أسعد الله أيامكم في ذكرى يوم الغدير وعيد الله الأكبر، هذا العيد العظيم الذي أُكمِل فيه الإسلام وأُكمِل فيه الدين، ولولاه لما اكتمل الدين لأن أساس الدين هي المناهج التي يسير عليها الإنسان، لذلك فإن منهج الغدير هو منهج لحياة الإنسان وسيرهِ نحو الحياة الصالحة.

لذلك يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة 67، وبعد الإبلاغ بولاية امير المؤمنين الامام علي بن أي طالب (عليه السلام) نزلت الآية القرآنية: (اليَوْمَ أكمَلتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً) المائدة، 3. فإن أعظم نعمة هي نعمة الولاية، لأن طريق الولاية وإمامة أمير المؤمنين وإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، هو الطريق المعبَّد الصحيح نحو العيش الرغيد السعيد، ونحو المجتمع الصالح، ونحو البناء القويم.

نعمة الولاية العظيمة

سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله) في كلماته عن قضية الغدير يرى أن أفضل نعمة في قضية الإسلام هي نعمة الولاية، لأن الولاية العامة هي التي تعمل بالمناهج الصحيحة، لكننا نلاحظ اليوم أن كل المشاكل والأزمات التي حدثت منذ وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذا اليوم هي بسبب الانحراف الذي حدث عن منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنهج الإسلام.

وهذا أدى إلى السير في طريق الدول الظالمة المظلمة، التسلط والقمع والفقر والأزمات والتخلف، تقول الآية القرآنية الكريمة: (وَلَوْ أنَّهُمْ أقَامُوا التَوْراةَ وَالإنْجيلَ وَما أُنزِلَ إلَيهِمْ مِنْ رَبـّهِمْ لأكَلوا مِنْ فَوقِهِمْ وَمِنْ تحْتِ أرجُلِهِم) المائدة 66. لأن العمل بما أنزل الله تعالى وبما أمر به سبحانه هو الذي يجعل الإنسان يعيش ذلك العيش الرغيد الآمن المستقر المطمئن في نفسه وروحه وذهنه وأهله وعائلته. لذلك قالت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): (وطاعتنا نظاما للملّة)، فالطاعة التي تكون لولاية أهل البيت هي الطاعة التي تعطي النظام والتوازن والاستقرار لحياة الإنسان.

ويذكر المرجع الشيرازي (دام ظله) في كتابه (مواهب الغدير) مجموعة من النقاط، حول كيف أدى إقصاء الغدير إلى تدمير المجتمعات والأمم التي كانت ستنظر في منهاج أمير المؤمنين (عليه السلام) كحل للمشكلات والأزمات التي تعاني منها:

1- (الولاية العلوية باعتبارها أحد الشروط المهمة والرئيسية للوصول بنا إلى مجتمع قائم على أساس العدالة والقيم والفضائل الأخلاقية)، لأن منهج الإمام علي (عليه السلام) يعطينا كل هذه الأمور.

2- (إنّ الأخذ بولاية أمير المؤمنين (ع) التي أنزلها الله تعالى وفرضها على المسلمين في يوم الغدير، له أثر تكوينيّ يوجب سبوغ البركات والخيرات على الناس من الأرض والسماء. قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (وَلَوْ أنَّهُمْ أقَامُوا التَوْراةَ وَالإنْجيلَ وَما أُنزِلَ إلَيهِمْ مِنْ رَبـّهِمْ لأكَلوا مِنْ فَوقِهِمْ وَمِنْ تحْتِ أرجُلِهِم)).

3- (والغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن، بل هو المكارم بعينها، والتطوّر الحضاري والمعنوي كلّه يدين له بذلك؛ لاعتباره أهمّ عامل في حفظ كيان الدين والملّة، ويعدّ إنكاره بمثابة إنكار لجميع القيم الإسلامية السامية).

4- (إحياء الغدير يعتبر إحياءً للعدالة وحسن السياسة والتدبير في معاش الناس وأمنهم، وطرداً للجور واللامساواة والإجحاف).

5- (فالغدير بجوهره وروحه يعني مدرسة أمير المؤمنين سلام الله عليه التي تصلح لإسعاد البشر جميعاً. الغدير يعطي معنى العيش الرغد، قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: (وَلَو أنّ الأمَّة منذ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّه اتّبعُوني وأطاعُوني لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِم ومِن تحتِ أرجُلِهِم رَغَداً الى يَومِ القِيامة)).

وقد تطرقنا لهذا في سلسلة مقالات سابقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكرنا مجموعة من المفاهيم التي هي مفاتيح التقدم في الحياة وهي التي تفتح لنا أبواب الخير، وأبواب التقدم والسعادة، كالسلم والتآلف والصبر، والسلام، ومفهوم القوة والحقوق والإنسان الاجتماعي والأخوّة، باعتبارها مفاتيح للغدير، لأن الغدير نعمة كبيرة يفتح لنا جميع أبواب الخيرات والنعم للبشرية.

الربح السريع خسارة

هناك قضايا مهمة سوف نتناولها في منهج الإمام علي (عليه السلام) حول العمل والرزق والأمور التي نحتاجها في الحياة، إن مشكلة الإنسان أنه في عجلة دائمة من أمره، يستعجل الأمور ويكون أنانيا، فيستبد، ويغترّ ويطغي، كل هذه السلبيات تجعله يتجاوز كل الحدود والأطر والقواعد الصحيحة، من أجل الحصول على ما يريده مهما كان الثمن، ويظن بأنه إذا لم يحصل على هذا الشيء فهو في الخسران.

لكن في الواقع هو يريد الربح السريع، لهذا هو يخسر ولا يربح، فإن الإنسان الذي ينحرف عن المناهج، والذي يسير في طريق (الغاية تبرر الوسيلة)، ويدخل في طريق المعاصي، فإنه بالنتيجة سوف ينحرف ويخسر كل شيء.

إن الذين بايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بايعوه بأمر من الله سبحانه وتعالى، ولكن سبب الانقلاب الذي حدث ضد الإمام علي (عليه السلام)، أن الكثير من الناس كانوا يخافون ان يخسروا ارزاقهم، وهم بالنتيجة لم يصلوا بعد إلى حالة من الفهم والتعقّل والإدراك، أي أنهم لم يدركوا بأن الانحراف عن منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) سوف يؤدي بهم إلى كل تلك المشاكل والمصائب، ولو أننا أجرينا الآن احصائية فكم من البشر يدرك العواقب؟، أغلب الناس لا يدركون ذلك، السبب في ذلك أن بعض الناس غرائزيين وأهوائيين يستعجلون ويحبون ويميلون نحو الدنيا، كل هذا أدى بهم إلى الانحراف، فذهبوا وراء الربح البسيط البخس وتركوا الربح الكبير.

الولاية مفتاح كلّ النِعَم

تركوا النعمة الكبيرة، أو النعمة التي تفتح النِعَم، فنعمة الولاية هي مفتاح كل النعم في الحياة، فهل تتصور ماذا تعني الآية القرآنية التي ذكرناها قبل قليل ((لو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) المائدة، 66. إذا عمل الناس بالقواعد الصحيحة والمناهج السليمة والطرق المعبّدة، فإنهم سوف يحصلون على كل النِعَم التي يريدونها.

(ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغدا...) كما قال الإمام علي (عليه السلام)، فهذا الكلام هو نفس كلام الآية القرآنية، والإمام (عليه السلام) لا يتكلم من عنده وإنما من خلال الآيات القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم)، (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) كل هذا يعبر عن معنى النعمة الكبيرة للولاية.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (الرغد تشير إلى الكيف، ولفظة -إلى يوم القيامة- تشير إلى كمّ السعادة التي كانت الأمة تنعم بها فيما لو تحقق الغدير)، ومعنى الرغد هو العيش الواسع الطيب والنعمة الكبيرة والاستقرار والسعادة، لأنه البداية ستكون صحيحة لو عملوا بالغدير، لكن كل أمر يبدأ بخطأ يستمر بخطأ ثم خطأ ثم خطأ وتستمر سلسلة الأخطاء إلى أن تصبح جبالا كبيرة من الأخطاء.

الوعي بحجم العواقب المستقبلية

ولكن لماذا لم يحدث تصحيح فالكثير من الصحابة من المؤكَّد أنهم كانوا موجودين في هذه الحادثة، وهم عاشوا إلى ما بعد ذلك، فلماذا لم يصححوا هذا الانحراف؟

هناك شيئان في هذا الخصوص: الشيء الأول، الوعي والفهم بحجم العواقب التي ستحصل للناس، والقرآن الكريم في كل آياته من بدايته إلى نهايته يركز على العاقبة ويتحدث عن العواقب، والعذاب الذي يواجهه الإنسان عندما يتغافل عن حجم العواقب، فالبعض كثيرا لا يهتم بالعواقب التي تترتب على الأخطاء والانحرافات التي يتورط فيها اما مشاركة او سكوتا.

الشيء الثاني: إن الإنسان يحتاج إلى التعقّل، والصبر في عملية الحصول على ما يريد، لكن الإنسان عجول وظلوم وجهول، فيستعجل الأمور وهذه العجالة تؤدي إلى قلب كل الأمور على بعضها.

الغدير له طريقية وموضوعية

إن الأخذ بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) له أثر تكويني يوجب سيول الخيرات والبركات على الناس من الأرض إلى السماء، فالغدير له موضوعية وله طريقية، الموضوعية باعتبار أن أمير المؤمنين نفسه هو بحد ذاته موجود كحجة وضوء ونور هداية موجود في أساس التكوين ومحور التشريع، فالإمام (عليه السلام) مطلوب بحد ذاته كإمام مفترض الطاعة.

وكذلك مطلوب كطريق معبد لنا للوصول إلى الخيرات والنِعَم، فالإمام علي (عليه السلام) هو طريق نحو العيش السعيد والرغد، ومعنى الرغد (المعيشة التي لا ضنك فيها) وليس معها ما يعكرها، فلا مرض، ولا فقر ولا حروب ولا نزاع، ولا قلق، ولا مشكلات، ولا سجون، ولا ويلات، بل ستتوفر كل الأمور الجيدة في حياة البشر، قد تتصور أن هذا الشيء مثالي؟، أليس كذلك؟، قد يكون تطبيق هذا التوصيف صعب على الواقع الحالي، لأنه يحتاج إلى (قابلية القابل وعدم مانعية المانع).

فالمعلول يتحقق من خلال شرطين هما، قابلية القابل وعدم وجود المانع، لذلك فإننا نحتاج الى قابلية لإدراك هذا الأمر، كمثال على ذلك، إذا أردنا أن نبني مدينة عصرية، كبيرة وجميلة جدا وعلى مستوى عال من الرقيّ مثلا، هل يمكن ذلك؟، نعم يمكن، ولكن الأمر يحتاج إلى عقل مهندس جيد وإدارة جيدة واستثمار جيد، وعدم وجود موانع تقف بالضد من تنفيذ ذلك.

قد نتصور أن هذا الأمر مثالي لكنه تحقّق وتمّ إنجازه، فالمدن الجميلة جدا والراقية موجودة الآن، لكننا أردنا أن نضرب مثالا عن ذلك، فهذه الأمور ليست مثالية بل واقعية وسهلة ولكن تحتاج المقدمات الصحيحة والانجاز الجيد ورفع المعوقات.

هل يمكن أن تصبح اليوم أعظم برفسور في علم معين أم لا؟ يمكن طبعا لكن يعتمد هذا على المقدّمات، أي على السير في الطريق المعبد الصحيح لحصولك على درجة برفسور وتصبح أعظم عالِم في ذلك التخصص، هذا الأمر ممكن جدا وليس صعبا، ولكن يحتاج إلى أسس وطرق ومناهج تسير عليها حتى تصل إلى ذلك الهدف وتحقق العلّة التامة.

منهج الغدير هو أفضل منهج واقعي، ولكن المشكلة في عدم وجود القابلية، أي في غياب العقل والتعقل والفهم والبصيرة والاقتصار على الفهم الغرائزي للأمور، والفهم المصلحي للدنيا، حيث يتصور اغلب الناس أن الدنيا هي للإعمار المادي الدنيوي، لكن الدنيا في حقيقتها هي إعمار الإنسان، حتى ينمو وينضج وينتقل إلى الآخرة وهو جاهز إلى مرحلة جديدة من حياته.

التكامل النفسي والروحي والمعنوي

ماذا يريد الإنسان من عيشه في الدنيا، هل يأكل ويشرب ويلهو ويلعب إلى أن يموت؟، هذا خطأ، فالإنسان في حياته يحتاج إلى تكامل تعقّلي وعقلاني، وتكامل نفسي وروحي ومعنوي حتى يرتقي، هذه القابلية هي التي تؤدي إلى السلوك في طريق الغدير، وسوف يأتي ذلك اليوم إن شاء الله عندما يظهر الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وسوف يفهم الناس معنى التاريخ الأسود الذي مرت به البشرية وكيف تخلوا عن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام).

منهج الغدير لبناء الإنسان المسلم

لأنه منهج الصدق والإيمان والتقوى حيث ينزع الإنسان نفسه من أجل مصير أعظم وأكبر، وليس مصير ضحل، المصير الضحل الذي يعيشه هذا الإنسان هو الذي يختاره بنفسه، هو الذي يمكنه اختيار أن يكون عظيما جدا في الحياة وذلك باختيار مصير عظيم، أو عكس ذلك يختار مصيرا ضحلا من أجل سلطة فانية أو مال ينفد أو أهواء عبثية أو لذة زائلة، فيتخلى عن إنسانيته، ويكون عبدا لغرائزه، ويحوّل غرائزه إلى آلة مدمرة لنفسه ولغيره.

فالإنسان هو الذي لابد أن يختار بنفسه، ويفكّر في معنى العيش السعيد، وفي معنى الرغد، فالمجتمعات الاستهلاكية اليوم تعيش في رفاه مادي كبير، فكل شيء متوفر لها، لكن هناك كآبة شديدة وبؤس روحي وفراغ معنوي في هذه المجتمعات، لا تستلذ باللذة، فهذه اللذة لاتشبع.

سيرته القصد وسنّته الرُشْد

أحد أسباب الانحراف عن منهج الغدير هو استغلال الدين الإسلامي لنشر الإرهاب والتطرف، يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله): (سيرته القصد وسنته الرشد)، القصد تعني الاعتدال، والإدارة الجيدة، وسنّته الرشد يعني التعقّل، وكثير ما نقرأه في نهج البلاغة يعبر عن الاعتدال وعن التعقّل، وعن الحكمة.

لذلك الانحراف الذي حصل هو الذي يؤدى بالنتيجة إلى التطرف، وإلى الإرهاب والظلم والاستبداد، فالحكومات التي تسمى بالإسلامية كانت مستبدة على مرّ التاريخ، وهي خلاف الإسلام، أما منهج الغدير فهو غير مستبد، منهج الغدير منهج الحرية والتعددية، منهج السلام والسلم، لذلك هذا الانحراف هو الذي يؤدي إلى التطرف.

كيف نستلهم طريق الغدير؟

كيف نستفيد من الغدير، وكيف نطبق منهج الغدير في حياتنا بحيث لا يكون مجرد حالة شكلية، يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (رَحِمَ اللهُ عَبْداً أحْيَى أمْرَنا. فقلت له: فكيف يحيي أمركم؟ قال: يَتعَلّم عُلُومَنا وَيعَلّمُهَا النّاسَ)، يتعلم سيرة أهل البيت وبالخصوص سيرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

يتعلم منهج الغدير ويعلّمه للناس، هذه هي البداية من أجل إحياء الغدير وعدم إقصائه من حياتنا، ولا يصح أن نكتفي بالاحتفال بالغدير فقط، بل لابد من أن نجعل الغدير منهجا كاملا في حياتنا، وهو منهجنا في كل يوم وفي كل صغيرة وكبيرة، ويدخل حياتنا حتى يصبح ثقافة شاملة، وعندما يصبح ثقافة شاملة سوف يقودنا نحو الطريق المعبَّد الصحيح السليم الذي يؤدي بنا إلى الرغد والعيش السعيد.

الخبرة والتشخيص السديد

نحن بحاجة إلى أن نتخذ من الغدير منهجا وطريقا، عبر:

النقطة الأولى: تعبيد طرق حياتنا الفكرية والثقافية والتعليمية، تعبيد بمعنى جعلها معبَّدة وليست وعرة، (اهدِنا الصراط المستقيم) فلا وعورة فيها وليس فيها عثرات أو حصى، فنحن نعيش مناهج خاطئة، وهذه المناهج الخاطئة وعرة، مثال على ذلك حين تذهب إلى طبيب لا يفهم جيدا بالطب، ويبدو بحسب الظاهر أن هذه الظاهرة واضحة في بعض المجتمعات، فلا توجد خبرة جيدة عند الطبيب فيعطي للمريض دواءً يؤدي به إلى مرض أشدّ، لأن الطبيب لا يفهم العلّة والمرض.

بينما حين تذهب إلى طبيب آخر لدية خبرة جيدة فيمكنه تشخيص المريض ويعطيه الحل والعلاج الصحيح، كذلك الأمر بالنسبة للغدير، فهو طريق معبَّد، ونحن اليوم نعيش في طرق وعرة كثيرة، وكل هذه الطرق مليئة بالحفر، فلابد أن نردم هذه الحفر بالسير على نهج الغدير الذي يجب أن يشمل حياتنا الفكرية والتربوية والثقافية والتعليمية.

من الواضح أن المجتمع لم يتعلم علوم أهل البيت (عليهم السلام) بشكل جيد، وهذا المجتمع يعيش حالة من الغرق في بحر الغزو الثقافي، وتسيطر وتهيمن عليه ثقافات أخرى، وعندما تناقش هذه الأمور مع بعض الناس، يقولون لماذا تزجّون الدين في هذه الأمور، وما هي علاقة الدين بها؟، الجواب: إن الدين هو الذي يرشدك إلى الصواب، ولا يصح أن تقيس الأمور على الانحرافات الموجودة عند البعض، وتجعل من الدين استبداديا أو عنيفا ومتطرفا.

فمن خلال رؤية القرآن الكريم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، سوف تعرف معنى الدين.

التفاؤل من أجل حلّ الأزمات

الإنسان تواجهه دائما صعوبات وأزمات في حياته، فماذا يفعل؟، الجواب: (يتوكل على الله سبحانه وتعالى)، كثير من الناس تجدهم متشائمين، وعندما يواجه أحدهم أزمة أو مشكلة يقبع في مكانه ولا يسعى لحل هذه المشكلة، لذلك يجب التفاؤل من أجل حل الأزمات، وهذا التفاؤل يجب أن تغذيه لنفسك وذاتك، عن طريق التلقين الذاتي وتحفيز ذاتك ونفسك على أن تكون متفائلا حتى تستطيع أن تتجاوز الأزمات.

كذلك اذا لم تفكر في القضايا التي تعطيك الطريق المستقيم في حياتك، سوف تبقى حياتك سيئة. فالنقطة الأولى هي تعبيد حياتنا الفكرية والثقافية والتعليمية.

مناهج لتجويد الحياة

النقطة الثانية: تجويد حياتنا، بمعنى جعلها جيدة، يمكنك أن تلاحظ اليوم وجود مشكلات وأزمات واختلالات في حياة الافراد والمجتمعات، وهناك فراغات لا يمكن ملئها، سواء كانت فراغات معنوية أو نفسية أو مادية، فتبحث عن أشياء لتستبدلها، لكي تصبح حياتك جيدة، وحين نعيش اليوم في مجتمعاتنا الحياة فيها غير جيدة، وفوضوية وعشوائية، لأنها تعتمد على مناهج قد فشلت، فلابد أن تبحث عن مناهج جديدة، تجدها في منهج الإمام علي (عليه السلام) وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

لنأتِ بمثال حول مفهوم القوة، وهو مفهوم مهم جدا تناولناه سابقا، في المدارس السياسية المعاصرة اليوم مفهوم القوة يعني مفهوم الشدة والعنف والصدام والتصعيد المتزايد، حتى أصبح منهجا سياسيا واجتماعيا سائدا في حياة معظم الناس، لا تجد أحدا من الناس ينتهج منهج اللين، فالكل يعتبر أن القوة تكمن في الشدة، في العنف والصدام مع الآخر، هذا هو الأمر المعروف والمسيطر في ثقافة مختلف المجتمعات والذي يؤدي باستمرار إلى صدامات دائما وحروب استنزافية.

لكن مفهوم القوة عند الإمام علي (عليه السلام) هو حزم في لين، فإذا استبدلت تلك القوة المتشددة ووضعت فيها قوة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي هي (حزم في لين)، فهل ستتغير حياتك أم لا؟، نعم لأن حياتك تذهب نحو الاحتواء، نحو التعايش والتسامح والمداراة. كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعايش مع المنافقين والكثير من المشركين وقد استطاع أن يروّض المجتمع، لذلك فإن المفهوم الذي يدخل الذهن ويتحول إلى برمجة ثقافية وسلوكية في ذات الإنسان وروح المجتمع، فإنه بالنتيجة يغيّر طريقة الحياة ويجعلها جيدة، وهذا هو المقصود بتجويد الحياة.

مناهج إنقاذ واستنقاذ

النقطة الثالثة: استنقاذ مجتمعاتنا من التخلف والجهل والأزمات، من خلال قراءة كلمات الإمام علي (عليه السلام)، برؤية عميقة واستراتيجية، وتحويلها إلى مناهج نهضوية في حياتنا بمختلف العلوم، وهي مناهج استنقاذ وإنقاذ من الوضع الذي نعيشه.

الغدير ثقافة عالمية

النقطة الرابعة: تحويلها إلى ثقافة عالمية لإيجاد حلول واقعية لمختلف الأزمات، لقد حوّل الغربيون اليوم كل مناهجهم الثقافية إلى مناهج منتشرة ومهيمنة في كل المجتمعات، لماذا لا نستطيع نحن أن نحول منهج الغدير إلى منهج منتشر في المجتمعات كافة؟، لابد أن نؤمن بهذا أي بكون مناهج الغدير قوية وقادرة على إنقاذ البشر، ونحولها إلى ثقافة عالمية.

الغدير في المناهج التعليمية

النقطة الخامسة: بلورة منهج الغدير وخصوصا نهج البلاغة، كمناهج تعليمية في المدارس والأكاديميات، وهذه تحتاج إلى دراسة مستفيضة، لكي نستطيع أن نقرأ كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) نقطة نقطة، ونحولها إلى مفتاح لثقافة عالمية، منتشرة في كل مكان.

وكذلك تحويلها الى مناهج إدارية في مختلف المؤسسات والمنظمات الرسمية والأهلية.

نواة وعقل للمناهج

النقطة السادسة: تحويل قيم الإمام علي (عليه السلام) وقيم الغدير إلى العقل الذي تنطلق منه وتتمحور حوله المناهج السياسية والاقتصادية، العقل يعني جوهر الأمور وكل شيء له عقل، يعني كل جهاز أو إنسان يوجد في داخله شيء يحركه، فإذا أردنا نحن أن نحرك الأمور، فالعقل هو مركز السيطرة، وكل شيء يخرج من الإنسان عبر العقل وهو الذي يكون الأساس والمحور لكل العمليات التي تجري حوله في مختلف الأشياء، فيكون هو العنصر الأساسي أو النواة الأساسية لانطلاق كل المناهج.

لذلك فإن كل قيمة من قيم الإمام علي (عليه السلام)، تتحول إلى عقل ونواة ومركز لكل المناهج والثقافات، وحينئذ سوف نعرف ما هو الرغد، ومعنى النعمة الإلهية.

وعندما تنطلق كل أمورنا وأهدافنا من قيم الغدير، وقيم الإمام علي (عليه السلام)، سوف تكون مسيطرة في حياتنا، وتعبّد طريقنا، لذلك لابد أن تصبح مناهج فاعلة، لأن منهج الغدير هو على الهامش الآن، وحاليا مناهج أمتنا مناهج أخرى غير منهج الغدير، سواء كانت المناهج الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية أو التعليمية.

نهج البلاغة مفتاح لخريطة ذهنية

لذلك نحن نعيش في وسط المشكلات بسبب المناهج المستوردة وليست المناهج الذاتية، فهي ليست نابعة من الدين الإسلامي، ولا من الغدير، ولا من سيرة رسول الله وأحاديثه، وهذا هو سبب المشكلات والأزمات التي نعيشها، لذا يحتاج السير في منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن ننتبه ونتحول ونبدأ نقطة التحول بحياتنا، بتحويل هذه المناهج إلى نقطة للانطلاق نحو التغيير، وبناء حضارة صالحة وحياة جيدة.

وبدلا من أن نقرأ كتب ما يسمى بـ"التنمية البشرية" لكي نزيد ثقافتنا قليلا، لنقرأ نهج البلاغة، لأنه مفتاح للتفكير ومفتاح لخريطة ذهنية، ومفتاح لبرنامج نفسي وفكري وثقافي وذاتي.

الزهد نمط حياة للعيش المعتدل

عندما يقول (عليه السلام): (الزهد ثروة) فإذا أردت أن تحلل هذه الكلمة، كقيمة أو نواة، المشكلة أن هناك من يظن أن الزهد مجرد تصوف لا علاقة له بحياة الناس وله علاقة ببعض الأشخاص، بل الزهد نمط حياة للعيش المعتدل، البساطة في الحياة لذلك هو ثروة.

الحديث هنا عن مفاتيح فكرية وبرمجية، الزهد بمعنى خفض مستوى توقعاتنا في الحياة، هذا يعني أننا نشعر بمشكلة تغيّر المناخ، لأن التغير المناخي سببه التوقعات العالية في الحياة، والعيش المادي المتضخم الذي يستهلك ويأكل كل شيء، يأكل مواردنا الطبيعية، ويلوث الجو والهواء، ويدمر الأنهار والمياه، بينما الزهد ليس كذلك إذ يعطيك حجما بسيطا لاستخدام الموارد الطبيعية في الحياة بما يخدم الجميع، فمعنى الزهد ثروة، هو الحفاظ على الثروات الطبيعية، وبإمكانك أنت أن تحول حياتك إلى ثروة.

هذه الكلمات جميلة ورائعة جدا، وهي مفتاح للنِعَم، فعندما يريد إنسان ما أن يعيش عيشة هادئة طيبة مستقرة، أليست هذه أكبر نعمة إذا حصل عليها؟، فالزهد ثروة، فإذا سار الإنسان في طريق الزهد حصل على كل النِعم، ولم يتخذ الإمام علي (عليه السلام) من الزهد مجرد أسلوب في حياته لأنه كان يحبه، بل لأنه مبدأ حياة، وأراد أن يعلمنا كيف نعيش حياتنا.

لم يكن الإمام (عليه السلام) يأكل إلا نوعا واحدا من الطعام، لماذا؟، لأنه أراد أن يعلمنا طريقة الأكل الصحيح في الحياة، والبناء الصحيح للجسم والنفس والتفكير، فالحياة ليست هي الأكل المتوحش، أو الأكل بلا حدود والأكل المفرط، بل الأكل المعتدل. لذا على الإنسان أن يخطط لخفض توقعاته المادية ويرفع توقعاته المعنوية.

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق