سياسة - عنف وارهاب

سيكولوجية الجماعة التدميرية

(قراءة في المصطلح)

عبد الرسول عداي

 

تحديد المصطلح

لا يمكن أن ننطلق في عملية فحص واستكشاف الإطار النظري لسيكولوجية الجماعة التدميرية قبل أن نحدد وبصورة أولية مصطلح الجماعة التدميرية، فقد يعتبر أن هناك استبدالا للمصطلح مما تعارف على تسميتها بالجماعات الإرهابية دون أن يؤدي هذا (الاستبدال) إلى قراءة جديدة لمفهوم أو إلى رؤية جديدة في ترشيح سلوك تلك الجماعات أو الأنساق والآليات المنتجة لها.

والخط الأول الذي ننطلق منه في الشروع لهذه القراءة يرتكز على زاوية المنظور الذي يمكن على أساسه أن تصنف الجماعات إلى جماعات إرهابية عامة والى جماعات تدميرية خاصة ليس وفق منظور الكل والجزء، بل وفق مغايرة التشخيص بين الأثر وطبيعة السلوك.

وهي ليست بعملية استبدال بل محاولة تشخيصية جديدة اقتضت معايير مغايرة وإطار نظري خاص إضافة إلى توليد مصطلح يحاول إن يجسد مصاديق مفهوم هذا النوع من الجماعات مع ملاحظة أن مصطلح الإرهاب قد حمل بشحنات سياسية قوية وتحول إلى إحدى الخيوط التي تتحكم بحركات اللعبة السياسية على المستوى الدولي ووفق منتجات الصراع السياسي صار لدينا إرهاب الجماعات المحلية وإرهاب التنظيمات الأممية وإرهاب دولة وإرهاب دولي مع ملاحظة منتجات الصراع الفكري/الثقافي/الديني، وما يمكن أن ينتج عنه إرهاب فكري وإرهاب ثقافي وإرهاب ديني وإرهاب عرقي... الخ.

أي أن هناك هجرة أو تهجير لمفهوم الإرهاب من مجال الهوية والتشخيص إلى مجال الحكم والتقييم وفي ضوء ذلك تداول المتصارعون تهمة الإرهاب، فهناك من يتهم جهات دولية بإرهاب دولي وهي الجماعات الأممية التي يتشكل أعضاؤها من أكثر من دولة وأمة، وهناك الجماعة المحلية التي تتهمها الدولة بالإرهاب وتتهم هي الدولة بإرهاب الدولة، وبالطبع هناك معايير مشتركة للحكم على الأثر الإرهابي للجماعة ولكنها تفتقر إلى الوضوح الذي يشوش القراءة العلمية السيكولوجية لهذه الجماعات وبالتالي تكون هناك صعوبة حقيقية في كيفية الوصول إلى نتائج مشتركة لوصف طبيعة تلك الجماعات أو بنيتها السيكولوجية أو آليات تكوينها السيكولوجي.

كذلك فان الإطار النظري لمفهوم الإرهاب الناتج عن تداوله تاريخيا ولغويا في التشخيص من الأثر الناتج عن الفعل/السلوك، وليس عن تشخيص طبيعة هذا السلوك واتجاهه وقد يبدو انه ليس من المهم التدقيق في اثر السلوك أو طبيعته لكن هذا الخلط في التشخيص بين اثر السلوك وطبيعة السلوك/ يعود بنا إلى خلط كل الأشكال والتنوعات في الجماعات والأفراد والتي تشترك جميعا في إنتاج الأثر الإرهابي، ومع استخدام الأثر كمعيار في التشخيص تواجهنا مشكلة من نوع أخر تتعلق بطبيعة المعيار نفسه وهو معيار الأثر ذو طبيعة تدريجية مما يجعل التشخيص أمام كم متسلسل من مستويات الأثر، توحد الكثير من تنوعات وأشكال هذه الجماعات ضمن الأثر الذي تنتجه بغض النظر عن مستوى أو درجة الإرهاب الذي توجهه إلى المجتمع أو المحيط ليس بالضرورة أن تكون هناك طبائع متماثلة أو خصائص موحدة بين هذه الجماعات والأفراد، وهذا ما يؤدي إلى صعوبة قد تصل إلى درجة الاستحالة في بعض الحالات.

فالتشخيص الذي نقترحه يعتمد على طبيعة السلوك الذي تتبناه المجموعة وليس من الأثر الناتج عنها في المجتمع أو المحيط، وهذه المغايرة في التشخيص تؤدي إلى وصف أو صياغة جديدة للمصطلح تشتق من طبيعة سلوك الجماعة.

وإن ما نعنيه بالجماعة التدميرية هي الجماعة التي تكون طبيعة سلوكها تدميرية في الاتجاهات الآتية:

- تدمير العلاقة مع الآخر (الآخر هو المغاير سواء كان فردا أو جماعة أو مجتمع).

- تدمير الآخر.

- تدمير الذات.

وقد ينطبق مصطلح الجماعة التدميرية على أشكال وتنوعات كثيرة أو قليلة مما يتعارف اليوم على تسميتها بالجماعات الإرهابية لذا فقد يساعدنا هذا التحديد للمصطلح على تشخيص أكثر دقة للجماعات التي تجعل من تدمير الآخر (من منطلق الإشباع/ الإنجاز) وتدمير الذات (من منطلق الحاجة/ الهدف) وتدمير العلاقة مع الآخر (من منطلق التهديد/ الاستعلاء) أساسا في إنتاج سلوكها.

خصائص الجماعة التدميرية

من الممكن تمييز ثلاث خصائص رئيسية للجماعة التدميرية تدخل كشرط أساسي في عملية تشخيصها وهي:

أولا: الانعزالية:

تمثل هذه الخصيصة أهم ميكانزمات الدفاع لدى الجماعة من الآخر/المغاير (فردا، جماعة، مجتمع) بعد أن تحوله إلى مصدر للتهديد والخوف والمبالغة بالشعور بالاضطهاد، كذلك فإنها -أي الانعزالية- تمثل المرحلة التكوينية الأولى في بناء الجماعة التدميرية.

وتتخذ هذه الخصيصة ثلاثة مظاهر:

- معرفي، ومن أبرز تمظهراته: الاكتفاء بمصادر المعلومات لدى الجماعة والتعصب الشديد رفض النقد وإقصاءه إلى الآخر فقط، الإيمان المطلق بانحراف الأنساق والمعتقدات المعرفية المغايرة وجمود النسق المعرفي.

- انفعالي، ومن ابرز تمظهراته: بناء آلية للتقييم تستند إلى رفض الآخر تنميط الأعضاء على السلوك التجنبي للآخر وبناء آليات تزيد من شحنات التوتر الانفعالي تجاه الآخر سواء عبر الخطاب أو السلوك أو الطقوس.

- سلوكي، العدوان العدائي (وهو أنقى أنواع العدوان وليس له من غاية سوى إيقاع الأذى بالآخر) وصولا إلى تدمير الآخر وتدمير الذات.

ثانيا: توليد الحاجات/الأهداف

تعمل الجماعة التدميرية على إلغاء حاجات ورغبات أعضائها وزرع حاجات وأهداف خاصة بالجماعة عن طريق التوجيه والتنشئة وإعادة بناء الشخصية وغالبا ما تكون هذه الحاجات والأهداف غير منتمية للآخر ولا يكون الآخر طرفا في تحقيقها أو إشباعها خشية أن يؤدي ذلك إلى تخفيف الاتجاه التدميري نحو الآخر، لذا فقد ظهرت تلك الحاجات/الأهداف على أشكال متنوعة أبرزها:

- طوباوية.

- إيهامية.

- ميتافيزيقية.

- مثالية تجريدية.

مع ملاحظة أن شكل الحاجة/الهدف وصورتها يرتبط إلى حد كبير بالمرجعيات المعرفية والانفعالية التي تعيشها الجماعة، فالحاجة/الهدف (الصهيونية في تسيد العالم والتسلط عليه) تولد من نسق معرفي متوارث ونسق نفسي وتاريخي عاشته هذه الجماعة على مر الزمن، فكانت الحاضنة لنمو العديد من الجماعات التدميرية وقد تكون هذه الحاجات/الأهداف ذات ثبات نسبي كما في الجماعات الدينية وقد تكون متغيرة كما في الجماعات السياسية.

وتعتبر عملية إشباع الحاجة من أهم عوامل تماسك الجماعة وديمومتها والحاجة التي تصنعها الجماعة في تنشئتها للأعضاء ليست بالضرورة أن تكون حاجة التدمير بل على العكس تماما فقلما نجد أن تكون الحاجة التدميرية عنوانا لأهداف الجماعة، لكنها عادة ما تكون محتومة بتدمير الآخر لتحقيقها وبتدمير الذات باعتبار انحرافها عن الواقع.

ومثال على ذلك: أن بعض الجماعات التدميرية تسعى للانفصال أو إقامة نظامها السياسي الذي تعتقده وهي رغبة مشروعة في ظروف ومحددات الواقع الفعلي الذي تنتمي إليه لكن عندما تجعل من فناء الآخر (سواء من الرافضين لهذه الرغبة والرافضين لأسلوب تحقيقها) طريقا لإشباع هذه الحاجة خصوصا وإن تدميرية الجماعة يتم بنسق متواز بين اتجاه إلى خارج الجماعة (الآخر) واتجاه إلى داخل الجماعة (الجماعة/ الأعضاء).

ثالثا: تدمير الآخر/تدمير الذات:

عندما نقول أن هناك توازيا بين تدمير الآخر وتدمير الذات، فإننا نشير إلى أن هناك اتجاها فاعلا نحو تدمير الذات، ولا نعني بالذات هنا الجماعة بل ذات الأعضاء الذين ينزلقون للانتماء إلى مثل هذه الجماعات، وهذا التدمير الموجه إلى أعضاء الجماعة يتم من خلال مسارين؛ الأول منهما جسديا حينما يتحول العضو إلى قربان لتحقيق أهداف الجماعة، والمسار الآخر عندما يتم إلغاء شخصية العضو وحاجته وعلاقته مع الآخر وعلاقته بالمحيط ويتم بناء ذات خارجية عنه هي ذات الجماعة.

بنية الجماعة التدميرية

يعتمد بناء الجماعة على مدى تحقيق أهدافها وإشباع حاجات أعضائها وبالمقابل فقد تتفكك الجماعات حينما لا تلبي رغبات أفرادها وتدوم من استمرارها في إشباع تلك الرغبات.

وهذا النسق العام لبناء الجماعة يخضع له بناء الجماعة التدميرية، ولكنه بأسلوب مغاير تماما حيث لا يتم في الجماعة التدميرية تلبية رغبات الأفراد (الذاتية) بل تسبق هذه العملية مراحل عديدة يتم من خلالها عملية إقصاء لحاجات الأفراد وأهدافهم وإحلال حاجات وأهداف جديدة تعبر عن حاجات وأهداف الجماعة.

ويستنتج من هذا أن هناك آليات تكوينية تتبناها الجماعة شبيه بآليات غسيل الدماغ أو التنشئة الجديدة أو صناعة للحاجات والرغبات من خلال جملة من الوسائل والأساليب.

والآليات التي تعتمد الجماعة التدميرية هي كما يأتي:

1 - العزل/إلغاء الهوية:

تعمل الجماعة التدميرية من خلال التنشئة والتوجيه والإرشاد والدعوة إلى النسق المعرفي الذي تروج له على قطع العلاقات مع الآخر (القطعية مع الآخر/رفض الآخر) فينعزل الفرد عن أقرانه وعن جماعته المحلية وجماعة الأصدقاء وهذا الانعزال له مظاهر متنوعة، منها وصف الآخر بأنه عدو ومصدر للتهديد و نسق معرفي منحرف وغير قابل للإصلاح وهناك حتمية الصراع معه،.....الخ، وهناك أنساق معرفية وانفعالية موجودة في المجتمع (وفي أي مجتمع) تقوم بهذه العملية فقد تكون الأسرة أو الإعلام أو الأيدلوجية السياسية أو السياسة العنصرية أو المؤسسة الدينية ولا يعني هذا إنها حاجات تدميرية بقدر ما يشير إلى إنها تقوم بالخطوة الأولى لإنشاء مثل هذه الجماعات أو توفير المادة الخام لتشكيلها.

2- صناعة الهدف/الحاجة

تعتمد الجماعات التدميرية على معادلة بسيطة جدا في صناعة الهدف/الحاجة تعتمد على ما يأتي:

- بعد عملية عزل الفرد عن المحيط الاجتماعي والمعرفي وحتى النفسي الذي كان يعيشه تبدأ عملية صهر الفرد في الجماعة من أجل ذات جماعية يعبر الفرد فيها عن ذات الجماعة وتتجسد في الجماعة ذات كل فرد.

- لا يوجد في الجماعة التدميرية شيء اسمه عدم تحقيق أو الفشل في إنجاز الهدف فالهدف/الحاجة دوما متحقق وفي كل الأحوال باعتماد أن في تدمير عضو الجماعة تتحقق رغبة الفرد وعند تدمير الآخر يتحقق هدف الجماعة.

ولكي تكون هذه المعادلة مقبولة لا بد من التركيز على الموت كمعادل موضوعي للحياة فنرى أن الجماعات اللادينية التدميرية تحول الموت في سبيل أهداف الجماعة إلى شيء مقدس جدا بل أفضل من الحياة أما الجماعات التي تغلف صبغتها بالدينية فتعطي للموت مساحة أكبر من الحياة وتعمل على تحريف السلوك الطبيعي للوصول إلى الهدف عبر القرارات المغلوطة للدين.

وهذه المرحلة من صناعة الهدف/الحاجة قد نلاحظها عند مؤسسات أو أنظمة قامت على هذا الأساس إضافة إلى المرحلة السابقة فقد يقوم تنظيم سياسي بالمرحلة الأولى وقد يستولي على السلطة فيعمل في تأسيس هذه المرحلة.

الترتيب في كثير من الحالات بين هاتين المرحلتين حتمي لكنه ليس بالضرورة أن ينتج دوما جماعات تدميرية لكن بالمقابل، فان هذا الترتيب المرحلي لآليات تمر بها الجماعة التدميرية يكشف لنا عن رؤية تاريخية للمراحل التي تمر بها الجماعة التدميرية، وفي نفس الوقت قد يكشف لنا عن اتجاه جماعة أو تنظيم معين وفي أي مرحلة ثابت فقد يكون هناك تيار متبني المرحلة الأولى والثانية ولربما حتى الثالثة لكن عمليا لا ينتمي إلى الجماعات التدميرية، ولا يؤمن بالمراحل الأخرى خصوصا الأعداد والممارسة، لكنه في نفس الوقت يمثل المادة الخام للجماعة التدميرية والرافد الأساسي لأنساقها المعرفية والانفعالية مما يجعل من المستحيل معالجة هذه الجماعات التدميرية دون معالجة تلك التيارات التي تمثل حاضنة معرفية وانفعالية لتفريخ هذه الجماعات.

3- الهوية:

يعتبر الحصول على هوية الجماعة التدميرية شيئا مشرفا وعظيما لدى الفرد المنتمي وخطة أساسية في تحقيق الهدف/ الحاجة.

4- الإعداد:

وهي أهم مراحل تكوين الجماعة التدميرية فالإعداد مرحلة أساسية وطويلة نوعا ما في تهيئة الفرد أو العضو للمرحلة اللاحقة ومن مميزات هذا الإعداد:

- متنوع بين الإعداد الجسدي والنفسي والمعرفي.

- مكثف بدرجة كبيرة.

- يوضع العضو في عزلة أشد.

- يسبق الممارسة بصورة مباشرة.

5- الممارسة:

وفيها يتم تدمير الذات للآخر عبر آلية الموت/الإفناء والنتيجة هي فناء الذات أو الآخر حيث يوجه للموت للآخر وفي حالة بقاء الجماعة التدميرية فإنها تقيم نظامها لا لتعود لتنتمي للعالم مرة أخرى بل لتعزل نفسها بصورة اشد واشد وتمارس صهرا اشد للأعضاء لتحويلهم إلى ذات جماعية، فنرى إمارات تغيب عن ذاكرة الواقع لتتراجع فقط إلى ما في الماضي، أو نرى أنظمة اليوتوبيا تقتل في الإنسان روحه لتبقي فقط القالب الذي صنعته له وكلاهما يعاديان العالم ويشهران الموت أمام وجه الإنسانية.

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 78-آب 2005

اضف تعليق