كان الأب يقترب من نوافذ السيارات المتوقفة عند الإشارة مردداً العبارة ذاتها، ساعدوني... الطفل مريض، لم يكن المشهد عادياً فالرضيع الذي يفترض أن يكون في غرفة باردة، أو بين يدي طبيب، أو داخل منزل يوفر له الحد الأدنى من الأمان، تحول إلى وسيلة لاستدرار التعاطف في منتصف شارع يغلي بحرارة الصيف...
كانت الشمس معلقة فوق المدينة ككتلة من النار. حتى السيارات المتوقفة بدت وكأنها تحتمي بظلال الجدران. وعلى جانب أحد التقاطعات المزدحمة وقف رجل يحمل بين ذراعيه رضيعاً لا يتجاوز عمره بضعة أشهر.
كان الطفل غارقاً في نومٍ متقطع، يوقظه الحر بين لحظة وأخرى، فيما كان الأب يقترب من نوافذ السيارات المتوقفة عند الإشارة مردداً العبارة ذاتها:
"ساعدوني... الطفل مريض."
لم يكن المشهد عادياً.
فالرضيع الذي يفترض أن يكون في غرفة باردة، أو بين يدي طبيب، أو داخل منزل يوفر له الحد الأدنى من الأمان، تحول إلى وسيلة لاستدرار التعاطف في منتصف شارع يغلي بحرارة الصيف.
وبينما كانت السيارات تتابع سيرها، بقي سؤال واحد عالقاً في الذهن:
من هو المريض حقاً؟
هل هو هذا الطفل الصغير؟
أم مجتمع اعتاد رؤية الأطفال في الشوارع حتى فقد القدرة على الدهشة؟
المشكلة لا تبدأ عند ذلك الأب الذي يحمل ابنه بين السيارات، كما لا تنتهي عند السائق الذي يمد يده بورقة نقدية ثم يمضي. فخلف هذا المشهد تختبئ قصة أكبر بكثير من شخص واحد أو أسرة واحدة. إنها قصة منظومة كاملة تتجسد أزماتها في وجه طفل لا يدرك لماذا وجد نفسه وسط الزحام والحر والضجيج.
في العراق لم تعد ظاهرة التسول وعمالة الأطفال حالات متناثرة يمكن التعامل معها بوصفها استثناءات اجتماعية. لقد تحولت في كثير من المدن إلى جزء من المشهد اليومي؛ عند التقاطعات المرورية، وفي الأسواق الشعبية، وأمام المطاعم والمراكز التجارية ودور العبادة. والخطر الحقيقي لا يكمن في انتشارها فحسب، وإنما في تحولها إلى مشهد مألوف لم يعد يثير الصدمة التي يستحقها.
فالطفل عندما يغادر المدرسة إلى الشارع لا يفقد فرصة تعليمية فقط، وإنما يفقد جزءاً من مستقبله. وعندما يتعلم استجداء المارة قبل أن يتعلم القراءة والكتابة، فإن المجتمع يبدأ بخسارة أحد أبنائه قبل أن يدخل مرحلة النضج والإنتاج.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن مئات الملايين من الأطفال حول العالم ما زالوا منخرطين في أشكال مختلفة من العمل، فيما يعمل عشرات الملايين منهم في ظروف خطرة تؤثر في صحتهم وتعليمهم ونموهم الطبيعي. ورغم اختلاف السياقات بين الدول، فإن هذه الأرقام تكشف أن الظاهرة ترتبط غالباً بالفقر وضعف الحماية الاجتماعية وتراجع فرص التعليم والاستقرار الاقتصادي.
غير أن الفقر وحده لا يفسر كل شيء.
فكثير من المجتمعات الفقيرة نجحت في حماية أطفالها عبر سياسات اجتماعية فعالة، وبرامج دعم مباشر للأسر، وأنظمة تعليم قادرة على استيعاب الفئات الهشة. لذلك تبدو ظاهرة التسول وعمالة الأطفال نتاجاً لتداخل عدة عوامل في وقت واحد.
في مقدمة هذه العوامل يأتي الفقر وتراجع الدخل الأسري، ثم البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والتفكك الأسري، وضعف الوعي بأهمية التعليم، والتسرب المدرسي، فضلاً عن وجود شبكات منظمة تستغل الأطفال وتدفع بهم إلى الشوارع بوصفهم مصدراً للكسب السريع. وفي بعض الحالات يتحول الطفل إلى أداة اقتصادية داخل الأسرة نفسها، فيُحمّل مسؤوليات تفوق عمره وقدراته، ويُدفع إلى العمل أو التسول بدلاً من أن يُمنح فرصة النمو الطبيعي.
كما أن الفساد الإداري وسوء إدارة الموارد العامة يسهمان بصورة غير مباشرة في تعميق الظاهرة. فحين تتراجع كفاءة الخدمات الاجتماعية، وتضعف شبكات الحماية، وتتسع الفجوة بين الثروة والاحتياج، يصبح الأطفال أول من يدفع ثمن هذا الخلل.
ومن المؤسف أن النقاش حول الظاهرة ينحصر أحياناً بين من يبررها بالحاجة الاقتصادية، ومن يكتفي بإدانتها أخلاقياً. بينما تكمن الحقيقة في أن المسألة أعقد من ذلك بكثير. فالتسول ليس مجرد طلب للمال، وإنما مؤشر على وجود خلل أعمق في منظومة الرعاية الاجتماعية والتنمية البشرية.
فالمدن المتحضرة لا تُقاس بعدد الأبراج والجسور والمشاريع العمرانية فقط، وإنما بقدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفاً. ويأتي الأطفال في مقدمة هذه الفئات، لأنهم يمثلون رأس المال البشري الحقيقي لأي مجتمع يسعى إلى بناء مستقبله.
ولهذا فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى ما هو أبعد من حملات موسمية أو إجراءات مؤقتة. فهي تبدأ بدعم الأسر الفقيرة وتمكينها اقتصادياً، وتطوير برامج الرعاية الاجتماعية، وتعزيز الرقابة على حالات استغلال الأطفال، وإعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس، وتوسيع برامج التعليم الجاذب، فضلاً عن تفعيل القوانين الخاصة بحماية الطفولة وتطبيقها بجدية.
كما يتحمل الإعلام مسؤولية مهمة في الانتقال من عرض المشاهد المؤلمة إلى فتح نقاشات عميقة حول أسبابها وحلولها. وتمتلك المؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني دوراً مكملاً في ترسيخ ثقافة حماية الطفل وتعزيز المسؤولية المجتمعية تجاهه.
أما الأسرة، فتبقى الحلقة الأولى في الحماية. فكلما ازداد وعي الأسرة بحقوق الطفل وأهمية التعليم، تراجعت احتمالات دفع الأبناء نحو الشارع أو تركهم فريسة للاستغلال.
إن أخطر ما في الظاهرة أنها لا تسلب الطفل يومه فقط، وإنما قد تسلبه مستقبله كله. فالأطفال الذين يكبرون خارج منظومة التعليم والرعاية يصبحون أكثر عرضة للفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي مستقبلاً، وهو ما يحول المشكلة من قضية فردية إلى تحدٍ تنموي يمس المجتمع بأسره.
ذلك الرضيع الذي كان نائماً فوق كتف أبيه تحت شمس الظهيرة ربما لن يتذكر شيئاً من ذلك اليوم عندما يكبر. لكن المجتمع الذي رآه وواصل طريقه دون أن يغير شيئاً سيبقى مطالباً بالإجابة عن سؤال واحد:
كيف يمكن لأمة تتحدث عن المستقبل أن تترك مستقبلها واقفاً عند إشارات المرور؟
فالأطفال ليسوا ضحايا الفقر وحده، وإنما ضحايا كل فرصة ضاعت، وكل مؤسسة قصّرت، وكل مسؤولية تأخرت. وحين تنجح المجتمعات في حماية أطفالها، فإنها لا تنقذ جيلاً واحداً فقط، وإنما تنقذ مستقبلها كله.



اضف تعليق