تَعتبر تركيا أنّ إيران كسبت من انهيار دول وهيمنة جهات فاعلة من غير الدول في جوارها المباشر. ففي المشرق العربي والعراق، يعيد القادة السياسيون رسم هيكليات الدول لتتناسب مع جهات فاعلة من غير الدول، مولّدين بذللك بيئةً تلائم إيران، التي لطالما عملت على ترسيخ روابط
غالب دالاي

 

عادة ما تحتاط أنقرة تجاه طموحات طهران في البلدان المجاورة لها. لكن على الرغم من أنّ علاقتهما تشهد تقلّبات في بعض الأحيان، لطالما اتّصفت بالاستقرار نسبياً. فما دام لا يعتبر أيّ من البلدَين البلدَ الآخر تهديداً وجودياً له، وما دام كلاهما يريان في التحالف السعودي الإماراتي تهديداً، فقد عقدا تسوية توافقية بالعيش كبلدَين متجاورَين. وقد أتاحت لهما هذه التسوية الإبقاءَ على روابط سياسية واقتصادية حتّى في أثناء خوضهما حروباً بالوكالة في سوريا ومنافسةً في العراق. وسمحت قدرة طهران وأنقرة على فصل المسائل في علاقتهما الثنائية باستكمال التعاون بينهما في مجالات مثل التجارة والطاقة والسياحة. غير أنّ لمدى إمكانيّة تقاربهما حدوداً نظراً إلى نظامَيهما السياسيَّين المختلفَين وطموحاتهما الجيوسياسية المتضاربة.

في العراق وسوريا، ستبقى العلاقات بين أنقرة وطهران محفوفة بالتوتّرات والتحدّيات مع محاولة كلٍّ منهما تغيير معالم نظام البلدين السياسي والاستراتيجي حسب ما يناسب اهتماماتهما. وتَعتبر تركيا أنّ إيران تحاول أن تمركز نفسها في قلب نظام مشرقيّ جديد، باسطةً نفوذها في البحر المتوسّط من خلال العراق وسوريا ولبنان. وتنظر أنقرة إلى هيمنة المجموعات الشيعية الداعمة لإيران في العراق (ميليشيات ومجموعات اجتماعية سياسية على حدّ سواء) وإمساكِ نظام الأسد بزمام السلطة في سوريا ودعمِ إيران لحزب الله في لبنان على أنّها عناصر لمحاولة تأسيس حزام نفوذ إيراني يمتدّ إلى المتوسّط. وتخشى أنقرة أن تضرّ مصادر النفوذ هذه بمصالحها الإقليمية.

وعلى الرغم من انضمام تركيا إلى إيران في المحادثات التي ترعاها روسيا حول الصراع السوري، فقد حاربت الميليشيات الشيعية المؤيّدة لإيران في عفرين وإدلب على حدّ سواء. وقد اتّخذت طهران من جهتها موقفاً مناهضاً لعمليات تركيا في عفرين وتوسّعها العسكري في إدلب، عاكسةً بذلك المبارزة التركية الإيرانية الأوسع في العراق وسوريا.

لكن يبدو أنّ طهران هي المتفوّقة بين البلدَين، ممّا يؤدّي إلى تزايد مخاوف تركيا. ويفاقم من حدّة هذا القلق ما تعتبره تركيا التحدّيَ الأمني القومي الذي يشكّله حزب الاتّحاد الديمقراطي الكردي السوري (PYD)، وهو فرعٌ من فروع حزب العمّال الكردستاني (PKK) الذي سيطر على الأراضي قرب الحدود التركية السورية في السنوات الأخيرة. وقد حثّت هذه الهواجس تركيا على شنّ عملية عسكرية في يناير 2008 على عفرين نجحت في دحر حزب الاتّحاد الديمقراطي. وفي خطوة سبّبت انزعاجاً لتركيا، تفادت إيران المواجهة مع حزب العمّال الكردستاني والمنظّمات المنبثقة عنه في أنحاء المنطقة وحافظت منذ العام 2011 على قرار بوقف إطلاق النار مع حزب الحياة الحرّة الكردستاني، وهو مجموعة انفصالية كردية إيرانية مرتبط بحزب العمّال الكردستاني.

وتَعتبر تركيا أنّ إيران كسبت من انهيار دول وهيمنة جهات فاعلة من غير الدول في جوارها المباشر. ففي المشرق العربي والعراق، يعيد القادة السياسيون رسم هيكليات الدول لتتناسب مع جهات فاعلة من غير الدول، مولّدين بذللك بيئةً تلائم إيران، التي لطالما عملت على ترسيخ روابط مع هذه الجهات الفاعلة، أكثر ممّا تلائم تركيا.

وبدأت تركيا بالسعي إلى اتّباع سياسية رعاية الميليشيات التي تتخّصص فيها إيران كطريقة لإسقاط قوّتها في العراق وسوريا. ومع أنّ لتركيا خبرةً محدودة مع الميليشيات، أظهر نجاح تعاونها مع مجموعات سورية حليفة في عفرين إمكانيات هذه الاستراتيجية. لكن يُرجّح أن تواجه تركيا سلبيات العمل مع هذه المنظّمات الميليشياوية أيضاً.

وفي السنوات الأخيرة، حوّلت تركيا تركيز جهودها الأمنية نحو التحدّي الكردي، ولا سيّما الرابط بين حزب العمّال الكردستاني وحزب الاتّحاد الديمقراطي. وقد تمثّل ذلك برفضها لاستفتاء الاستقلال الذي أجرته حكومة إقليم كردستان في سبتمبر 2017، بالإضافة إلى تدخّلها في عفرين. وقد عارضت إيران الاستفتاء أيضاً. لكن على المدى البعيد، ما إن يضعف التهديد الكردي المتصوَّر، من المرجّح أن تعاود أنقرة محاولاتها لكبح نفوذ إيران المتنامي في الشرق الأوسط. وفيما تعارض أنقرة امتلاك إيران أسلحةً نووية، فإنّ السياسات الإيرانية الإقليمية هي ما يشغل بالها أكثر.

وقد أدّت معارضة الحظر المفروض على قطر بقيادة السعودية إلى حثّ تركيا وإيران على تنسيق سياساتهما جزئياً. لكن لا ينبغي إساءة تفسير الهواجس المشتركة حول هذه المسألة واستفتاء الاستقلال الكردي في العراق واعتبارها إشارة لنشوء تحالف تركي إيراني. ففي الواقع، عكست ردودهما مصالح تلاقت مؤقّتاً من دون أن تفضي إلى تبديد شكوك كلّ طرف بأهداف الطرف الآخر.

المبارزة على نظام إقليمي جديد

لقد كوّنت تركيا نظرتها عن إيران ليس بالاستناد إلى أعمال طهران فحسب، بل إلى أعمال دول أخرى أيضاً. فتعتبر تركيا سياسات السعودية ومصر والإمارات والبحرين وإسرائيل والولايات المتحدة مهمّة لها. وتراود أنقرة هواجس حول هذه السياسات توازي التهديد المتصوَّر من إيران، هذا إن لم تفقْه.

وتعتبر تركيا أنّ العداوة العلنية التي تظهرها إسرائيل وبعض الدول العربية المتحالفة مع المملكة العربية السعودية (مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين) تجاه إيران تشكّل جزءاً من بحثها عن نظام إقليمي جديد قد يتضمّن قمع المجموعات الإسلامية. وتجد تركيا أنّ انقلاب العام 2013 في مصر والحظر على قطر يبرّران هذا الاعتقاد. ونظراً إلى أنّ الشراكة السعودية الإماراتية تتطلّع إلى تركيا والحركات الإسلامية السياسية الإقليمية من المنظار عينه، تعتبر أنقرة أنّ بحث الدول الخليجية العربية عن نظام إقليمي جديد أمرٌ يستهدف تركيا ومصالحها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

على ضوء هذه الاعتبارات، من المستبعد أن تنضمّ أنقرة إلى الجبهة المعادية لإيران على الرغم من اعتراضات المملكة العربية السعودية. علاوة على ذلك، بالنسبة إلى أنقرة، لن تتمكّن الجبهة المعادية لإيران من إضعاف نفوذ طهران إلّا بمساعدة عمل عسكري أمريكي، ولهذا الأمر تداعيات كارثية على المنطقة. زد على ذلك أنّ إيران تتمتّع بقدرة كبيرة على تقويض مصالح تركيا القومية الأساسية في جوارها إن أرادت ذلك.

في النهاية، فيما تنظر المملكة العربية السعودية وإسرائيل إلى إيران على أنّها تهديد وجودي ينبغي بهما أن تواجهاه، تعتبر أنقرة طهران خصماً وجاراً إقليمياً يجدر بها أن تتنافس معه حيناً وأن تتعاون معه حيناً آخر. ولا يعني ذلك أنّ تركيا سترفض أيّ خطّة تهدف إلى الحدّ من نفوذ إيران في جوارها، ولا سيّما خطّة من وليدة أفكار القوى العالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا. لكن بهدف أن تقبل تركيا بها، على هذه الخطّة أن تستثني تغيير النظام في إيران أو المواجهة العسكرية معها.

* غالب دالاي-زميل غير مقيم - مركز بروكنجز الدوحة
https://www.brookings.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق