جريمة الخطف تثير إشكالًا قانونيًا حول كونها جريمة وقتية أم مستمرة. الفقه الجنائي يميل إلى اعتبارها مستمرة ما دام الاحتجاز قائمًا، لأن الزمن عنصر جوهري في تقييد الحرية. لكن قرارًا حديثًا لمحكمة التمييز الاتحادية عدّها جريمة وقتية تتحقق عند وقوع الخطف، وهو توجه يثير تعارضًا مع نصوص عقابية تجعل...
إن جريمة الخطف تُعد من الجرائم الخطرة التي تمس أمن واستقرار البلاد والمجتمع، وهذا دعا المشرّع إلى اعتبارها من الجرائم المهمة، وجعلها جناية تصل عقوبتها إلى الإعدام، وعلى وفق ما ورد في المادة (421) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل[1].
كما اعتُبرت من الجرائم الإرهابية إذا ما اقترنت بالطابع السياسي أو الابتزاز المالي، وعلى وفق أحكام المادة (2/ثامنًا) من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، التي جاء فيها الآتي: «تُعد الأفعال الآتية من الأفعال الإرهابية: خطف أو تقييد حريات الأفراد أو احتجازهم أو للابتزاز المالي لأغراض ذات طابع سياسي أو طائفي أو قومي أو ديني أو عنصر نفعي من شأنه تهديد الأمن والوحدة الوطنية والتشجيع على الإرهاب».
ومن أهم عناصر الخطف عنصر الزمن عند حجز المخطوف وتقييد حريته، حيث يُعد الركن المادي للجريمة. وحيث إن الخطف، كما ورد في المادة (421)، هو: «القبض على شخص أو حجزه أو حرمانه من حريته بأية وسيلة كانت، بدون أمر من سلطة مختصة، في غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين والأنظمة بذلك»، ويتحقق الركن المادي للجريمة بتحقق الاعتداء على الحرية الشخصية بالقبض على شخص أو بحجزه وحرمانه من حريته لمدة من الزمن، مما يجعل الجريمة من الجرائم المستمرة[2]. وبذلك، فإن عنصر الزمن من أهم عناصر الاحتجاز.
موقف فقه القانون الجنائي
يرى شُرّاح القانون أن تحريك الشكوى في بعض التشريعات يجب أن يكون ضمن مدة محددة، فإذا انقضت سقط الحق في الشكوى. وهذا ما يشير إليه الفقه المصري، حيث يكون تاريخ بداية المدة المحددة لطلب تحريك الشكوى هو اليوم الذي ينتهي فيه الاحتجاز. وهذا الرأي له جذر تاريخي في الفقه، ومن قال به المستشار جندي عبد الملك[3]، والدكتور محمود نجيب حسني[4]، والدكتور سليمان عبد المنعم[5]، ومن العراقيين الدكتور جمال إبراهيم الحيدري[6].
موقف القضاء العراقي
في قرار صدر عن محكمة التمييز الاتحادية بتاريخ 17/8/2026، اعتبرت فيه جريمة الخطف من الجرائم الوقتية، وليس من الجرائم المستمرة، حيث جاء في القرار الآتي: «وجد بأنه غير صحيح ومخالف لأحكام القانون، ذلك أن ما ذهبت إليه اللجنة بقرارها المميز، بأن جريمة خطف المشتكي من الجرائم المستمرة، لا سند له من أحكام القانون، وأن أركان الجريمة تحققت من تاريخ وقوعها ونقل المخطوف من مكان تواجده وحجزه في مكان آخر، ولا عبرة بتاريخ تحريره من قبل القوات الأمنية أو هروبه».
إن المبدأ أعلاه يُعد توجهًا جديدًا للقضاء العراقي، حيث يربط الجريمة بوقت وقوعها فقط، أما استمرار حجز المخطوف فلا محل له في توصيف الجريمة، على خلاف ما تقدم ذكره من موقف الفقه الجنائي.
كما أنه يتعارض مع ما ورد في قانون العقوبات، الذي جعل من عنصر استمرار الحجز لمدة خمسة عشر يومًا أو أكثر ظرفًا مشددًا، وعلى وفق أحكام المادة (421/د) عقوبات، التي جاء فيها: «يعاقب بالإعدام من قبض على شخص أو حجزه أو حرمه من حريته بأية وسيلة كانت، بدون أمر من سلطة مختصة، في غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين والأنظمة بذلك. وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على (15) خمس عشرة سنة في الأحوال الآتية: د- إذا زادت مدة القبض أو الحجز أو الحرمان من الحرية على (15) خمسة عشر يومًا».
كما اعتبر القانون عنصر الزمن عذرًا قانونيًا مخففًا، وعلى وفق ما ورد في المادة (426/1) عقوبات، التي جاء فيها: «إذا لم يحدث الخاطف أذى بالمخطوف، وتركه قبل انقضاء ثمانٍ وأربعين ساعة من وقت الخطف في مكان أمين يسهل عليه الرجوع منه إلى أهله، تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة».
وهذه التوقيتات الواردة في النصوص العقابية أعلاه هي امتدادات زمنية تأخذ وقتًا، مما يعني أن الفعل يبقى مستمرًا، وأن القصد الجنائي للفاعل قائم طوال فترة الاحتجاز، وهذا ما يجعل منها جريمة مستمرة.



اضف تعليق