عالمٌ يكتسحه الظلم والجور، وأساسه يقوم على أخذ حق الغير، ويتبلور على عدم المساواة، ألا يحتاج إلى منقذ ينشر العدل والسلام، ويكون نموذجاً للإنسان المثالي، غالبا ما ارتبط ذكر الإمام المهدي (عج) بفكرتين أو مفردتين، الأولى المنقذ، والثانية العدل.

أما الأولى فإن الظلم والظلام الذي يجتاح العالم، يحتاج إلى منقذ ينتشله من القاع إلى أعلى الأعالي، ولا يتحقق هذا إلا بالفكرة الثانية وهي العدل، فإن مفردة العدل أكثر معنى وحكمة من المساواة، فما فائدة أن تعطي للغني والفقير نفس الحصة وهذه هي المساواة، وبين أن تأخذ من مال الغني وتعطيه للفقير وهذا هو العدل.

كل دولة تحتاج إلى قائد يكون نموذجا لرعيته، فأين نجد قائداً وحاكما وأنموذجا للإنسان المثالي، أفضل من الإمام الحجة (عج)، على اعتبار أنه سليل الأرحام والأصلاب الطاهرة، ألا انه جمع بين الدين الإسلامي والمسيحي، فوالدته هي نرجس (ع) بنت قيصر الروم.

وهنا يأتي أول نموذج للعدل وهو المساواة في الأديان، غير ذلك للإمام المهدي علوم وإمكانيات لا يمتلكها البشر العادي، فضلا عن امتلاكه اسم الله الأعظم، كل هذه مقومات تجعل منه قائدا عادلا لا جدال علية.

تحقيق دولة العدل يحتاج إلى أن يدرك البشر أنفسهم، على أنهم خلقوا ليتعايشوا لا لكي يتقاتلوا ويقيموا الحروب فيما بينهم، وأن ديمومة الحياة قائمة على الخير والشر، فلابد من أن يظهر الحق ويزهق الباطل، ويعم السلام ولو بعد حين.

إن أساس دولة الإمام المهدي (عج) الإنسانية، فهي الدين الأول لكل الأديان السماوية، وكما ورد في إحدى خُطب جدّ الإمام المهدي (عج) الإمام علي (ع): (الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

وأيضا قال الإمام الحسين (ع): (إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم).

وعليه فإن إقامة دولة العدل تحتاج إلى أنصار من أصحاب العقول النيرة، والأفكار التي تغير العالم للأفضل، فنجد في أصحاب الإمام، العلماء والمفكرين، إذن فإن فكرة المنقذ هي أمر مسلّم به وواقع مثبت، فما أجمل أن يعم السلام والعدل في ارض منذ أن تكونت، بدأت فيها الحروب والاقتتال.

في خضم هذا الطرح توجهنا إلى بعض الشخصيات ذات الإطلاع الواسع على القضية المهدوية بالسؤال التالي:

- كيف يمكن استثمار ذكرى ولادة الإمام المهدي (عج) لصالح بناء دولة العدالة الاجتماعية؟

فأجابنا مدير مركز الفردوس للثقافة والإعلام السيد فاضل الطبطبائي متفضّلا:

في الحقيقة جواب هذا السؤال يأتي عبر فهم بعض مفردات الروايات، فهناك ثلة من الأحاديث يربط ظهور المولى عليه السلام بمنهجنا و كيفية تعاملنا معه، فهناك كثير من الروايات تصرّح بأن الغيبة نتيجة أعمال الناس و إليكم بعضها.

١- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفَرَجِ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِذَا غَضِبَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ نَحَّانَا عَنْ جِوَارِهِمْ .

نحانا" أي أبعدنا" عن جوارهم" بكسر الجيم أي مجاورتهم، و يدل على أن غيبة الإمام عليه السلام غضب على أكثر الخلق.

٢- إن أمير المؤمنين عليه السلام قال عَلى منبر الكوفة: واعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة للّه و لكن اللّه سيعمي خلقه منها بظلمهم و جورهم و إسرافهم على أنفسهم.

٣- وَ فِي خَبَرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ اَلْأَهْوَازِيِّ اَلْمَرْوِيِّ فِي إِكْمَالِ اَلدِّينِ وَ غَيْبَةِ اَلشَّيْخِ وَ مُسْنَدِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ اَلطَّبَرِيِّ وَ فِي لَفْظِ اَلْأَخِيرِ: أَنَّهُ قَالَ لَهُ اَلْفَتَى اَلَّذِي لَقِيَهُ عِنْدَ بَابِ اَلْكَعْبَةِ وَ أَوْصَلَهُ إِلَى اَلْإِمَامِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا اَلَّذِي تُرِيدُ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ قَالَ اَلْإِمَامَ اَلْمَحْجُوبَ عَنِ اَلْعَالِمِ قَالَ مَا هُوَ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ وَ لَكِنْ حَجَبَهُ سُوءُ أَعْمَالِكُمْ.

إذن إذا كان سبب غياب الإمام يعود إلينا فيجب علينا أن نصلح أنفسنا قبل كل شيء. و للعلم أشير إلى هذه النقطة بأن الإنسان إذا أصلح نفسه فإن الفرج يتحقق بالنسبة إليه، يعني هناك إشارات أن الله يمن على من أصلح نفسه بما يحتاج إليه. أو بعبارة أخرى أن الفرج و تحقق العدالة الاجتماعية أمر ذو مراتب.

أما الدكتور الشيخ إبراهيم العاملي فقد أجابنا بالتالي:

أنتهز فرصة استطلاع الرأي الذي تعمل عليه شبكة النبأ المعلوماتية، لاستطلاع آراء المثقفين وأهل العلم، حول قضية من القضايا التي ما زالت تشغل الباحثين في الفقه السياسي الاجتماعي، ألا وهي قضية: " إشكالية دولة العدالة الاجتماعية في عصر الغيبة الكبرى".. فهل يمكن بناء منظومة اجتماعية عادلة، في ظل غياب صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف؟

الرأي الأول والنهائي هو عدم إمكانية بناء دولة العدالة المطلقة، إلا في ظل الوجود المبارك لصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.. ويأتي هذا الرأي بملاحظة التجربة الاجتماعية للمنظومات التي حكمت دول العالم عبر العصور المتطاولة والأزمنة المتباعدة، فلم تتمكن حكومات الإنسان في مختلف العصور من تحقيق هذه العدالة، وحتى كلام منظري " المسيحية الصهيونية " عندما يستخدمون مصطلح العدالة المطلقة في أثناء الحديث عن أيديولوجية هذه الفرقة من فرق المسيحيين في العالم - وينتمي لهذه الفرقة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن- حتى عندما يتحدثون عن مصطلح " العدالة المطلقة "، فكلامهم حولها لا يعدو أن يكون كلاماً نظرياً، فلم تتمكن هذه الفرقة من تحقيق هذه العدالة المطلقة لا في الولايات المتحدة الأمريكية عندما حكمها جورج بوش الابن، ولا خارجها.

وقد ورد في أحاديث أهل البيت عليهم السلام أن الحكومة في عصر الغيبة تكون للفاسقين .. نعم تُحمل هذه الأحاديث على الأعم الأغلب، وعلى قاعدة أن القريب من الشيء يُعطى صفته، وإلا فهناك عدالة في أنظمة بعض دول العالم بنسبةٍ ما، وتتفاوت هذه النسبة بين دولة وأخرى، وإلا فالعدالة الاجتماعية المطلقة لا تتحقق إلا على يد من ادخره الله لإقامة العِوَج والشريعة، ألا وهو الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.

من جهته أجاب الإعلامي والشاعر حيدر السلامي، بالقول:

إن مرتكز المشروع المهدوي وهدفه الإستراتيجي، هو بناء دولة العدل الإلهي التي تنعش الكون، وتنقذه من الغرق الكامل في بحور الظلم. إذاً لابد من وضع برامج تكرس هذا الهدف، وتهيّئ الأذهان لفهم المغزى الحقيقي للغيبة والظهور، بما يمثلانه من فرصة أخيرة أمام المجموعة الصالحة، لتعي دورها الحقيقي في بناء الأنموذج المصغّر لدولة العدل، لتسهم بشكل عملي في تمهيد الأرضية للبناء الكلي.

وذلك أيضا آلة الخلاص الأخيرة، وقارب النجاة بالنسبة للمجموعات البشرية المعارضة لقيام العدل، على هذا الكوكب لأسباب أنانية فردية وعوامل نفسية مختلفة.

علينا كفئة إنسانية تواقة لإرساء قواعد العدالة الاجتماعية أن نجتهد في إقناع الآخرين، وجذبهم ميدانيا وعمليا إلى جانب برامج التأطير النظري للفكرة الأساس، والعمل على توجيه البوصلة نحو ذلك القادم القريب القائم بالأمر.

الأديب الإعلامي طالب عباس الظاهر، أجابنا متفضّلا:

في البداية أحب التنويه إلى إن فكرة المخلص.. مخلص العالم من شر الأشرار في نهاية الزمان، هي فكرة عالمية غير مختصة بالشيعة خاصة، أو المسلمين عامة أو غيرهما، لإبطال الظلم وإحقاق الحق بالعدل الاجتماعي، وإقامة صرح العدالة على أنقاض ركام الظلم والجور المتراكم منذ قرون، ناهيك عن كون فكرة انتظار المخلص حاجة وجودية أساسا لكي تبعث الأمل في الحياة، ومن أجل تحمل أعباء الوجود تحت نير الظلم، فليس من المعقول أن يستمر انتصار الشر إلى ما لانهاية. لكن طبعا هناك تباين في المعتقدات والتصورات عن كيفية الخروج وتوقيته وماهيته؟ ومن ثم هوية شخص المخلص أو المنقذ عند كل أمة من الأمم.

وعندنا إنه (عج) موجود لكنه مغيب عن الإبصار فقط، كما في فكرة الحاضر الغائب أو الغائب الحاضر، حيث أن له ألطافه في الحياة من حيث نشعر أو لا نشعر، ولحين الحضور في قيام دولة العدل الإلهي على الأرض فيملأ الأرض عدلا وقسطا بالحكم الإلهي بعد أن تمتلئ ظلما وجورا. فالعدل الاجتماعي أهم أهداف دولة الإمام المنتظر العالمية، بعد أن تجرب الدول جميع أنواع النظم الحاكمة بقوانين أرضية لها مثالبها العديدة التي تظهر عاجلا أم آجلا، ومن ثم تثبت فشلها عملياً كما في الاشتراكية والرأسمالية وغيرها من نظم الحكم الوضعية، فتكون الحاجة هي من تُلجئ الناس إلى مبادئ دولة الإمام، لكن هناك خلط في أذهان الناس بين أن يكون الانتظار ايجابياً وبين أن يكون سلبياً.. حيث إن الإيجاب في الانتظار هو أن يتصرف المرء في حياته وسلوكه ومعاملاته فيما يرضي الإمام الغائب ويفرحه ويوافق الشريعة المقدسة.

وأجابنا الشيخ أحمد عبد زيد بالقول:

جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في العدل الاقتداء بسنة الله، وثبات الدول، ومن سنن الله عز وجل قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان.

ألا يحتاج العالم الذي يعيش تحت شبح الحروب والدمار والظلم وعدم المساواة، إلى حاكم عادل عديم الطمع كثير الورع، حسن النية والعقل، يقول من حسنت سياسته وجبت طاعته، فدولة الإمام المهدي عليه السلام هي الأمل الوحيد المتبقي لدينا، ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما، وإذا أراد الإنسان أن يطلع على دولة الأمام المهدي (عج) فليراجع التاريخ كيف حكم رسول الله (ص) في رعيته.

أما الدكتور أمجد الربيعي، فأجابنا قائلا:

برأيي المتواضع أن الاستثمار لصالح بناء الدولة العادلة لا يقتصر على ولادة الإمام المهدي (عج) والذي نستذكره ونتبرك بمولده في النصف من شعبان، بل يجب أن نؤمن بأن الإمام عليه السلام هو حي بيننا، وبحاجة إلى إصلاح أنفسنا لكي نمهد له قيام دولته العادلة. فالنصف من شعبان هي رمزية ودلالة لحدث كبير، ولكن الإيمان بالإمام عليه السلام ومنهجه هو التحدي الأكبر.

الكاتبة والإعلامية زينب الأسدي أجابت بالقول:

كان و ما يزال حلم المدينة الفاضلة، سراب تعدو خلفه البشريّة في مجتمع يكون كلّ شيء فيه معياريّا أساسه الإنسان نفسه، يجد فيه أكمل أنواع الخدمات بأسلوب حضاريّ بعيد عن التعقيد و التسويف سواء كان مسؤولًا أو موظّفًا..

في الحقيقة لا يمكن تحقيق هكذا منظومة متكاملة تشمل جميع تشعّبات الحياة و تمفصلاتها اللا متناهية في ظلّ الحداثة، و زخم تيّاراتها المنادية بالإصلاح من على منصّات العولمة و الحضارة، إلا إذا كان المشرّع محيطًا بكلّ الجوانب خلاف ما اعتادته الصيحات الطاغية في العصر الحديث؛ كالحركات اليساريّة و الاشتراكيّة و الشيوعيّة الزاعمة بخلق تحوّل يقلب المنظومة الارستقراطيّة من خلال تطبيق قوانين المساواة و الحريّة و غيرها من الشعارات، ذات التكشيرة الماكرة التي ناقشت الجوانب الاقتصاديّة فقط في الغالب.

لابدّ أن يكون التشريع صادرًا من قوّة لها إلمامة تامّة بالجوانب العلميّة و الاقتصاديّة و الحيويّة و الاجتماعيّة متعدّدة التفريعات، و هذا مستحيل الحدوث من قبل الذات البشريّة المجبولة على النقص.

لذا لا سبيل للوصول إلى هذا الهدف سوى بالرجوع إلى القوانين السماويّة و إلمامتها النموذجيّة المتفردة بكل المصاديق الهامّة، من خلال إثارة البحوث العلميّة التنمويّة و إخضاعها لطاولة النقاش و التداول، محاولةً تطبيقها في الساحة العمليّة بالانتقال من القول إلى الفعل، خصوصًا في الأيام المتبرّكة بإحياء ذكرى مواليد قادة البشريّة، المخوّلون من قبل الباري عزّ وجل لتناول القضايا الفيصليّة من ينابيع التشريعات السماويّة التي تثير النماء و الازدهار.

اضف تعليق