بالنسبة إلى ملايين الأسر الهندية، تمثل الامتحانات الوطنية بوابة أساسية لدراسة الطب أو الالتحاق بالوظائف الحكومية، ولهذا فإن تسريب أسئلة الامتحانات لا يُنظر إليه باعتباره مخالفة فنية محدودة، بل بوصفه اعتداءً على سنوات من الدراسة وعلى مدخرات الأسر وفرص الشباب في الصعود الاجتماعي. ومع توسع الحركة، لم تعد قضية...
خلال أسابيع قليلة، انتقلت تسمية «الصراصير» في الهند من عبارة أثارت غضب الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي إلى عنوان لحركة احتجاجية أجبرت وزير التعليم على الاستقالة ودفعت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى التعهد بإصلاح نظام الامتحانات. ولم يكن هذا التحول ناتجًا من تنظيم حزبي قديم أو قيادة سياسية معروفة، بل بدأ من منشور ساخر ثم وجد بيئة اجتماعية مشحونة بالبطالة وضيق فرص العمل وتسريب أسئلة الامتحانات والشعور بتراجع المساءلة داخل المؤسسات.
وتكشف تجربة «حزب شعب الصراصير» أو «صراصير جاناتا» عن نمط جديد من الحركات السياسية التي تبدأ في الفضاء الرقمي، وتستخدم النكتة والصورة الساخرة والمقاطع القصيرة بدل الخطاب الحزبي التقليدي، قبل أن تنتقل إلى الشارع وتفرض نفسها على الحكومة والمعارضة ووسائل الإعلام. لكن نجاحها في إسقاط وزير لا يعني بالضرورة قدرتها على إسقاط رئيس الوزراء، كما أن انتشارها الرقمي لا يكفي لتحويلها إلى حزب انتخابي قادر على المنافسة في دولة بحجم الهند وتعقيداتها الاجتماعية والجغرافية والسياسية.
من هم «الصراصير»؟
«الصراصير» ليسوا جماعة اجتماعية أو طبقة مهنية محددة، بل اسم اختاره قطاع واسع من الشباب الهنود لأنفسهم بعد أن شعروا بأنهم تعرضوا للإهانة والتهميش. وتضم الحركة طلابًا وخريجين وعاطلين عن العمل وموظفين شبابًا وناشطين رقميين، إضافة إلى عائلات ومهنيين ومؤيدين لإصلاح نظام التعليم والامتحانات.
وقدّم المشاركون أنفسهم بوصفهم جيلًا لا يرى أن المؤسسات السياسية والتعليمية توفر له طريقًا عادلًا للتقدم الاجتماعي. فبالنسبة إلى ملايين الأسر الهندية، تمثل الامتحانات الوطنية بوابة أساسية لدراسة الطب أو الالتحاق بالوظائف الحكومية، ولهذا فإن تسريب أسئلة الامتحانات لا يُنظر إليه باعتباره مخالفة فنية محدودة، بل بوصفه اعتداءً على سنوات من الدراسة وعلى مدخرات الأسر وفرص الشباب في الصعود الاجتماعي.
ومع توسع الحركة، لم تعد قضية أعضائها مقتصرة على امتحان طبي أو استقالة وزير، بل أصبحت تعبيرًا أوسع عن الغضب من البطالة، وضعف الفرص الاقتصادية، وغياب المحاسبة، وطريقة تعامل المؤسسات الرسمية والإعلامية مع الشباب. وقد وصفت وكالة أسوشيتد برس الحركة بأنها أحد أبرز التحديات الجماهيرية التي واجهت حكومة مودي خلال السنوات الأخيرة، بعدما نجحت في جمع الطلاب والمهنيين والعائلات حول مطلب المساءلة الحكومية.
لماذا يحملون تسمية «الصراصير»؟
بدأت القصة في منتصف مايو/أيار 2026، عندما استخدم رئيس المحكمة العليا الهندية سوريا كانت، خلال جلسة قضائية، تشبيهًا ربط فيه بعض الشباب الذين لا يجدون وظائف أو أماكن في المهن بالإعلام والنشاط الرقمي وتقديم طلبات الحصول على المعلومات، ووصفهم بما يشبه «الصراصير» و«الطفيليات» التي تهاجم النظام. وقد قال لاحقًا إن كلامه أسيء تفسيره وإنه لم يكن يقصد عموم الشباب العاطلين عن العمل، لكن العبارة كانت قد انتشرت على نطاق واسع وأصبحت رمزًا للشعور بالإهانة.
ردّ خبير الاتصال السياسي أبهيجيت ديبكي، البالغ من العمر 30 عامًا، بمنشور ساخر تساءل فيه عما يمكن أن يحدث إذا اجتمعت «الصراصير» معًا. وانتشرت الفكرة بسرعة، ثم أنشأ ناشطون منصة ساخرة أطلقوا عليها اسم «Cockroach Janta Party»، أي «حزب شعب الصراصير». وكلمة «جاناتا» في الاستخدام السياسي الهندي تعني الشعب أو الجمهور، ولذلك حمل الاسم محاكاة ساخرة لأسماء الأحزاب الهندية، وفي الوقت نفسه عبّر عن رغبة الشباب في تحويل الوصف المهين إلى هوية جماعية مضادة.
وتكمن قوة التسمية في أنها قلبت معناها الأصلي. فبدل أن تشير إلى كائن محتقر، أصبحت لدى الحركة رمزًا للقدرة على البقاء والمقاومة وعدم الاختفاء مهما تعرض أصحابها للتهميش. ولم يحاول الشباب إنكار الوصف، بل تبنوه وأعادوا توظيفه، وهو أسلوب معروف في الحركات الاجتماعية التي تستعيد الكلمات المستخدمة ضدها وتحولها إلى أدوات للتعبئة والثقة الجماعية.
ومكّنت السخرية الحركة من مخاطبة الشباب بلغة تختلف عن الخطب الحزبية. فقد استخدمت الرسوم والميمات والشعارات الساخرة والمقاطع القصيرة للحديث عن البطالة والتضخم والامتحانات والفساد. وبحسب رويترز، جمع حساب الحركة على إنستغرام أكثر من 22 مليون متابع خلال أيام، ثم ارتفع الرقم إلى نحو 25 مليونًا، في ظاهرة عكست حجم الاستعداد الشعبي للتفاعل مع خطاب سياسي جديد وغير تقليدي.
أبهيجيت ديبكي.. من منشور ساخر إلى قيادة الشارع
تحول أبهيجيت ديبكي إلى الوجه الأكثر ظهورًا للحركة، رغم أن «الصراصير» لا تقوم على قيادة فردية كاملة. وينحدر ديبكي من أسرة داليتية في ولاية ماهاراشترا، وهي خلفية أثرت في رؤيته السياسية واهتمامه بالمساواة والعدالة الاجتماعية. وعمل سابقًا في فريق التواصل الاجتماعي التابع لحزب «آم آدمي»، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة لدراسة العلاقات العامة في بوسطن.
عاد ديبكي إلى الهند في يونيو/حزيران 2026 لقيادة أولى الاحتجاجات، وظهر حاملًا كتابًا للزعيم الدستوري بي آر أمبيدكار، أحد أبرز المدافعين عن حقوق الداليت والمساهمين في صياغة الدستور الهندي. ومنذ ذلك الوقت، حرص على تقديم الحركة بوصفها احتجاجًا سلميًا، داعيًا المشاركين إلى ضبط النفس وعدم منح السلطات مبررًا لتصويرهم باعتبارهم مصدرًا للفوضى.
وساعدت خبرته في الاتصال السياسي على إنتاج خطاب مختصر قابل للانتشار. فلم تبدأ الحركة ببرنامج اقتصادي مفصل أو هيكل تنظيمي معقد، بل بدأت برسالة واضحة مفادها أن الشباب الذين يجري تجاهلهم يستطيعون الاجتماع ومساءلة السلطة. وهذه البساطة كانت إحدى نقاط قوتها، لكنها قد تتحول مستقبلًا إلى نقطة ضعف إذا حاولت الانتقال من الاحتجاج إلى العمل الحزبي الذي يحتاج إلى برنامج وقيادات محلية وتمويل وتنظيم وانتخابات داخلية.
تسريب الامتحان يحوّل الغضب إلى احتجاج
لم يكن وصف «الصراصير» وحده كافيًا لإطلاق حركة احتجاجية واسعة. فقد جاء في وقت كانت فيه الهند تعيش أزمة جديدة تتعلق بامتحان القبول الوطني لدراسة الطب، المعروف باسم «نيت». ويعد هذا الامتحان المدخل الأساسي تقريبًا إلى كليات الطب الهندية، ويتنافس فيه ملايين الطلبة على أقل من 150 ألف مقعد.
أدى نحو مليوني طالب الامتحان في الثالث من مايو/أيار 2026، لكن الوكالة الوطنية للاختبارات ألغته بعد ظهور أدلة واتهامات تتعلق بتسريب الأسئلة. واضطر الطلبة إلى إعادة الاختبار في يونيو/حزيران، بعد أشهر وربما سنوات من التحضير والإنفاق على الدروس والمعاهد. وربطت تقارير صحفية أكثر من اثنتي عشرة حالة انتحار طلابي بالصدمة والضغوط الناجمة عن إلغاء الامتحان وتسريبه.
وتكتسب القضية حساسيتها من تكرار تسريب الامتحانات في الهند، بما فيها اختبارات التوظيف في الشرطة والتعليم والوظائف الحكومية. ولهذا رأى المحتجون أن المشكلة ليست حادثة منعزلة، بل شبكة من الإهمال والفساد تستفيد منها جهات قادرة على بيع الأسئلة أو إيصالها إلى أصحاب النفوذ والمال، بينما يتحمل الطلبة العاديون الخسائر.
وهنا تلاقت قضيتان: الإهانة الرمزية التي شعر بها الشباب بعد وصفهم بـ«الصراصير»، والظلم العملي الناتج من تسريب امتحان يحدد مستقبل ملايين الأسر. وقد وفرت الأولى اسم الحركة ولغتها، بينما وفرت الثانية السبب المباشر للنزول إلى الشارع.
كيف انتقلت الحركة من الإنترنت إلى الميدان؟
بدأت أولى التحركات الميدانية بقيادة ديبكي في نيودلهي في السادس من يونيو/حزيران، ثم امتدت إلى مدن وجامعات أخرى. وفي العشرين من الشهر نفسه، بدأت الحركة اعتصامًا طويلًا في موقع «جانتار مانتار» وسط العاصمة، وهو المكان المخصص للاحتجاجات العامة في دلهي.
وكان المطلب المركزي استقالة وزير التعليم دارمندرا برادان، إلى جانب إصلاح نظام الامتحانات، والتحقيق في التسريبات، وتعويض أسر الطلبة الذين فقدوا حياتهم، ومنع ملاحقة المشاركين في الاحتجاجات. وفي الثامن والعشرين من يونيو، انضم الناشط والمصلح التعليمي سونام وانغتشوك إلى الحركة، وبدأ إضرابًا عن الطعام استمر 26 يومًا، مما رفع مستوى الاهتمام الشعبي والإعلامي بالقضية.
ومع تدهور صحة وانغتشوك، نقلته السلطات إلى المستشفى بالقوة في الثامن عشر من يوليو/تموز. وأدى ذلك إلى زيادة أعداد المتظاهرين بدل إنهاء الاعتصام. وفي العشرين من يوليو، حاول عشرات الآلاف السير باتجاه البرلمان، فاستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والعصي، ووقعت صدامات واعتقالات. وانتشرت صور المواجهات، فتحولت طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين إلى قضية سياسية موازية لقضية الامتحانات.
واستخدمت السلطات أيضًا وسائل للحد من قدرة الحركة على التواصل. فقد حُجب حسابها على منصة إكس، قبل أن تأمر محكمة دلهي العليا برفع الحجب. كما أوقفت خدمات الإنترنت المحمول في أجزاء من وسط نيودلهي خلال ذروة الاحتجاجات. وأظهرت هذه الإجراءات أهمية الفضاء الرقمي للحركة، إذ لم يكن الإنترنت مجرد أداة إعلامية مساندة، بل كان بنيتها التنظيمية الأساسية.
هل تحول «الصراصير» إلى حزب سياسي؟
على الرغم من استخدام كلمة «حزب» في الاسم، فإن «حزب شعب الصراصير» لم يبدأ حزبًا سياسيًا بالمفهوم القانوني والانتخابي، بل منصة ساخرة تحولت إلى حركة احتجاجية ومجموعة ضغط شعبية. وتصفه رويترز بأنه «حركة ساخرة»، بينما تشير أسوشيتد برس إلى أن غياب الهيكل الحزبي التقليدي كان أحد أسباب اتساع جاذبيته، لأن المشاركين كانوا يمولون تنقلاتهم بأنفسهم ويعتمدون على المتطوعين ووسائل التواصل الاجتماعي.
وحتى 27 يوليو/تموز 2026، لم تعلن المصادر الموثوقة التي تناولت الحركة حصولها على تسجيل رسمي بوصفها حزبًا انتخابيًا لدى لجنة الانتخابات الهندية، ولم تخض انتخابات أو تعلن قوائم مرشحين. وبذلك يمكن وصفها بأنها حركة تحمل اسم حزب، لكنها لم تتحول بعد إلى مؤسسة انتخابية كاملة.
والفارق بين الحالتين كبير. فالحركة الاحتجاجية تستطيع التركيز على قضية واحدة، وتوحيد أشخاص ينتمون إلى اتجاهات أيديولوجية مختلفة، من دون مطالبتهم بالاتفاق على السياسة الخارجية أو الضرائب أو الزراعة أو العلاقات بين الأديان والولايات. أما الحزب، فيحتاج إلى موقف من كل هذه الملفات، فضلًا عن التسجيل القانوني واختيار المرشحين وبناء فروع في الولايات وجمع التبرعات وتقديم الحسابات والتنافس ضمن النظام الانتخابي.
وقد تكون مرونة الحركة الحالية أحد أسرار نجاحها. فالمؤيد لا يحتاج إلى التخلي عن انتمائه الحزبي كي يشارك في احتجاج ضد تسريب الامتحانات. لكن هذه المرونة نفسها تجعل تحويل ملايين المتابعين إلى أصوات انتخابية أمرًا غير مضمون، لأن المؤيدين قد يتفقون على محاسبة وزير التعليم ويختلفون في كل قضية سياسية أخرى.
الانتصار الأول.. استقالة وزير التعليم
بعد أسابيع من الاعتصامات والإضراب عن الطعام والاحتجاجات في مدن متعددة، أعلنت حكومة مودي الدخول في محادثات مع ممثلي الحركة. وفي 25 يوليو/تموز، قدم وزير التعليم دارمندرا برادان استقالته، وهو تنازل نادر من حكومة عُرفت بمقاومة الضغوط الجماهيرية المباشرة.
وقال ممثلو الحكومة إن مطالب الحركة قُبلت، بما فيها إصلاح نظام الامتحانات، وتعويض أسر الطلبة الذين توفوا، وإسقاط القضايا المقامة ضد المحتجين. وعلى إثر ذلك، أعلن قادة «الصراصير» إنهاء الاعتصامات ودعوا المشاركين إلى العودة إلى منازلهم بصورة سلمية.
ولم تتوقف التداعيات عند استقالة الوزير. ففي اليوم التالي، أعلن مودي تشكيل لجنة برئاسة رجل الأعمال التقني ناندان نيلكاني لإعادة هيكلة نظام الامتحانات، ثم قدمت الحكومة في 27 يوليو مشروع قانون لتشديد العقوبات على المتورطين في تسريب الأسئلة والغش، بما يشمل رفع الغرامات وزيادة مدد السجن وإنشاء آليات قضائية أسرع.
وبهذا المعنى، حققت الحركة ثلاثة مستويات من النتائج: فرضت مسؤولية سياسية عبر استقالة الوزير، وحصلت على تعهدات تتعلق بالضحايا والمحتجين، ودفعت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية.
لكن الانتصار يبقى أوليًا، لأن استقالة الوزير لا تعني بالضرورة تفكيك شبكات تسريب الأسئلة، كما أن الإعلان عن لجنة أو مشروع قانون لا يضمن التنفيذ. وستُقاس قدرة الحركة الحقيقية بمدى استمرارها في متابعة التعهدات بعد انتهاء الاعتصام، لا بمجرد الاحتفال بتحقيق المطلب المباشر.
هل يستطيعون مواجهة الفساد؟
تثبت التجربة أن الحركة تستطيع مواجهة صورة محددة من الفساد عندما تكون القضية واضحة، والمتضررون بالملايين، والمطلب قابلًا للقياس. فقد عرّفت المسؤول السياسي المطلوب محاسبته، وحددت الخلل المتمثل في تسريب الامتحانات، وواصلت الضغط إلى أن تحققت الاستقالة وبدأت عملية الإصلاح.
وتتمتع الحركة بعدة عناصر قوة في هذا المجال. أولها قدرتها على الوصول المباشر إلى الجمهور من دون الاعتماد الكامل على القنوات التلفزيونية والصحف. وثانيها استخدام لغة ساخرة يصعب احتواؤها بالخطاب الرسمي التقليدي. وثالثها وجود قاعدة شبابية واسعة قادرة على التحرك في الجامعات والمدن. ورابعها أن مطالبها تتعلق بالعدالة والكفاءة أكثر من ارتباطها بأيديولوجية دينية أو حزبية ضيقة، مما سمح بانضمام فئات مختلفة إليها.
كما حققت الحركة تفاعلًا بين الشارع والبرلمان. فقد استثمرت أحزاب المعارضة الاحتجاجات وعطلت جلسات البرلمان، بينما استفاد المحتجون من الضغط البرلماني من دون أن يصبحوا تابعين رسميًا إلى حزب معارض. وأدى هذا التكامل إلى رفع الكلفة السياسية لاستمرار الحكومة في رفض استقالة الوزير.
ومع ذلك، فإن مكافحة الفساد المنظم أصعب من إسقاط وزير على خلفية قضية عامة. فهي تحتاج إلى خبراء قانونيين، وقدرة على جمع الوثائق والتحقق منها، وحماية المبلغين، ومتابعة المحاكم، والتمييز بين الاتهامات المثبتة والشائعات. كما تحتاج إلى استمرار تنظيمي طويل بعد تراجع الاهتمام الإعلامي.
ويواجه «الصراصير» أيضًا خطر الانتقائية. فإذا حاربوا الفساد في حكومة مودي وتجاهلوا فساد الأحزاب المعارضة أو الحكومات المحلية التي يساندها بعض مؤيديهم، فقد يفقدون صورتهم المستقلة. أما إذا التزموا معيارًا واحدًا تجاه جميع القوى، فيمكنهم التحول إلى شبكة رقابة مدنية واسعة تتجاوز مسألة الامتحانات.
وهناك خطر آخر يتمثل في الشخصنة. فقد أصبح ديبكي وجه الحركة الأشهر، لكن ربط الحركة بشخص واحد قد يجعلها عرضة للانقسام أو الاستهداف أو الاستقطاب. لذلك فإن قدرتها على مواجهة الفساد ستزداد إذا بنت قيادة جماعية، وآليات شفافة للتمويل، وفروعًا محلية، ومنصات لتوثيق القضايا ومتابعتها.
بناء على ذلك، تستطيع الحركة مواجهة الفساد بوصفها قوة ضغط شعبية ورقمية، وقد أثبتت ذلك بالفعل في ملف الامتحانات. أما التحول إلى مؤسسة مستدامة لمكافحة الفساد، فيتوقف على قدرتها على الانتقال من التعبئة المؤقتة إلى الرقابة المنظمة والمهنية.
هل يستطيعون إسقاط مودي؟
يحتاج هذا السؤال إلى التفريق بين إضعاف مودي سياسيًا وإسقاط حكومته دستوريًا أو انتخابيًا.
الهند دولة برلمانية، والحكومة تبقى في السلطة ما دامت تتمتع بثقة مجلس الشعب، أي «لوك سابها». وينص الدستور على أن مجلس الوزراء مسؤول جماعيًا أمام هذا المجلس، وأن مدة المجلس خمس سنوات ما لم يُحل قبل ذلك. ولذلك لا تستطيع حركة احتجاجية إسقاط رئيس الوزراء مباشرة، مهما بلغت أعداد المشاركين، إلا إذا أدى الضغط إلى فقدان حكومته الأغلبية البرلمانية، أو إلى انتخابات مبكرة، أو إلى هزيمته في الانتخابات العامة.
ولا يزال ناريندرا مودي رئيسًا للوزراء في ولايته الثالثة التي بدأت في يونيو/حزيران 2024. وقد تشكلت حكومته بعد حصول التحالف الوطني الديمقراطي بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا على 293 مقعدًا عند بداية الدورة، مقابل 272 مقعدًا مطلوبة للأغلبية، رغم أن حزب مودي نفسه لم يحقق أغلبية منفردة. كما حقق الحزب مكاسب في انتخابات ولايات مهمة خلال مايو/أيار 2026، مما يدل على استمرار قوته التنظيمية والانتخابية خارج أزمة الاحتجاجات.
لذلك لا توجد في الوقت الراهن مؤشرات كافية على أن حركة «الصراصير» تستطيع إسقاط مودي بصورة قريبة. فهي لا تملك نوابًا في البرلمان، ولا تحالفًا انتخابيًا، ولا تنظيمًا حزبيًا في مختلف الولايات، ولم تُختبر قدرتها على تحويل المتابعين الرقميين إلى ناخبين.
لكن ذلك لا يعني أنها بلا تأثير على مستقبل مودي. فقد كشفت استقالة وزير التعليم أن الحكومة يمكن أن تتراجع تحت الضغط، وأن قدرة رئيس الوزراء على التحكم في الأجندة السياسية ليست مطلقة. كما أظهرت أن قضية مرتبطة بحياة الشباب اليومية يمكن أن تتجاوز الانقسامات الحزبية والدينية التي طالما شكلت مركز الحملات السياسية الهندية.
ويزداد تأثير الحركة المحتمل لأن مودي يقود حكومة ائتلافية، لا حكومة قائمة على أغلبية منفردة لحزبه كما كان الحال في ولايتيه الأولى والثانية. وإذا تحولت احتجاجات الشباب إلى تراجع انتخابي واسع، فقد يصبح حلفاؤه الإقليميون أكثر ترددًا في تحمل كلفة البقاء معه. وعندئذ يمكن أن ينتقل الضغط من الشارع إلى داخل الائتلاف الحاكم.
أما الطريق الأكثر واقعية لتغيير الحكومة، فيمر عبر الانتخابات العامة المنتظرة بحلول عام 2029، ما لم يُحل البرلمان قبل ذلك. ولكي تؤثر الحركة في تلك الانتخابات، لا يشترط أن تصبح حزبًا مستقلًا؛ فقد تعمل على تسجيل الشباب، ومراقبة المرشحين، ونشر ملفات الفساد، وتحديد الدوائر التي يمكن أن تحسمها أصوات الطلاب والخريجين، أو دعم مرشحين يتعهدون بإصلاح التعليم والتوظيف.
عقبات أمام تحويل الحركة إلى بديل لمودي
العقبة الأولى هي أن الانتشار الرقمي ليس مرادفًا للانتشار الانتخابي. فقد يتابع الشخص صفحة ساخرة لأنه يستمتع بمحتواها، من دون أن يكون مستعدًا للتصويت لمرشحها أو تغيير ولائه السياسي.
والعقبة الثانية هي اتساع الهند. فالنجاح في نيودلهي ومومباي وبعض الجامعات لا يكفي لبناء حضور انتخابي في آلاف المدن والقرى ومئات الدوائر البرلمانية، التي تختلف فيها اللغات والهويات الطبقية والطائفية والقضايا المحلية.
أما العقبة الثالثة فهي قوة حزب بهاراتيا جاناتا التنظيمية. فالحزب يمتلك شبكة واسعة من الكوادر والموارد والحكومات المحلية وحضورًا متراكمًا في الولايات، إضافة إلى خطاب قومي وديني يحظى بتأييد قطاعات كبيرة. ولا يمكن لحركة ناشئة منافسة هذه البنية من خلال الحسابات الرقمية وحدها.
وتتمثل العقبة الرابعة في موقف المعارضة. فقد دعمت أحزاب المعارضة الاحتجاجات، لكنها قد تحاول استيعاب الحركة أو توظيفها انتخابيًا. وإذا اقترب «الصراصير» من حزب معين، فقد يخسرون المؤيدين المنتمين إلى أحزاب أخرى. وإذا رفضوا التعاون مع الجميع، فقد يجدون صعوبة في تحويل نفوذهم الشعبي إلى نتائج داخل البرلمان.
وتتعلق العقبة الخامسة بمرحلة ما بعد الانتصار. فكثير من الحركات الجماهيرية تتراجع بعد تحقيق مطلبها الأول، لأن الجامع المشترك بين المشاركين يضعف، ويعود كل تيار إلى أولوياته الخاصة. وقد شهدت الهند سابقًا احتجاجات كبرى نجحت في فرض قوانين أو التراجع عن قرارات، لكنها لم تتحول كلها إلى بدائل حاكمة.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل «الصراصير»
1. حركة ضغط مستمرة: قد تبقى الحركة خارج الانتخابات، وتتحول إلى منصة تراقب ملفات التعليم والبطالة والفساد. وهذا السيناريو يحافظ على استقلالها ويسمح لها بالضغط على الحكومة والمعارضة معًا، لكنه يجعل تأثيرها مرتبطًا بقدرتها على مواصلة التعبئة.
2. حزب سياسي رسمي: قد يقرر ديبكي ورفاقه تسجيل حزب وخوض انتخابات الولايات أو الانتخابات البرلمانية. وسيمنحهم ذلك فرصة لتحويل التأييد إلى مقاعد، لكنه سيجبرهم على بناء برنامج شامل والدخول في تسويات وتحالفات قد تفقد الحركة بعض طابعها الشبابي الساخر.
3. تحالف مع المعارضة: يمكن أن تتحول الحركة إلى قوة انتخابية مساندة لتحالف المعارضة من دون الاندماج فيه. وهذا قد يزيد فرص التأثير في الانتخابات المقبلة، لكنه يحمل خطر ظهورها كامتداد لأحزاب تقليدية بدل كونها حركة مستقلة.
4. إنتاج قيادات جديدة: حتى إذا لم تستمر الحركة بصورتها الحالية، فقد تنتج جيلًا من الناشطين والمرشحين والصحفيين والحقوقيين. ومن هذه الزاوية، لا يقاس نجاحها ببقائها تحت الاسم نفسه فقط، بل بقدرتها على إدخال الشباب إلى العمل العام.
5. التراجع بعد الانتصار: يبقى احتمال تراجعها واردًا إذا اكتفت باستقالة الوزير، أو فشلت في متابعة تنفيذ الإصلاحات، أو اندلعت خلافات داخلية على القيادة والتمويل والعلاقة مع المعارضة.
تحدٍّ لمودي لا بديل جاهز عنه
تمثل حركة «الصراصير» تطورًا سياسيًا مهمًا لأنها نجحت في تحويل الشعور الفردي بالإهانة والإحباط إلى فعل جماعي منظم. كما أثبتت أن السخرية الرقمية يمكن أن تنتقل إلى الشارع، وأن حركة بلا تاريخ حزبي تستطيع فرض استقالة وزير كبير ودفع الحكومة إلى تعديل سياساتها.
وقد تستطيع الحركة الاستمرار في مواجهة الفساد، خصوصًا في ملفات التعليم والامتحانات والتوظيف، إذا بنت آليات متابعة مستقلة وحافظت على سلميتها وشفافيتها. لكن محاربة الفساد بصورة شاملة تتطلب أكثر من الاحتجاج، لأنها تحتاج إلى مؤسسات وخبرات قانونية وتنظيم طويل الأمد.
أما إسقاط مودي، فهو احتمال أبعد وأكثر تعقيدًا. فالحركة لا تزال خارج النظام الانتخابي، بينما يحتفظ مودي بحكومة وائتلاف برلماني وتنظيم حزبي واسع. ومع ذلك، نجحت «الصراصير» في تحقيق أمر سياسي مهم: لم تسقط رئيس الوزراء، لكنها أسقطت فكرة أن حكومته لا تتراجع أمام الضغط الشعبي.
ومن هنا، يعتمد تأثيرها المقبل على ما ستفعله بعد انتهاء الاعتصام. فإذا تحولت إلى حركة رقابة مستمرة، ووسعت مطالبها من دون فقدان تركيزها، وربطت الشباب بالعمل الانتخابي والمؤسسي، فقد تصبح عاملًا مؤثرًا في مستقبل الهند السياسي. أما إذا بقيت مرتبطة بلحظة الغضب الأولى، فقد تُذكر بوصفها حركة حققت انتصارًا سريعًا ثم تراجعت.
الحكم النهائي على قدرتها على تغيير مودي لن تصنعه أعداد المتابعين أو الشعارات وحدها، بل قدرتها على تحويل الاحتجاج إلى تنظيم، والتنظيم إلى ثقة، والثقة إلى أصوات ومقاعد وتحالفات قادرة على تغيير ميزان السلطة.



اضف تعليق