريقيا او من استضافهم... بل شككوا بان المحكمة الدولية تستهدف زعماء افريقيا على وجه الخصوص... وتترك الاخرين يمارسون انتهاكاتهم بحرية... وطالب بعضهم (بما فيهم السودان) بمقاطعة المحكمة او ميثاق روما.

لا يخلو هذا الكلام من المصداقية... فزعماء افريقيا يستطيعون قراءة المشهد السياسي العالمي وما يجري خلف الكواليس... وهم يعلمون ايضا ان كثر غيرهم لا تطالهم يد العدالة، ولا يركز العالم الديمقراطي او المجتمع الدولي على جرائمهم... ربما لانهم يرونها اصغر من جرائم "البشير"، والحقيقة انهم يتمتعون بحصانة غربية... في كثير من الاحيان.

عمر البشير اصبح نجم "المحكمة الجنائية" وحديث الساعة، حتى بعد ان "فلت" من قبضة العدالة الدولية، الا ان نجوما تنتظر دورها في الصعود بعدما ركزت عليهم الاضواء ايضا... رئيس مصر "عبد الفتاح السيسي"، لم يحضر القمة الافريقية التي حضرها عشرات الزعماء من دول افريقيا... السبب المعلن هو متابعة شؤون البلاد الداخلية... اما ما دار خلف الكواليس فهو "التحذير" بملاحقة قضائية قد تطاله في حال وصولة الى "جوهانسبورغ"، بعد ان حضرت "منظمة" تعمل في جنوب افريقيا، ملفا عن "جرائم حرب" ضد الرئيس المصري وبدعم من جماعة الاخوان المسلمين... وهي حملة قانونية دشنها "الاخوان" في اكثر من بلد حول العالم، وبالأخص عند تناول ملف القضاء والاحكام الصادرة منه والتي يعتبرها الغرب "مسيسة" في عهد الرئيس "السيسي".

فألمانيا التي زارها "السيسي" مؤخرا... هاجمت (صحفها) حكم الاعدام بحق الرئيس السابق "مرسي"، فصحيفة "دي فيلت" قالت ان "السيسي ليس الشريك الموثوق الذي يمكن التعاون معه، فقد أشار إلى ذلك جهازه القضائي بوضوح، بعد تأكيد الحكم بالإعدام على أول رئيس منتخب ديمقراطيا، على برلين أن تعيد التفكير في شراكتها الاستراتيجية".

اما صحيفة "اوسنابروكر تسايتوغ" فأكدت ان حكم الاعدام هو "تعبير عن الظلامية التي تخيم على دولة القانون في النيل، فالحسابات السياسية هي التي أكدت قرار الحكم، لا استقلال القضاء، وبالذات سياسة مصر غير القابلة للتفاوض تحت حكم السيسي يمكن لها أن تكلف الدولة الكثير"، واضافت انه بعد عامين من "الانقلاب العسكري" تتضح الأمور التالية، "الخوف من الحكم الاستبدادي ينتج اليأس والإحباط... تجريم الإخوان المسلمين الذين خرج من بينهم مرسي والذين يتمتعون بالدعم في المناطق الريفية، سيقود إلى انقسام أكبر داخل المجتمع المصري، كل ذلك ينتج خليطا متفجرا في أكبر البلدان العربية من حيث عدد السكان".

المنظمات العالمية التي تمارس الفساد لا تقل خطورة عن المستبدين... وينبغي التحرك ضدهم لتخليص المنظومة العالمية والمجتمع الدولي من آفاتهم التي ينشرونها في كل مكان حول العالم... الفيفا احدى اقوى الامثلة على ذلك... بلاتر حول "كرة القدم" الى مكان لممارسة الجريمة المنظمة وتلقي الرشاوى، خلق في داخلها نظاما موازيا اخر للنظام الرئيسي لها... جذور عميقة في داخل الفيفا... لم يستطع الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية وغيرهم اقتلاعها بسهولة... وكما فعل "البشير" امام "المحكمة الجنائية"... تحدى "بلاتر" "الاتحادات المعارضة له" واستطاع الفوز بولاية جديدة... ليحرج الجميع من جديد.

العناوين الفاسدة والمستبدة في كل مكان حول العالم... قد لا يستطيع المجتمع الدلي التخلص منهم دفعة واحدة... لكن يستطيع محاصرتهم ومطارتهم في كل مكان... التفويض والقوة ينبغي ان تكون من صلاحية المنظمات الحقوقية والنشطاء والشعوب التي تجتمع تحت مظلة "المجتمع الدولي"... اما اذا بقيت قوة القانون بيد "الاقوياء" فسوف يستخدمونها وفقا لمصالحهم الشخصية في التعامل مع الانظمة الفاسدة وحكامها المستبدين.

اضف تعليق


التعليقات

البحرين بلادي
البحرين
استمتعت كثيرا وانا اقراء هذا المقال المتسلسل في مواضيعة، لكن كنت اتمنى ان يعرج على مظلومية شيعة البحرين ودور بريطانيا والولايات المتحدة في تسويف الانتهاكات، اضافة الى ما تفعلة السعودية في اليمن، وكيف لم تقف اي دولة لمساندة السويد في قضية البديوي، اعتقد ان المقال يحتاج الى جزء ثاني، اشكر الكاتب الزيداوي كثيرا2015-06-18