رحلة معنوية، تحرر الإنسان في ذاته من غرائزه ومن انغماسه الدنيوي، واستنقاذ النفس من الجهالة وحيرة الضلالة. فالإمام الحسين عليه السلام استنقاذ مستمر ومستدام إلى الأبد، من الجاهلية والجهالة ومن الضلال والشك والارتياب. لذلك سمي عليه السلام بسفينة النجاة: مصباح هدى وسفينة نجاة. فهو النور الذي يضيء قلب الإنسان...
امتدت سلسلة المقالات هذه في قراءة النهضة الحسينية بوصفها ثورة ثقافية كبرى لبناء الإنسان وإحياء وعيه وقلبه وسلوكه، حيث تتحول ذكرى عاشوراء وزيارة الاربعين إلى مشروع دائم للمعرفة والهداية والتحرر. وقد تناولت المقالات السابقة زيارة الأربعين بوصفها رحلة روحية ومعرفية، يقترب فيها الإنسان من الإمام الحسين عليه السلام، ويتزود من نوره، ويتعلم كيف يحوّل المحبة إلى بصيرة، والشعيرة إلى تقوى، والزيارة إلى منهج في الحياة.
ومن هنا تأتي هذه المقالة الختامية لتجمع نتائج تلك الرحلة المباركة، وتضع أمام الزائر الحسيني وخادم الإمام الحسين عليه السلام مجموعة من التوصيات العملية التي تجعل العلم مقروناً بالعمل، والعاطفة متكاملة مع المعرفة، والخدمة الحسينية طريقاً لبناء الذات، حتى يرتقي إلى حياة حسينية واعية قائمة على الإيمان والكرامة والطاعة.
في هذا المقال نصل إلى نهاية سلسلة نهج الأربعين. ونقوم بتلخيص ما ورد في المقالات السابقة. ونقف عند النتائج التي تمخضت عنها هذه رحلة المعرفة العظيمة الكبيرة في مواجهة الجهالة.
فالإنسان يأتي في زيارة الأربعين ليعظم شعائر الله ويزور الإمام الحسين عليه السلام. يأتي لكي يتعرف على الإمام الحسين عليه السلام وعلى أهل البيت عليهم السلام أكثر فأكثر، ويطهر نفسه من آثام الدنيا والمشكلات والأزمات والعقبات والعثرات التي وقع فيها.
إنها رحلة معنوية، تحرر الإنسان في ذاته من غرائزه ومن انغماسه الدنيوي، واستنقاذ النفس من الجهالة وحيرة الضلالة. كما ورد في الزيارة: ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة.
فالإمام الحسين عليه السلام استنقاذ مستمر ومستدام إلى الأبد، من الجاهلية والجهالة ومن الضلال والشك والارتياب. لذلك سمي عليه السلام بسفينة النجاة: مصباح هدى وسفينة نجاة. فهو النور الذي يضيء قلب الإنسان.
كيف نستفيد من هذه الرحلة؟
في هذه الرحلة الجميلة الروحية المعنوية التي ينبثق فيها كل الجمال الحسيني، يتساءل الزائر الذي يأتي إلى زيارة الأربعين عبر السنوات: ما الآثار التي تحققت له في نفسه وحياته وبيئته ومحيطه ومجتمعه وأسرته؟
لذلك نحاول أن نقرأ بعض النتائج وبعض التوصيات التي تتمخض عن هذه الرحلة المعرفية وكيفية استثمارها. ويمكن أن نقف عند عدة أمور:
الاول: العلم مع العمل والعمل مع العلم
فلا علم بلا عمل ولا عمل بلا علم. وهو معنى المعرفة. وهذا ما يسمى بالمتلازمات. فلا بد للإنسان العالم أن يعمل بعلمه. ولا بد للعامل أن يعمل بعلم حتى يكون عمله دقيقاً ومركزاً ومفيداً ومثمراً. وهذه من توصيات أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وعن الإمام علي عليه السلام: (العلم بلا عمل وبال-العمل بلا علم ضلال)(1). فالذي يعلم ويقترب من العلوم أكثر فأكثر لكنه لا يعمل ولا يمتلك برنامجاً ولا منهجاً لا يفيده علمه بشيء. وكذلك الإنسان الذي يعمل بلا علم يقع في الضلال. لأن وراء كل عمل علماً. وخصوصاً الإنسان الذي يضع نفسه في خدمة أهل البيت عليهم السلام ويفوض نفسه إليهم.
لذلك لا بد أن تكون كل خطوة من حياته قائمة على علم ومعرفة. حتى يكون عمله مسدداً. والتسديد يأتي من خلال التمازج والتكامل بين العلم والعمل. فالذي لا يعمل بعلمه أو يعمل بغير علمه هو مستغرق في الجهالة.
وعن الإمام علي عليه السلام:
(وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ)(2).
ويقول عليه السلام في مقطع آخر:
(فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ وَالْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ)(3).
لذلك الإمام الحسين عليه السلام هو نور لمن علم وعمل. ونور لمن عمل بعلمه. وهو تلازم شرطي مهم في بناء المعرفة. فالزائر الكريم حين يرسخ في نفسه هذين البعدين: العلم مع العمل والعمل مع العلم، فإنه يستنقذها من عالم الجهالة والضلال والحيرة.
ثانيا: الوقوف عند الشبهات
الوقوف عند الشبهات مما ينبغي أن يتعلمه الزائر الكريم في كل الزيارات. وخصوصاً في زيارة الأربعين. كما ينبغي أن يتعلمها كل من يعمل في خدمة الإمام الحسين عليه السلام ويوقف نفسه لذلك.
فلا يدخل الإنسان في شبهة، لأن الشبهة بحد ذاتها تقوم على الاغراء، لذلك هي من مصائب الفتن. ومن هنا فإن ما ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام، التي ذكرناه في المقالات السابقة: (وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ- وَقَوْلِ زُورٍ قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ..)(4)، ينطبق على من يقتبس الجهالة فيقع في الشبهات، حيث الجهالة المنمقة بإبهار المصطلحات والأفكار الغريبة هي التي قد توقع في الشبهات.
لذلك أول ما ينبغي أن يفعله الإنسان حين لا يعرف الأمر المشتبه أن يتوقف، هل هذا المال حلال أم حرام، فإذا كان لا يدري فلا بد أن يقف ولا يذهب وراءه. وكذلك الفكرة أو الرؤية أو المعلومة الموجودة في شبكات التواصل وصفحات الانترنت والكتب وما شاكل ذلك. وقد يقع في اغواء بعض المتكلمين والمتفلسفين، فتحصل عنده شبهة، وهنا عليه أن يقطع الأمر ويقف أمام الشبهة ولا يدخل فيها.
وعن الإمام علي عليه السلام: (لو أن العباد حين جهلوا وقفوا، لم يكفروا ولم يضلوا)(6).
فالإنسان إذا جهل شيئاً فعليه أن يقف عنده، لكن بعض الناس يقتحمون الشبهات دون تفحص ويدخلون فيها. والحديث هنا ينطبق بالخصوص على شبهات الحلال والحرام، لكن بالشبهات العقائدية هي أخطر، لأنه إذا دخل فيها قد لا يخرج منها، بل هي قد تكون ممهدة لارتكاب كل أنواع الشبهات الأخرى، فالوقوف عند الشبهات العقائدية هي خط الحماية الاول.
فلا تفكر كثيراً في الشبهة بل قف عندها اذا كنت لا تعلم، ولا تأخذك التموجات الثقافية التي تشبّه الاضاليل بالحقائق، فتغرقه في مستنقع الكفر والضلالة فلا يستطيع ان يخرج منه. فيكون مصداقاً لقول أمير المؤمنين عليه السلام: (همجٌ رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح).
لذلك من المهم علينا نحن أتباع أهل البيت عليهم السلام أن نربي أبناءنا تربية عقائدية، وهذه وصية الإمام الرضا عليه السلام: (يتعلم علومنا ويعلمها الناس).
فالتربية العقائدية تحصن من الوقوع في الشبهات، والذي يقع في الشبهات هو الغر الذي لا يوجد شيء في داخله، فارغ لم يتعلم ولم يعلمه أحد، فينبهر بالبهارج الصاخبة والكلام المنمق وهو لا يدرك أنها شبهات تؤدي الى اضاليل.
وقد لاحظنا بعض الناس يستمعون في شبكات التواصل الاجتماعي إلى أشخاص لأن كلامهم جميل. لكن السؤال: هل هو كلام صحيح؟ هل يعبر عن الحق؟ هل يعبر عن الحقيقة؟ ام مجرد كلام منمق ببعض المصطلحات والتلاعب بالكلمات.
وهذا يعني ان هناك تقصير في التربية العقائدية العميقة على أصول الدين والأفكار الدينية. حيث لابد للناس وخصوصا الأبناء ان يتعلموا بطريقة علمية استدلالية مفاهيم التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، حتى لاتغريهم الشبهات فلا يخرجوا عن الطريق فيضلوا، فالتعلم في الصغر كالنقش على الحجر.
لذلك لا بد أن يتعلموا التربية العقائدية السليمة والمنهجية والمعرفية، وليست التلقينية فقط. هناك فرق بين المعرفي والتلقيني. فأن نلقي في ذهن الإنسان شيئاً ويحفظ ما يقال له لا بأس به، لكنه ليس الأساس. الأساس هو التعليم المعرفي، أن يتعلم الأسباب والمسببات، وأن يتعلم الاستدلال. وأن يقتنع عقلياً بهذه الأمور العقائدية.
لذلك لا بد أن يكون التعليم حقيقياً ومنهجياً ومعرفياً، وإلى جانبها تأتي الثقافة الشرعية التي تشمل تعليم مسائل الحلال والحرام بالإضافة الى الاحكام الاخرى. فشبهات الحلال والحرام تؤدي أيضاً إلى الإضرار بالعقيدة. فالاستدراج يبدأ من الاستهانة بالذنوب الصغيرة وعدم الوقوف عند الشبهات.
الاستهانة بالذنوب تؤدي إلى أن يتطبع الإنسان مع المعاصي، وهذا التطبع يؤدي به إلى الفجور، ثم يؤدي به إلى الكفر.
إذا ربينا أطفالنا التربية الصحيحة فلا نخاف عليهم إذا كبروا. لكن هناك كثير من العوائل لا يعرفون شيئاً عن أبنائهم. والأبناء أيضاً قد يتعاملون بالتقية ولا يخبرون أهلهم بشيء. حيث قد استلبتهم تموجات شبكات التواصل الاجتماعي واغرقتهم في الشبهات.
وهناك كذلك التطبيقات الأخلاقية أيضاً، فالإنسان لا يحتاج إلى المعرفة العقائدية والشرعية فقط، بل يحتاج أيضاً إلى المعرفة العملية والسلوكية وهي الأخلاق. وهذه كلها عناصر تكاملية.
هناك أبعاد ثلاثة تحصن الإنسان من الوقوع في الشبهات. وهي من النقاط المهمة التي ينبغي أن نعمل بها مما استنبطناه من زيارة الأربعين. فالزيارة تتضمن عبارة: وحيرة الضلالة. والحيرة تعني الشبهات. فالإنسان الذي يحتار ماذا يفعل؟ إن الضلالة عندما توقع الإنسان في الشبهات تقوده إلى عالم واسع من المشكلات والأزمات النفسية والعقائدية. لذلك فإن الوقوف عند الشبهة يحصن الإنسان من الجهالة.
ثالثا: الانفتاح على النصيحة
هذه النقطة موجودة في زيارة الإمام الحسين عليه السلام. وهي تعبر عن منهج الإمام الحسين عليه السلام. أن يكون الإنسان منفتحاً على النصيحة. فلا يكون عقله وقلبه وفكره منغلقاً أمام النصائح والتوجيهات والإرشادات، ولا تأخذه العزة بالإثم في قبول النصيحة.
تقول الزيارة الاربعينية في وصف الإمام الحسين عليه السلام: (ومنح النصح وبذل مهجته). وكلمة المنحة في اللغة أعظم من الهدية، وهي إعطاء من دون طلب. فقد منح الإمام الحسين عليه السلام النصيحة التي تنقذهم، ومع ذلك قتلوه، لانهم كانوا غير قابلين للنصيحة بسبب كثرة المعاصي التي ارتكبوها، فانقفلت قلوبهم عن السماع.
وهذا يعني أنه لا بد أن تكون لكل انسان قابلية لتقبل النصيحة وتعلمها. لأن النصيحة عملية استنقاذ من الجهالة واستخراج للإنسان منها. والحصول على هذه الميزة بتنمية مهارة تقبل النقد. وتحمل الرأي الآخر، وأن لا يكون متغطرساً ولا متجبراً ولا مستبداً، فمن استبد برأيه هلك.
لذلك نقرأ في وصف قتلة الامام الحسين عليه السلام: (وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ)، فالمتغطرس عندما لا يقبل النصيحة. يقول للناصح: هل أنت تنصحني؟ وهل يوجد من ينصحني أنا؟ إن رأيي فوق الكل، لكن هذا المتغطرس هو الذي يسقط في عالم الجهالة والضلالة.
لذلك ينبغي للإنسان قبل كل شيء في قضية النصيحة أن يكون أولاً ناصحاً لنفسه. وثانياً أن يكون عنده نقد ذاتي في محاسبة نفسه. وثالثا أن لا يتكبر على النصيحة. لا تقل لا لمن ينصحك، اصبر قليلاً، فالإنسان الحسيني إذا نصحه ناصح فعليه أن يصبر ويفكر في النصيحة بعمق. ويستخرج نفسه وأهواءه وغطرسته وشهواته من ذاته، بحيث يكون منفتحاً على استماع النصيحة والتفكير فيها، ولا يكون قلبه منغلقاً: (أم على قلوب أقفالها).
فعليه أن يتفكر في النصيحة هل هي جيدة له أم لا، وغالباً ما تكون جيدة. خصوصاً إذا كان الناصح عاقلاً وأميناً. فالنصيحة تأتي في مقابل الغش. فالذي يبكيك فهو ناصح لك، عندما ينتقدك. وهذا هو الناصح الأمين. أما الذي يجاملك ويسكت عن نقدك ويمدحك ويضحكك فقد يغشك.
وعن الإمام الباقر عليه السلام: (اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحك وهو لك غاش وستردون على الله جميعا فتعلمون)(6).
فمن نصحك ابكاك لانه كشف اوهامك واخطائك، ومن اضحكك فهو يتملقك ويرديك في المزيد من هواك، فكل واحد من الناس قد تكون عنده حالة من النرجسية والوله بالذات، يختلف مستواها من شخص إلى آخر. وعندما ينتقده أحد تكون عنده حساسية تجاه ذلك النقد ويعتبره استهدافا شخصيا. لذلك عليه أن يروض نفسه على تقبل النقد، وأن تكون نفسه منبسطة وايجابية. وكلما اجبر نفسه على تقبل النصيحة، روضها وأصبحت شخصيته أكبر وأعظم.
وعن الإمام علي عليه السلام: (طوبى لمن أطاع ناصحاً يأتيه وتجنب غاوياً يرديه)(7). وهذا الحديث علم متكامل لبناء للنفس والذات والإنسان، ومفتاح لنجاح متكامل في الحياة. فإذا أخذ الإنسان هذا الحديث وعمل به في حياته كفاه. ومنحه القدرة على أن يتجاوز صعوبات الحياة وينجح فيها.
الصديق الامين يشفع لصديقه
طوبى تعني من حيث المعنى الجنة، فالإنسان الذي يحصل على الجنة في الآخرة يحصل على الجنة في الدنيا أيضاً. فالسعادة والخير والتوفيق يأتي لمن يكون له الطريق واضحا، متجنبا غواية الشيطان.
لكن الناس يحبون الذي يمدحهم ويعلي من مقامهم، وهذا في النتيجة يرديهم ويهلكهم. لأنه يضللهم ويبعدهم عن الطريق الواضح، ويقودهم الى الحيرة والضياع.
لذلك من صفات زائر وخادم الإمام الحسين عليه السلام قبول النصيحة، وأن يكون له ملازم له ينصحه دائماً. حتى يتعلم ويتعرف ويدخل في عالم المعرفة العظيمة لأهل البيت عليهم السلام.
ومن الممكن أن يكون هذا الشخص الناصح الامين المصاحب له شفيعاً له. لذلك يقول القرآن الكريم: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) غافر/18،
ويمكن ان نفهم من أن الصديق الحميم يمكن أن يشفع له، إذا كان ناصحاً امينا لك فهو يأخذك من باب النتيجة والاهتداء الى الطريق الواضح معه إلى الجنة.
ومنهم الأنبياء: (إني لكم ناصح أمين). فالنبي جاء لينصح الناس. والنبي لا يريد أجراً على ذلك ولا يطمع بأموال الناس ونقودهم ولا بمناصبهم ولا بسلطتهم. وهذا هو الفرق بين الناصح وغير الناصح.
رابعا: العِبرة والعَبرة والتكامل بينهما
المناهج الحسينية هي مناهج عامة تتكامل فيها كل الأدوات المرتبطة بها، كالشعائر الحسينية والمجالس الحسينية والكتاب والفضائيات والإعلام. وكل ما قد ينتمي إلى الإمام الحسين عليه السلام.
وهذه المناهج تعتمد على التكامل بين العِبرة والعَبرة. فلا بد أن يكون هناك تكامل بينهما. وهذا التكامل لا بد أن يتحقق في المجلس الحسيني. من خلال الارتقاء بمستوى الخطيب والحضور والخدمات والتنظيم والإدارة والمعرفة. بحيث عندما يخرج الإنسان من المجلس الحسيني وقد تزود بزاد الإمام الحسين عليه السلام المعنوي. وهو الموعظة والمعرفة والإيمان والتقوى.
لذلك لا بد من إقامة المجالس طوال السنة وبشكل دائم، ومن المجالس الحسينية المهمة المجالس المختصة بالشباب والمراهقين والأطفال. إذ يتعلم الطفل والمراهق والشاب من هذا المجلس علوم أهل البيت عليهم السلام، من العقائد وإحياء الشعائر ونضج المشاعر، وتحقيق التكامل بين العلم والعمل.
وعن الإمام علي عليه السلام: (لا خير في قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، وعلم لا ينفع)(8)، وهذا الحديث يعبر عن التكامل بين العِبرة والعَبرة؟ فالذي يكون قلبه قاسياً يكون قلبه مقفلاً على المشاعر والمواعظ، لا خير فيه.
فالعاطفة الجياشة من خلال النعي واللطم وإحياء الشعائر الحسينية تفتح قلب الإنسان، فإذا انفتح القلب ولم يمتلئ بالمعرفة فلا تحقق فائدة كاملة، فعندما ينفتح قلب الإنسان لا بد أن يملأ بالمعرفة، وهذا هو معنى التكامل.
وكذلك لا يمكن للمعرفة أن تدخل قلب الإنسان إذا لم تكن هناك مشاعر جياشة وعاطفة تستقبلها، لأن المعرفة صعبة على الإنسان، اذا تحتاج إلى تأمل وتفكير وتعب وجهد خصوصا مع القلب المجوب بالأزمات والذنوب. لكن عندما توجد العاطفة فإن دخول المعرفة إلى قلب الإنسان يصبح سهلاً، اذ تمارس العاطفة الممتلئة بالحزن الإنساني عملية تفتيت الحجب وانفتاح أبواب القلب على الخشوع للموعظة.
فعلى سبيل فإن الأستاذ الجامعي عندما يقدم المحاضرة إذا كان محاضراً جامداً لا يمتلك مشاعر ولا عواطف مع الطلبة فقد لا يستطيع إيصال المعرفة إليهم. أما المعلم الذكي الناجح فإنه يجعل طلبته يتعلمون عندما يقدم محاضرته بلغة عاطفية جميلة بحيث يندمج عاطفياً مع الطلاب فيتفاعلون معه.
المجلس الحسيني كذلك لا بد أن يكون فيه تكامل بين ما فيه من موعظة وإرشاد وتوجيه وتعلم ومعرفة وبين النعي والبكاء على الإمام الحسين عليه السلام، حيث تقود العاطفة الى المعرفة.
وهذا يعني أننا لا بد أن نقيم مجالس مستمرة لأبنائنا على طول العام. لأن المجالس الحسينية هي التي تخرج أبناءنا وتفقههم وتعلمهم المعرفة الحسينية. فيصبحون حسينيين كاملين. فإذا كان الأبناء الحسينيون منذ صغرهم ملتزمين بالمجالس رأيتهم يراعون أهلهم ويحفظون حقوقهم وأموالهم وأعراضهم.
وعن الإمام الرضا عليه السلام:
(فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام)(9).
أي أن البكاء على الامام الحسين يطهر الإنسان لأنه يتوب. فعندما يبكي يندمج مع ذاته ويطهر نفسه ويعتبر. ولذلك فإن من أعظم وسائل تطهير الإنسان من الذنوب والتغيير والتجديد في حياته البكاء على الإمام الحسين عليه السلام وإحياء شعائره.
قال تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)الحج 32. فبتعظيم الشعائر التي تؤدي الى تقوى القلوب يتكامل الإنسان. لأن البكاء يرفع الحواجز والحجب بحيث يصبح مستعدا لمرحلة الاستقبال للمعرفة.
لا فائدة بمجلس بلا بكاء وبلا معرفة
فنصيحتنا لأهل المجالس أن يهتموا بالمعرفة، وأن لا يكون الاهتمام محصورا بالنعي والرادود وحده، بل لا بد أن يخرج الشباب أيضاً بتربية عقائدية وثقافة حسينية.
الرادود يجب أن يكون مثقفاً أولاً، وعليه ثانياً أن يختار القصائد التي تنهض بالمجتمع ولا تنزل إليه. فإذا نزل إلى المجتمع فلا يمكن للمجتمع أن ينهض. بل عليه أن يرتفع بهم علمياً ومعرفياً.
وقد لاحظت في بعض المجالس أنهم يهتمون فقط بقضايا النعي وما يرتبط به، وهذا مطلوب أيضاً. لكن يجب أن يكون هناك تكامل. فلا فائدة بمجلس بلا بكاء، ولا فائدة بمجلس بلا معرفة. نحتاج إلى الأمرين معاً. أحدهما يكمل الآخر حتى تتكامل العِبرة والعَبرة.
فعندما نرتفع بالمجتمع ونرتقي به إلى القمة، نتخلص من عالم الجهالة، ونصل إلى مستوى راق في الحضارة الحسينية، التي يمكن أن تنتقل إلى كل العالم من خلال التكامل بين العِبرة والعَبرة.
فالعالم اليوم عالم جامد ليس فيه مشاعر، أما العالم الحسيني فهو عالم المشاعر، وهكذا فإن المشاعر والمعرفة تؤديان إلى عملية الاستنقاذ.
خامسا: معرفة الإنسان لقيمة نفسه
من لا يعرف قيمة نفسه لا قيمة له، فيكون ضائعاً. فمن لا يعرف قيمة نفسه يخرج من الحياة بلا حصيلة. ومعرفة الإنسان بنفسه هي النقطة الأهم في معرفة قيمته الذاتية، والقدرة على استثمارها.
عندما نقرأ في الزيارة الاربعينية: (وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا وَباعَ حَظَّهُ بِالاَرْذَلِ الاَدْنى).
حظه يعني وجوده في الحياة، فالحظ يعني القسمة. ومن الممكن أن يكون حظه الجنة لأن الله تعالى يريد لهم الجنة. لكنه باع الجنة بهذا الثمن الذي ليس له معنى.
حين باع عمره أو حياته (بالأرذل الأدنى). وهذه مشكلة موجودة عند كثير من الناس. لأنه لا يعرف قيمة ذاته. ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عرف نفسه عرف ربه)(10). وهذه المعرفة الذاتية هي أولى الحلول. ومعرفة الذات لها قيمة كبيرة جداً، وهذه القيمة لا يعادلها شيء في الدنيا إلا الجنة. وقد قال الإمام علي عليه السلام في ذلك: (إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا)(11).
وعن الإمام علي عليه السلام: (أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه، فمن عرف نفسه عقل، ومن جهلها ضل)(12).
وعنه عليه السلام: (من عرف قدر نفسه لم يهنها بالفانيات)(13).
فمن لا يعرف قيمة نفسه يضيع حظه في أرذل الرذائل، ومن عرفها عرف أن قيمتها عالية فلا يبيعها بالثمن الأوكس، ولا بالثمن الذي يتردى ويهلك في هواه. بعض الناس يبيع نفسه مقابل أشياء بسيطة، أو من أجل المال والسلطة، أو مقابل رشوة فيضيع نفسه ويفقدها.
فعن النبي عيسى عليه السلام: (ماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه)(14). فقد يربح العالم كله لكنه يخسر نفسه. وهذا ما قام به الطواغيت من أمثال معاوية. فهؤلاء الطواغيت يريدون أن يربحوا ويسيطروا ويحتكروا ويهيمنوا على كل شيء. ومع ذلك لا يصلون إلى درجة الإشباع والشبع.
احترام النفس يعني معرفة الإنسان لقيمتها
كلما مضى الإنسان في كسب هذه الأشياء خسر ذرة من نفسه. حتى يخسرها خسارة كاملة. فالإنسان الذي لا يعرف قيمة نفسه يهين نفسه بالأمور المالية. فأهم شيء عنده أن يمتلك سيارة. فيضيع سنين عمره من أجل هذا الشيء. أو يكون أهم شيء عنده أن يمتلك بيتاً أكثر من حاجته. فلا يفرق عنده إن جاء هذا البيت من حلال أو حرام. ولا يفكر في ذلك ولا يعبأ به. بل يمضي نحو تحقيق هدفه. ولا يهمه إن كان حلالاً أو حراماً. لأنه ركز نفسه على دنياه. والشيء المهم عنده الدنيا، والفانيات أي الأمور الزائلة، ومثل هذا الإنسان يهين نفسه ولا يحترمها.
احترام النفس يعني أن يعرف الإنسان قيمة نفسه، ولا يصح أن يسمح بأن يكون ممن (باع حظه بالأرذل الأدنى).
اما أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، فقد كان ثمنهم الجنة، الجنة مع الإمام الحسين عليه السلام، وهل هناك أعظم من أن يكون الإنسان في الجنة وفي جوار أهل البيت عليهم السلام.
لذلك فإن الإنسان عندما يعرف قيمة نفسه يعرف الإمام الحسين عليه السلام. أما الذين لا يعرفون قيمة أنفسهم فإنهم لا يحترمونها، فيذهبون وراء أشياء دنيوية بسيطة وبالتالي لا يعرفون الإمام الحسين عليه السلام.
ويجب علينا أن لا نكون هكذا، فالإنسان الذي يزور الإمام الحسين عليه السلام يجب أن يعرف أن قيمته كبيرة، فيبتعد عن الفانيات والملذات، ويستغرق في الإمام الحسين عليه السلام ويندمج معه في معرفته ومحبته، وإلا فإنه يبقى في عالم الجهالة ويخسر.
لا بد للإنسان الذي يعرف قيمته وجوده أن يخرج من الدنيا رابحاً.
سادسا: الأجر المعنوي
على الإنسان أن لا يبحث عن الأجر الدنيوي، بل عليه أن يبحث عن الأجر المعنوي. وهذه النقطة تكمل النقطة السابقة حول قيمة الإنسان. فمن يعرف قيمة نفسه يذهب وراء الأجر المعنوي.
وقد ورد في الزيارة: (وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الاَوْكَس). فالذي يبحث عن الأجر الدنيوي يكون في النتيجة غير عارف بقيمة الإمام الحسين عليه السلام. أما من يذهب وراء الأجر المعنوي فهو يعرف قيمة الإمام الحسين عليه السلام. ويعرف أن ما عند الله أعظم وأبقى. وفي النتيجة يخرج من عالم الجهالة إلى عالم المعرفة.
الإمام الحسين عليه السلام (وبذل مهجته)، والبذل هنا ليس بذلاً عادياً. إنه بذل النفس والروح والحياة في سبيل الله سبحانه وتعالى. لذلك فإن الإنسان الحسيني يتعلم من الإمام الحسين عليه السلام أن لا يجعل عمله للدنيا. ولا يجعل خدمته للمظهر. ولا يجعل عطاؤه من أجل المدح أو السمعة أو المكافأة. بل يجعل ذلك كله لله تعالى.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)، أي أجر غير مقطوع وغير منقوص وغير معدود، وهو أجر بغير حساب. فالإنسان الذي يعمل لله لا يخسر. لأنه يتعامل مع الكريم المطلق. أما الذي يعمل للدنيا فإنه يخسر حتى لو ربح في الظاهر. لأن الدنيا والمدح والمال والمقام ينتهي، لكن الأجر المعنوي يبقى.
وهذا معنى قول الأنبياء عليهم السلام: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين). فالناصح الحقيقي لا يطلب أجراً دنيوياً. والرسالة الإلهية لا تقف عند حدود المصالح. كذلك قال الله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى). فالمودة لأهل البيت عليهم السلام هي طريق الأجر الحقيقي، وهي التي تفتح باب المعرفة والعمل والتقوى.
ومن هنا نفهم أن خدمة الإمام الحسين عليه السلام ليست تجارة دنيوية، وليست عملاً موسمياً يبحث فيه الإنسان عن مكانة اجتماعية، بل هي طريق إلى الله تعالى، وهي مدرسة لتزكية النفس. فمن يطعم زائر الإمام الحسين عليه السلام ومن يخدمه ومن يقيم المجلس ومن يبكي. ومن يواسي ومن يمشي ومن ينفق، كل هؤلاء إذا أخلصوا نياتهم فإنهم يذهبون إلى الأجر المعنوي الذي لا ينقطع.
فالأجر المعنوي هو أن يعرف الإنسان أين يضع عمره وقلبه وماله وجهده. فإذا وضع ذلك في طريق الإمام الحسين عليه السلام فقد وضعه في طريق النجاة. لأن الإمام الحسين عليه السلام بذل مهجته لله. ومن أراد أن يكون حسينياً فعليه أن يتعلم معنى البذل. لا البذل من أجل الدنيا. بل البذل من أجل الله تعالى، ومن أجل الاستنقاذ من الجهالة وحيرة الضلالة.
سابعا: العلم النافع
النقطة الأخرى التي نخرج بها من هذه الرحلة هي العلم النافع. فليس كل علم ينفع الإنسان. قد يتعلم الإنسان أشياء كثيرة لكنها لا تهديه. وقد يزداد معرفة ظاهرية لكنه لا يتغير في قلبه ولا في سلوكه. العلم النافع هو العلم الذي يغيّر الإنسان ويصلح رشاده ويقوده إلى العمل ويهذب هواه. ويجعله أقرب إلى الله وأقرب إلى الإمام الحسين عليه السلام.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (من غلب علمه هواه فهو علم نافع)(15). وهذا معنى عظيم، لأن العلم إذا بقي معلومات في الذهن ولم يغلب الهوى فإنه لا ينقذ الإنسان. العلم النافع هو الذي يواجه هوى النفس، ويمنع الإنسان من السقوط في المعصية، ويخرجه من عالم الجهالة إلى عالم البصيرة.
وفي وصف المتقين يقول الإمام علي عليه السلام: (ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم)(16). أي إنهم لم يفتحوا أسماعهم لكل شيء. ولم يدخلوا إلى قلوبهم كل كلام. بل وقفوا أسماعهم على العلم الذي ينفعهم. لأن السمع باب من أبواب القلب، فإذا دخل منه الباطل أفسد القلب، وإذا دخل منه الحق أنار القلب.
ويقول الإمام علي عليه السلام: (خير العلم ما أصلحت به رشادك وشره ما أفسدت به معادك)(17). فالميزان واضح، العلم الجيد هو الذي يصلح الرشاد، والعلم السيئ هو الذي يفسد المعاد. من هنا نفهم أن العلم ليس للتفاخر، وليس للغلبة على الناس، وليس لجمع المصطلحات، بل العلم للرشاد والهداية والعمل لكي يعرف الإنسان طريقه.
وزيارة الأربعين مدرسة للعلم النافع، فالزائر يسمع ويرى ويتعلم ويتأمل ويعيش مع الناس ويرى الكرم والخدمة والتضحية والصبر، فكل ذلك علم. لكن هذا العلم يحتاج إلى وعي حتى يتحول إلى عمل. فمن خرج من زيارة الأربعين وقد تعلم الصبر والكرم والتواضع والنصيحة وخدمة الناس فقد أخذ علماً نافعاً، ومن خرج منها كما دخل إليها فقد ضيع فرصة عظيمة.
ثامنا: بناء العادات الجيدة والتحرر من الغرائز
من نتائج هذه الرحلة أيضاً بناء العادات الجيدة. فالإنسان لا يتغير بمجرد فكرة عابرة. ولا بمجرد عاطفة مؤقتة. بل يحتاج إلى عادات صالحة تبني حياته. فالعادات الحسنة هي التي تحفظ الإنسان بعد الزيارة. وتحفظه بعد المجلس وبعد موسم الأربعين. فإذا تعود الإنسان على الطاعة صار الطريق إلى الخير أسهل، وإذا تعود على المعصية صار الطريق إلى السقوط أسهل.
يقول الإمام علي عليه السلام: (ذللوا أنفسكم بترك العادات وقودوها إلى فعل الطاعات وحملوها أعباء المغارم وحلوها بفعل المكارم وصونوها عن دنس المآثم)(18).
فالنفس تحتاج إلى ترويض، والعادات السيئة تحتاج إلى ترك، والمكارم تحتاج إلى ممارسة، والمآثم تحتاج إلى صيانة النفس عنها. وهذا كله لا يحصل في يوم واحد، بل يحتاج إلى مجاهدة ومتابعة وتربية.
فالإنسان الحسيني يحاول أن يحول التأثر إلى عادة، فإذا بكى على الإمام الحسين عليه السلام تعلم الرحم، وإذا خدم الزائرين تعلم الكرم. وإذا مشى إلى الإمام الحسين عليه السلام تعلم الصبر، وإذا سمع الموعظة تعلم المحاسبة، وإذا وقف عند الشبهة تعلم الورع. وإذا قبل النصيحة تعلم التواضع. وهكذا تتحول الشعائر إلى بناء عملي للعادات الجيدة في النفس والسلوك.
إن الجاهل عبد للغرائز يعيش أسير شهوته وغضبه وعاداته. وقد قال الإمام علي عليه السلام في وصف بعض الناس: (فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ)(19). وهذه حالة خطيرة، أن يبقى الإنسان في صورته إنساناً لكنه في قلبه عبد للغرائز، لا يقوده العقل والمعرفة والتقوى.
قال الله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون).الأعراف 179.
هذه الآية تبين أن المشكلة ليست في وجود القلب والعين والأذن، بل في عدم استعمالها في الفهم والبصيرة والسماع الحقيقي. فالإنسان قد يمتلك الأدوات لكنه لا يستعملها للهداية. فإذا لم يستعمل قلبه للفقه وعينه للبصيرة وأذنه لسماع الحق فإنه ينزل عن مقام الإنسان.
ومن هنا تكون زيارة الأربعين ليست مسيرة على الأقدام فقط، بل مسيرة في أعماق الإنسان. من الغريزة إلى العقل، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الجهالة إلى المعرفة، ومن العادة السيئة إلى العادة الصالحة.
وهذا هو معنى أن تكون النهضة الحسينية ثورة ثقافية ضد الجهالة، وثورة تربوية لبناء الإنسان، وثورة روحية لتحرير القلب من أسر الغرائز وبؤس المعاصي.
خاتمة شاملة لسلسلة المقالات
في ختام هذه السلسلة يتضح أن النهضة الحسينية مشروع ثقافي وروحي وتربوي متجدد، غايته استنقاذ الإنسان من الجهالة وحيرة الضلالة، وإعادته إلى معنى الحياة الحقيقية. فقد بدأت السلسلة من زيارة الأربعين بوصفها رحلة معرفة وتحرر، يخرج فيها الإنسان من ضيق المادية والاستغراق في الجسد، إلى سعة الروح والمعنى والمسؤولية. فالزائر لا يمشي بجسده فقط، بل يمشي بقلبه وعقله ووعيه، ليعيد بناء ذاته على نور الإمام الحسين عليه السلام، مصباح الهدى وسفينة النجاة.
وقد كشفت السلسلة أن الجهالة أوسع من مجرد عدم العلم، فهي حالة مركبة من الغفلة، والسطحية، وضعف البصيرة، والانقياد للهوى، والوقوع في أسر الدنيا. وحين تستحكم الجهالة في الفرد والمجتمع تنتج الحيرة، لأن الإنسان لا يعود يرى الطريق بوضوح، وتنتج الضلالة، لأنه يسير خلف ما يظنه حقاً وهو بعيد عن الحق. ومن هنا يصبح الاستنقاذ الحسيني فعلاً دائماً، لأنه لا يكتفي بإيقاظ الإنسان من جهله، بل يعيده إلى العلم النافع، والطاعة، والتقوى، والوعي بقيمة النفس.
ومن أخطر وجوه الجهالة هو الاقتباس الأعمى، حين يأخذ الإنسان ثقافته ومفاهيمه وسلوكه من غير تمحيص، وينبهر بالصخب والبهارج والكلام المنمق، فيفقد صلته بالمصدر الأصيل للمعرفة والهداية. فالاقتباس الأعمى لا يصنع معرفة، بل يراكم جهالات جديدة فوق الجهالة الأولى، حتى يتحول الإنسان إلى تابع فكري وثقافي، لا يملك ميزاناً يفرّق به بين النور والظلمة. ولذلك جاءت النهضة الحسينية لتعيد الإنسان إلى البصيرة، وتحرره من التبعية، وتربطه بمنهج أهل البيت عليهم السلام، حيث العلم والعمل، والعقل والإيمان، والمعرفة والسلوك.
ثم انتقلت السلسلة إلى بيان أثر المعاصي في ترسيخ الجهالة. فالمعصية ليست فعلاً منفصلاً عن مصير الإنسان، بل هي طريق يضعف القلب، ويحجب العقل، ويقود إلى اضطراب البصيرة. وكلما استهان الإنسان بالذنب، واستصغر المعصية، تراكمت الحجب على قلبه، حتى يصبح الخطأ مألوفاً، والذنب عادياً، والرجوع إلى الحق ثقيلاً. وهنا تبلغ الجهالة أعمق صورها، حين لا يشعر الإنسان بسقوطه، ولا يرى الخطر في طريقه، فيخسر شيئاً من نفسه في كل مرة يبيع فيها آخرته بالثمن الأوكس.
ومن هنا جاء المقال السادس ليبيّن أن المعصية موت معنوي، وأن الحياة لا تتحقق بمجرد بقاء الجسد، بل بالاستجابة لله والرسول وأهل البيت عليهم السلام. فالإنسان قد يكون حياً في ظاهره، لكنه ميت في قلبه إذا قست مشاعره، وضاعت غايته، واستسلم للضجر والكسل والإدمان والغفلة. وفي مقابل ذلك، تمنح النهضة الحسينية الإنسان فرصة متجددة للحياة، لأنها توقظ القلب، وتفتح باب التوبة، وتعيد بناء العلاقة بين العلم والطاعة، وبين الشعيرة والتقوى، وبين المحبة والعمل.
وهكذا تتكامل خلاصة السلسلة في معنى واحد: أن الإمام الحسين عليه السلام نهض ليستنقذ الإنسان كله، لا جانباً واحداً منه؛ يستنقذ عقله من الاقتباس الأعمى، وقلبه من القسوة، وسلوكه من المعصية، وروحه من الضجر، ومجتمعه من الجهالة، ووعيه من حيرة الضلالة. ومن أراد أن يعيش أثر هذه النهضة فعليه أن يجعل زيارة الأربعين والشعائر الحسينية طريقاً دائماً للمعرفة والعمل، وأن يجمع بين العِبرة والعَبرة، وبين البكاء والبصيرة، وبين الخدمة والتزكية، وبين محبة الإمام الحسين عليه السلام وبناء الذات.
وبذلك تكون النهضة الحسينية هي ثورة ثقافية كبرى تبقى مفتوحة في كل زمان، لأنها تعيد الإنسان إلى قيمته، وتمنحه القدرة على أن يعرف نفسه، ويعرف طريقه، ويطلب الأجر المعنوي، ويخرج من عالم الغفلة إلى عالم الحياة الحسينية الواعية.
-انتهى-



اضف تعليق