أزمة الفساد في العراق تكشف أن المشكلة ليست في ضعف المؤسسات فحسب، بل في غياب فلسفة قانونية متماسكة، فالقانون الذي لا يحقق العدالة يفقد شرعيته، مهما كان شكله منسجماً مع القواعد الإجرائية التي وردت في الدستور، وهذا امر ضعيف جداً في ما عليه الحال من هيمنة أدوات الفساد...

يشهد العراق منذ عام 2003 أزمة ثقة عميقة بين الشعب والسلطات، خصوصًا فيما يتعلق بادعاءات محاربة الفساد، وهذه الأزمة ليست مجرد خلل إداري أو سياسي، بل اصبحت أزمة فلسفية تتعلق بتعريف القانون ذاته، فهل القانون هو ما تصدره السلطة، أم ما يحقق العدالة؟

 وهذا السؤال الفلسفي طرحه اكثر من كاتب في فلسفة القانون سواء من العرب او الغربيين، وعند مطالعتي لكتاب فلسفة القانون للكاتب الفرنسي المعاصر ميشيل تروبير ويعد أحد أبرز فقهاء القانون الدستوري والفلسفة القانونية في فرنسا، وتوارد مع القراءة هاجس مكافحة الفساد في العراق فهل تكون لفلسفة القانون حضور في ذلك، سواء بتحليل الظاهرة وتأصيلها او في طرح الحلول والمعالجة.

 فوجدت ان ميشيل تروبير، يقول في كتابه أعلاه (ص7)، بان القانون ليس مجرد نصوص، بل انعكاس لاختيارات فلسفية وسياسية، فإذا كان القانون يُسن لتحقيق العدالة، يكتسب شرعية أخلاقية، أما إذا كان مجرد أداة بيد السلطة، فإنه يتحول إلى وسيلة للهيمنة على مقدرات البلدان واستعباد الشعوب وفي العراق، وبعد تجربة فاعلية الأجهزة الرقابية او أجهزة انفاذ القانون وتطبيقه وعلى مدى اكثر من عقدين تولد لدى المواطن العراقي شعور بأن القوانين والهيئات الرقابية تُستخدم لحماية المتنفذين أو لتصفية حسابات سياسية، لا لتحقيق العدالة، مما يفقد القانون جوهره.

ويرى احد فلاسفة القانون (هانس كلسن) أن القانون هو كل قاعدة صادرة عن سلطة شرعية، بغض النظر عن مضمونها، هذا المنظور هو ما تتبناه السلطات العراقية في خطابها، حيث تركز على الشكل (صدور النص) دون المضمون (تحقيق العدالة)، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال خطابات المختصين من المسؤولين في سدة الحكم في العراق، لأن هذا المنظور، وإن كان يحقق انسجامًا شكلياً، فشل في إقناع الشعب الذي يرى أن القانون فقد وظيفته الأساسية، التي تتمثل بتحقيق العدالة للجميع والحفاظ على المال العام وتوزيع الثروات على الجميع بالتساوي وعلى وفق الاستحقاقات الفعلية.

بينما على النقيض من هذه الرؤية هناك من يرى أن الشرعية لا تُستمد من السلطة وحدها، بل من توافق القاعدة مع مبادئ العدل، ويكاد الشعب العراقي يميل إلى هذا المنظور، ويستدل على ذلك من خلال الخطاب الجماهيري المتمثل بمطالباتهم عبر الاحتجاج والتظاهر، حيث يعتبرون أن قوانين مكافحة الفساد لا تستحق وصف (قانون) لأنها لا تُطبَّق على الجميع ولا تحقق المساواة، وهذه الرؤية كان ميشيل تروبير قد طرحها في كتابه أعلاه، عندما ضرب مثالاً عن القوانين النازية، وتساؤله هل يمكن اعتبارها قوانين لمجرد صدورها عن سلطة سياسية؟، وقام بتحليلها، الا انه وصل الى نتائج متعدد تعتمد كل واحدة على الجهة التي تنظر الى القانون من زاويتها، وفي العراق أرى ان الشعب العراقي لا يرى في تلك القوانين العدالة المنشودة.

ومن اهم ما خلصت اليه القراءة الفلسفية لما عليه الحال في قوانين مكافحة الفساد، فإنها اشارت الى عدة مؤشرات منها، ان النصوص الصادرة عن السلطة، والتي لا تحظى بثقة الشعب لا يعتبرها المواطن العراقي بمثابة القانون العادل، لأنه يربط الشرعية بالعدالة، وهذه هي اهم مطالب المحتجين في كل مناسبة تتاح لهم في التعبير عن آرائهم.

لذلك طالما أزمة ثقة الشعب قائمة تجاه القانون والسلطة التي تسنه او تطبقه او التي تنفذه، فإنها قد تتحول إلى أزمة مفاهيم تتعلق بتعريف القانون نفسه، حيث يرى الشعب أن القانون أصبح غطاءً للفساد بدلًا من أداة لمكافحته.

لذلك فان أزمة الفساد في العراق تكشف أن المشكلة ليست في ضعف المؤسسات فحسب، بل في غياب فلسفة قانونية متماسكة، فالقانون الذي لا يحقق العدالة يفقد شرعيته، مهما كان شكله منسجماً مع القواعد الإجرائية التي وردت في الدستور، ولربما، وهذا امر ضعيف جداً في ما عليه الحال من هيمنة أدوات الفساد على مفاصل السلطات، أقول لربما قد يكون الحل في إعادة بناء المنظومة القانونية على أساس فلسفة تجمع بين الشكل والمضمون، بين السلطة والعدالة، بحيث يستعيد القانون وظيفته كأداة لتحقيق المصلحة العامة وليس لتكريس الفساد، وهذه تعتمد على قوى أخرى غير التي تتحكم الان في مقدرات البلد، قوى تؤمن بالعدالة ومنح الاستحقاق الدستوري للجميع، وليس قوى تؤمن بان وجودها للحصول على المغانم والمكاسب التي وصلت بالعراق الى حافة الإفلاس والمواطن يكوى بنار الحاجة والفاقة.

* قاضٍ متقاعد

اضف تعليق