بقلم: إستر لاندهاش

تَعجُّ الحياةُ بالتفاعلات العصبية، فالرأسُ يلتفتُ إلى الأصوات، وعضلاتُ الأرجل تتأهَّب لدى سماع طلقٍ ناري إعلانًا لبدء سباقٍ، والفئران العطشى تهرع نحو رذاذات الماء عند تدريبها على الاستجابة لنغمةٍ معينة.

ومن المعلوم أن الآليات التي تقف وراء مثل هذه السلوكيات المرتبطة بالحصول على مكافأة يصعب فهمها. فالخلايا العصبية غالبًا ما تتسلَّل عبر مناطق عديدة من الدماغ، وتستطيع محاورها الطويلة وتفرّعاتها الشجرية الكثيفة أن تنخرط في محادثات خلوية مع الآلاف المؤلفة من الخلايا المجاورة. ويمكن أن تكون الخيوط العصبية رقيقةً للغاية، وأن يكون لموقعها بين جاراتها أهميةٌ بالغة، فأي خللٍ في الشبكات العصبية قد يؤدِّي إلى مجموعة كبيرة من الاضطرابات العصبية. رغم ذلك، "يصعب للغاية تمييز كثير من الخلايا العصبية ووسمها في آنٍ واحد، ثم تتبُّع محاورها لمعرفة اتجاه حركتها"، على حد قول شياوين تشين، اختصاصي علم الأعصاب، من معهد ألين لعلوم الدماغ في سياتل بواشنطن.

مع ذلك، يعكف الباحثون بتؤدةٍ على ابتكار الأدوات اللازمة لفكّ التعقيدات التي تنطوي عليها هذه العملية، عن طريق تسخير قوة التسلسلات الجينية، والوراثيات البصرية، وهندسة البروتينات، بهدف تتبُّع روابط الخلايا العصبية، وتسجيل نشاطها، وقياس مدخلاتها ومخرجاتها، ورسم خريطة لشبكاتها.

وتتلخَّص الطريقةُ التقليدية لوسم الخلايا في تمييزها بأصباغٍ متألقة، ثم فحصها بعد ذلك تحت المجهر. بيد أن هذه التقنية لا تسمح سوى بتَعَقُّب حفنةٍ من الخلايا في المعتاد. من هنا، ابتكر أنتوني زادور وفريقه البحثي، من مختبر كولد سبرنج هاربور، بنيويورك، أداةً لتتبُّع آلاف الخلايا المفردة بالتوازي. وبدلًا من وسم الخلايا بالأصباغ، استخدم الفريق البحثي فيروساتٍ لإدخال تسلسلٍ فريد لحمضٍ نووي ريبي أو رمز شريطي (باركود) في كل خلّية عصبية. ونجح الفريق بعد ذلك في رسم خريطة لتشابكات الخلايا العصبية مع بعضها البعض، بأخذ عيناتٍ من مناطق قريبة من مواضع حقن الفيروسات في النسيج العصبي، ثم تفتيت هذه العينات، واستخلاص الحمض النووي الريبي منها، ثم تعيين تسلسله للبحث عن الرمز الشريطي.

وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2016، نُشرت طريقة معروفة باسم «التحليل المتعدّد للمسارات العصبية عن طريق تعيين التسلسل الجيني»1، وأُطلق عليها اختصارًا تقنية MAPseq (مرجع 1). وقد عُدت هذه التقنية على نطاقٍ واسع طفرة تكنولوجية يتسنَّى من خلالها تحقيق إنتاجيةٍ عالية في مجال رسم خرائط الروابط العصبية، حسبما يقول تشين. بيد أن هذا النهج يكشف بشكلٍ تقريبي فقط اتجاهات محاورُ الخلايا العصبية، وهو ما يشبه إعطاء تفاصيل خاصة بمقاطعة ما بدلًا من إعطاء عنوان شارع محدد. من هنا، فإن تشين، الذي انضم مؤخرًا إلى مختبر زادور، كباحثٍ بمرحلة ما بعد الدكتوراه، سعى إلى كشف مزيدٍ من التفاصيل في هذا الصدد. على سبيل المثال، يقول تشين إن تقنية «التحليل المتعدّد للمسارات العصبية عن طريق تعيين التسلسل الجيني» قد تدله على أن الخلايا العصبية التي يعكف على دراستها توجد في القشرة السمعية، لكنها لا تُحدِّد في أي من الطبقات الست المُكوِّنة لتلك القشرة توجد تلك الخلايا.

ولهذا السبب، أدخل تشين تعديلًا مهمًا على هذه التقنية. فبدلًا من تعيين تسلسل الرموز الشريطية بأخذها من شرائح دماغية مفتتة، حدَّد تسلسل تلك الرموز مباشرة في الأنسجة الثابتة، ومن ثمَّ احتفظ بالمعلومات المكانية للروابط العصبية. حول ذلك، يقول: "صحيحٌ أنك ما زلت تجد أشكال المسارات العصبية ذاتها، لكن صار بإمكانك في هذه الحالة تحديد مواقع الخلايا".

هذه الطريقةُ التي يُطلَق عليها «تحديد البنى التشريحية ذات الترميز الشريطي عبر تعيين التسلسل الجيني»2 والتي تُعرف اختصارًا بتقنية BARseq، تساعد الباحثين على الربط بين أشكال المسارات العصبية وخصائص أخرى للخلايا، مثل التعبير عن جيناتٍ بعينها. على سبيل المثال، تمكَّن تشين وفريقه البحثي من الجمع بين هذه الطريقة وطريقة أخرى تُعرَف باسم «التهجين الموضعي المتألق» (FISH) إضافة إلى وسم البروتينات المستهدفة، لتحديد مختلف أنواع الخلايا العصبية.

تقنيات تصوير محدَّثة

أدخل تشين وفريقه البحثي، في عام 2021، تعديلًا آخر على هذه التقنية، إذ أضافوا إليها إمكانية تحديد نمط التعبير الجيني على مستوى الجينوم بأكمله3. ثم استخدموا بعد ذلك صورة محدثة منها، تُعرف بـ«التقنية رقم 2 لتحديد البنى التشريحية ذات الترميز الشريطي عبر تعيين التسلسل الجيني»، بهدف رسم خريطة للتعبير عن 20 بروتينًا تعرف باسم الكادهيرينات ، وهي تساعد على توجيه تطوُّر المسارات العصبية. وقد وجد هؤلاء الباحثون أن الأنماط المتشابهة من المسارات العصبية تُعبِّر عن مجموعات متشابهة من الكادهيرينات، حتى عندما تنشأ في مناطق مختلفة من الدماغ. حول ذلك، يقول تشين: "رصدنا الطابع نفسه في منطقتين قشريتين مختلفتين، وهذا يُعزِّز اعتقادنا بأننا توصلنا إلى شيءٍ قد يعكس التنظيم العام لبنية القشرة، وليس مجرد سماتٍ تخص منطقة قشرية بعينها، أو خللٍ في البيانات". ويضيف تشين أن استخدام «التقنية رقم 2 لتحديد البنى التشريحية ذات الترميز الشريطي عبر تعيين التسلسل الجيني» في وقتٍ مبكر خلال النمو، يمكن أيضًا أن يعزز فهمنا للكيفية التي تعمل بها هذه الجزيئات على "توجيه تكوُّن المسارات العصبية".

تعني القدرةَ على اكتشاف العلاقة بين الخريطة المكانية للخلايا والتعبير الجيني أنه يتسنَّى حاليًا للعلماء بدء الإجابة عن سؤالٍ طُرح منذ وقتٍ طويل: هل مجموعات الخلايا العصبية التي تشترك في نمطٌ جزيئي معين تتشابه في روابطها العصبية؟ تطرح هونجكوي زنج، مديرة معهد ألين، السؤال بصيغةٍ أخرى: "هل يمكن استخدام أنماط التعبير الجيني في التنبؤ بالأماكن التي ترسل الخلايا إشاراتها إليها؟"

ويستخدم باحثون آخرون الفيروسات المُشفَّرة للإجابة عن أسئلة مختلفة. فعلى سبيل المثال، تمكَّن فريقٌ بحثي بقيادة فرانسيسكو كوينتانا، اختصاصي علم المناعة العصبية بكلية طب هارفارد في بوسطن، بولاية ماساتشوستس، من ابتكار «تقنية الكشف عن تفاعل الرمز الشريطي لفيروس السُعار متبوعًا بتعيين التسلسل الجيني» والتي تُعرف اختصارًا باسم تقنية RABID-seq، لفحص آليّات التفاعل بين خلية عصبية وأخرى في الجسم الحي4. وتَستخدم هذه التقنية فيروسًا جرى تعديله عن طريق الهندسة الوراثية ليُصيب الخلايا المراد دراستها فقط، ومن ثمَّ يُعبِّر عن "رمز شريطي" مع انتشاره من خليةٍ إلى خلية. وهذا يُساعد الباحثين على تحديد أي الخلايا تتفاعل معًا، ثمّ تحديد المسارات الجزيئية التي قد تلعب دور الوسيط في هذه التفاعلات. كذلك أجرى كوينتانا وفريقه البحثي تعديلًا على الفيروس باستخدام الهندسة الوراثية من أجل تحفيز الخلايا على إنتاج البروتين القرمزي المتألق المعروف باسم mCherry، ومن ثمَّ استطاعوا عزل الخلايا المصابة بالفيروس باستخدام جهاز لفرز الخلايا، ثم فحصوا الآليات التي تدخل في هذه العملية في تجارب لاحقة. في ذلك الصدد، يقول كوينتانا: "يغطي هذا النهج العملية بأكملها، ابتداءً من تحديد نوعية الخلايا التي تتفاعل معًا وصولًا إلى تحديد ماهية الآليات والخلايا التي يمكن استهدافها بالعلاجات".

وفي معهد ألين، تمكَّنت الباحثة زنج وفريقها البحثي من تخليق "فيروسات مُعزِّزَة"، لتقود عملية التعبير عن جينات مُستهدَفة في أنواعٍ مُحدَّدة من الخلايا6،5. إذ لجأ الفريق البحثي إلى تعيين تسلسل الحمض النووي الريبي لخلايا مُفرَدة، إضافةً إلى تقنية «تحليل إمكانية الوصول إلى الكروماتين عبر إنزيم الترانسبوزاز باستخدام تعيين التسلسل الجيني» في خلايا مفردة، ( اختصارًا تقنية ATAC-seq)، بهدف تحديد أجزاء الحمض النووي التي يُمكن أن تصل إليها البروتيناتُ المسؤولة عن تنظيم نسخ الجينات. وتقول زنج إنها تمكَّنت، بعد ذلك، بالتعاون مع فريقها، من إدخال أجزاء الحمض النووي المُنظِّمة تلك إلى داخل الفيروسات، كي تُحفِّز التعبير عن جيناتٍ بعينها في أنواعٍ محدّدة من الخلايا في الشرائح الدماغية، بل وحتى في أنواعٍ أخرى، وأنسجة يتعذَّر عادة إخضاعُها للطرق الجينية.

ومن جانبه يعتزم روي كوستا، اختصاصي علم الأعصاب من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، استخدام الفيروسات المعزِّزة لتوضيح الأدوار التي تؤديها خلايا الفئران العصبية المستجيبة للناقل العصبي دوبامين في أثناء التعلّم والمكافأة والحركة. كما يُخطّط لدراسة مدى التباين في قابلية التعرُّض للإصابة بالتنكُّس العصبي. فالمعروف أن مثل هذه الخلايا العصبية المرتبطة بالدوبامين تُفقَد في حالاتٍ مرَضية معيّنة، مثل داء باركنسون.

دورٌ فعال للضوء

ويعكف علماء آخرون على تطوير طرق مُبتكَرة لسبر أسرار نشاط الخلايا العصبية، باستخدام تقنيات الوراثيات البصرية، وهي تقنياتٌ تستخدم الضوء للتحكم في الخلايا.

ويستخدم العلماء في العادة إنزيمًا يُسمى Cre recombinase، لتنشيط الجينات أو تثبيطها في أنواعٍ محددة من الخلايا، أو للاستجابةً لمُنبِّهاتٍ وراثية أو كيميائية. ففي عام 2016، على سبيل المثال، أمكن لفريقين مستقلين من الباحثين التحكم في هذا الإنزيم عبر الضوء. وقد اعتمدت الطريقة التي اتَّبعها الفريقان على شطر الإنزيم إلى جزأين لا ينشطان إلا عند جمعهما معًا مرة أخرى باستخدام ضوء أزرق8،7. بيد أن ذلك استدعى حقن الأنسجة بجينين مستقلين مُعدَّلين بالهندسة الوراثية، كما تطلَّب الأمرُ التعبير عن هذين الجينين بنسبٍ متشابهة كي تُفلح التقنية. وفي هذا السياق، يقول جايل إيفيرت، اختصاصي الوراثة الجزيئية في المدرسة العليا للأساتذة في ليون بفرنسا: "إذا استطعت التحكم في إنزيم Cre recombinase عبر بروتينٍ أحادي السلسلة، فعندئذٍ يمكن أن تصبح تجاربُك أكفأ وأسرع".

وفي سبيل التوصل إلى طريقة أكثر فاعلية، درس فريق إيفيرت البنية البلّورية للإنزيم البروتيني Cre recombinase بتدقيقٍ شديد، بحثًا عن أجزاء الإنزيم التي قد يتسنَّى له الاستفادة منها للتحكم فيه باستخدام الضوء. كما بحث أعضاءُ الفريق عن مناطق "يستطيعون تنشيطها، أو التأثير فيها، للحصول على مفتاح تشغيل"، حسبما تقول إيفيرت. وقد نجحوا في رصد عدّة أجزاء لولبية ضرورية لنشاط الإنزيم، ثم دمجوا في تلك المواضع نطاقًا يستجيب للضوء استُمِد من نبات الشوفان. وكانت النتيجة إنزيم LiCre، وهو إنزيمٌ يمكن تنشيطه في غضون دقائق، وتصل شدة تأثيره إلى مستوى أعلى بكثير مقارنةً بما كان عليه الحال في الأنظمة السابقة9.

من جهة أخرى، يسعى ستيفن وايلر، وهو باحثٌ بمرحلة ما بعد الدكتوراه في المركز الطبي التابع لجامعة جنوب غرب تكساس في دالاس إلى استخدام إنزيم LiCre في فحص مجموعات أجسام الخلايا العصبية المُسماة بالعقد العصبية، من أجل الوصول إلى فهم أكبر للكيفية التي تُسهم بها الإشاراتُ العصبية الصادرة من مختلف الأنسجة في احتفاظ الدماغ بثباته من الناحية الأيضية. ونظرًا إلى أن العقد العصبية هي بِنىً هشّة، يمكن أن تتلف بسهولة، فمن "المأمول أن يُتيح استخدام إنزيم LiCre إمكانية التحكم المكاني والزماني في نشاط هذا الإنزيم دون إلحاق ضررٍ بالخلايا العصبية"، على حد قول وايلر.

ابتكر الباحثون أيضًا مُستشعراتٍ تقيس ديناميكيات الكالسيوم داخل الخلايا الحية. ومن المعروف أن نِسَب الكالسيوم تلعب دورًا بالغ الأهمية في القرارات البيولوجية، فمن الممكن أن تُقرِّر، على سبيل المثال، متى تنقبض بعض الخلايا العضلية، أو متى تبدأ الدخول في مرحلة الموت المبرمج (الاستماتة). ومن ثم، فإن التقدير الكمي الدقيق لتلك النسب من شأنه أن يُساعد العلماء على إعداد نماذج تعكس سلوك الخلايا. وصحيحٌ أن أغلب الأدوات المتوفرة حاليًا قادرةٌ على تحديد ما إذا كانت نسب الكالسيوم تشهد ارتفاعًا أو انخفاضًا، "لكن تحديد التركيزات الفعلية للكالسيوم يكاد يكون مستحيلًا"، طبقًا لما أدلى به يواخيم جويدارت، اختصاصي بيولوجيا الخلايا من جامعة أمستردام.

وتعتمد هذه التقنيات بشكلٍ عام على استخدام بروتيناتٍ تتألق في وجود الكالسيوم، لكن مستوى التألق يمكن أيضًا أن يتأثر بظروف التجربة، والتي من بينها الأسّ الهيدروجيني، ومقدار المادة المُستخدمة في الكشف عن الكالسيوم، وسُمْك العيّنة. ومن بين الطرق التي تساعد على تجنّب مثل هذه التعقيدات: قياس "عمر التألق"، ويقصد به قياس الزمن الذي تقضيه الفلوروفورات (حاملات اللون) في حالة الاستثارة بعد امتصاصها للفوتون، بدلًا من قياس شدة التألق.

وللاستفادة من هذه الخاصية، أدخل جويدارت وفريقه البحثي تعديلًا على بنية بروتين ذي تألق فيروزي اللون، لزيادة عمره ولمعانه، وأضاف الفريق نطاقًا بروتينيًا حساسًا للكالسيوم10. وكانت النتيجة مسبارًا قادرًا على إعطاء قياساتٍ موثوقٍ بها لنسب الكالسيوم في الخلايا المفردة والأنسجة متعددة الخلايا.

ويُخطط هيلموت كيسيلز، اختصاصي علم الأعصاب من جامعة أمستردام، بالتعاون مع فريقه البحثي، لاستخدام هذا المسبار لفحص شرائح من دماغ فأر، بهدف معرفة ما إذا كانت نسب الكالسيوم داخل الخلايا تنخفض مع تقدم العمر، أو تنخفض كلما بدت على الخلايا أو الأنسجة دلائلُ الإصابة بمرض ألزهايمر. وينصبّ اهتمام كيسيلز على الوصول إلى قياساتٍ لا تتأثر بتغيُّر سُمْك العيّنة إذ يقول: "نظرًا إلى أن إشارة هذا المسبار تُقاس استنادًا إلى عمر التألق، فلا بدَّ ألا يكون ذلك مرتبطًا بعمق النسيج".

ومن القيود المُحتَملة التي تواجه استخدام مثل هذه الواسمات المتألقة، محدودية السرعة التي يعمل بها كثير من المَجَاهر. فالمجهر الذي يستخدمه جويدارت في الوقت الراهن مثلًا، لا يستطيع أن يُسجِّل قياساتٍ بمعدل أسرع من مرة واحدة في كل 1.6 ثانية، وهو ما قد يقلل من جدوى استخدام مثل هذه المَجَاهر في مجال علم الأعصاب، نظرًا إلى أن تذبذبات نسب الكالسيوم ترتبط بمعدل إطلاق الخلية العصبية للإشارات، والذي يبلغ نحو 200 مرة في الثانية. لكن المَجَاهر الأسرع متوفرة بالفعل، فقد صَمَّمت بعض المختبرات مجاهرها الخاصة، ويتيح بعض الموردين التجاريين نسخًا من تلك المجاهر، مثل شركة «لايكا مايكروسِيستمز» Leica Microsystems في مدينة فتسلر بألمانيا، وشركة «بيكوكوانت» Picoquant في برلين.

الإشارات المتقاطعة

هناك أيضًا عائقٌ آخر يعترض مناحي شتى، يتمثل في أن مؤشِّرات الكالسيوم "لا تُتيح للباحثين قراءة النشاط العصبي إلا لحظة حدوثه"، حسبما تقول كرستينا كيم، اختصاصية علم الأعصاب، والتي بدأت الشهر الماضي تأسيس مختبرها بجامعة كاليفورنيا في دافيس. وترى كيم أن هذا عائقٌ لأنك إذا أردتَ التأثير في الخلايا العصبية، أو دراسة بنيتها الجزيئية بدقة، فلا بدَّ أن تكون قادرًا على تحديد أي الخلايا العصبية ذات صلةٍ بسلوك معين.

وقد ابتكرت كيم بالتعاون مع زميلها ماتيو سانشيث، الباحث بمرحلة ما بعد الدكتوراه في أثناء عملها في مختبر أليس تينج للبيولوجيا الكيميائية بجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا طريقةً تفي بهذا الغرض تمامًا.

وترتكز الطريقة على تقنية «التعبير السريع المنظَّم بالضوء والنشاط»، وهي تقنيةٌ ابتكرها مختبر تينج في وقتٍ سابق، وتُعرَف اختصارًا بتقنية FLARE. ومثل كثير من المُستشعرات المُشفَّرة جينيًا، تجمع تقنية FLARE بين قياس الكالسيوم واستشعار الضوء، على نحوٍ يُتيح رصد مجموعات من الخلايا العصبية التي تكون في حالة نشاط خلال إطار زمني محدد. لكن الطريقة التي اتَّبعتها كيم تذهب خطوة أبعد من ذلك، فعند اكتشاف تركيزات الكالسيوم المرتفعة، ووجود ضوء أزرق، تتسبَّب في أن ينتقل أحد البروتينات الموجودة في الغشاء إلى نواة الخلية، وأن يبدأ تحفيز عملية النسخ التي تُفضِي إلى تكوين بروتين متألّق كاشف11. وهذا من شأنه أن يُتيح سجلًا أطول أمدًا لنشاط الخلايا، ويسمح بتحليل هذه الخلايا نفسها لاحقًا، من أجل معرفة مزيد من خصائصها.

لكن تينج تقول إن استخدام تقنية FLARE يشوبه "قدرٌ ملموس من التشويش الخلفي المتسرب"، فتعطي هذه التقنية إشاراتٍ حتى عند غياب الضوء والكالسيوم. ونظرًا إلى أن الخلايا العصبية يجب تعريضها لتقنية FLARE لمدة 10 دقائق على الأقل، فإن هذه التقنية تُعَدّ أبطأ من اللازم إذ يتعذَّر استخدامها في دراسة السلوكيات السريعة في الجسم الحي، على حد قول تينج.

من هنا، أدخلت كيم، بالتعاون مع زميلها سانشيث، تعديلين جوهريين على تقنية FLARE من أجل تحسينها. أما التعديل الأول، فهو تقوية الإشارة، عن طريق استخدام إنزيم أكثر كفاءة، للتحكّم في تنقّل عامل النسخ. وأما التعديل الثاني فيتمثَّل في تحسين خصائص الجزيء المُستشعِر للضوء، من أجل الحدِّ من كمية تسرب التشويش الخلفي.

وباستخدام هذه الطريقة المحسَّنة التي يُطلَق عليها «التعبير السريع المنظَّم بالضوء والكالسيوم»، والتي تُعرف اختصارًا بتقنية FLiCRE، يمكن رصد الخلايا التي تُنشَّط لفترة زمنية قصيرة قد لا تتجاوز دقيقةً واحدة، ووسمها. وفي دراسةٍ12 نُشرت في ديسمبر من عام 2020، استخدمت كيم وفريقها البحثي هذه التقنية في تجارب على الفئران لرصد ووسم الخلايا التي تساعد على تنظيم سلوكيات النفور -مثل تجنّب التعرُّض لصدمةٍ كهربائية، أو تجنّب التعرُّض لرائحةٍ مُنفِّرة- ومن ثمَّ تساعد على تحفيز الخلايا العصبية المناسبة دون تعريض الفأر فعليًا للمثير غير المرغوب.

تعميق الفهم

رغم غزارة ما تكشف عنه نسب الكالسيوم والخصائص الخلوية الأخرى من معلوماتِ عن الدوائر العصبية، فإن الإجابة عن بعض أعمق الأسئلة في مجال علم الأعصاب لا تزال تتطلَّب طرقًا أخرى. فيقول كاسبر بودجورسكي، اختصاصي علم الأعصاب من مجمع جانيليا للأبحاث التابع لمعهد هوارد هيوز الطبي، في آشبورن، بولاية فرجينيا: "تصويرُ الكالسيوم يمكن أن يُعينَك على تحديد أي خلية عصبية تُطلق إشاراتٍ عصبية كهربية في أثناء مهمة معينة، لكنه لا يدلُّك على سبب إطلاقها تلك الإشارات"، ومن ثمَّ فإن فهم السبب الذي يجعل خليةً عصبية ما تُطلق إشاراتٍ، يتطلب قياس ما يَرِد إلى تلك الخلية من إشاراتٍ.

وثمة مجموعةٌ من المُستشعرات تساعد الباحثين حاليًا على قياس تلك الإشارات الواردة إلى الخلايا العصبية. فعلى سبيل المثال، ثمة نوعان من هذه المُستشعرات، أحدهما يُعرَف باسم dLight1 (مرجع 1)، والآخر باسم GRABDA (مرجع 1414)، وهما يرصدان أي تغيُّراتٍ تحدث في مستوى الدوبامين. وترصد عائلةُ مُستشعرات GACh انتقال الأسيتيل كولين، ذلك الناقل العصبي المهم الذي يلعب دورًا في توسيع الأوعية الدموية وإبطاء ضربات القلب15. وهناك أيضًا مُستشعرات الدوبامين المُزاحة نحو الطيف الأحمر، والتي تُعرَف اختصارًا باسم (RdLight1)16، وهذه يمكن الجمع بينها وبين المُستشعرات القائمة على البروتين المتألق الأخضر، لإعطاء العلماء رؤية أكثر دقةً ووضوحًا عن أنظمة الخلايا العصبية.

التواصل بين الخلايا العصبية مذهل على حد وصف بودجورسكي الذي يُوضِّح هذا قائلًا: "تستقبل الخلايا العصبية آلاف الإشارات، ويمكن القول إن الإشارات تنهال عليها". وبطريقةٍ ما أو بأخرى، تُحلِّل هذه الخلايا تلك الإشارات على نحوٍ يجعل ما تستقبله من هذه الإشارات ذا معنى ومغزى، ثم تترجمه بعد ذلك إلى السلوكيات المناسبة للموقف. ويضيف بودجورسكي: "القضيةُ المحورية هنا هي العمليات الحسابية العصبية: كيف تتدفق المعلومات عبر الشبكة العصبية؟ وكيف تُحوَّل الإشاراتُ الواردة إلى إشاراتٍ صادرة؟ وما مصير هذا النشاط العصبي؟ أعتقد أننا أوشكنا على أن نصبح قادرين على دراسة العمليات الحسابية العصبية باستفاضة".

اضف تعليق