باكستان خرجت من موقع المتلقي لتداعيات الصراعات الإقليمية إلى موقع الفاعل فيها. فقد نجحت في استخدام شبكة علاقاتها، وتماسك قرارها الداخلي، وثقة أطراف متباينة بها، لتفرض نفسها وسيطا رئيسيا في واحدة من أخطر أزمات المنطقة. وأدت الصين دورا بالغ الأهمية خلف الكواليس، إذ ساعدت على تثبيت الهدنة وظهرت...
كيف وظّفت إسلام آباد حرب إيران والولايات المتحدة لتعزيز مكانتها كقوة صاعدة، بينما لعبت الصين دور الضامن الهادئ في الخلفية؟
وضعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران باكستان أمام اختبار دبلوماسي وأمني بالغ الحساسية، لكنها في الوقت نفسه منحتها فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعها في الإقليم. فبدلا من أن تبقى دولة متأثرة بتداعيات الصراع على حدودها الغربية ومصالحها الخليجية، تحركت إسلام آباد لتصبح قناة اتصال رئيسية، ثم وسيطا فعليا، وأخيرا الدولة المضيفة لأول مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى بين واشنطن وطهران منذ سنوات. وفي خلفية هذا التحول، برزت الصين كلاعب مهم، ليس في واجهة المشهد، بل كقوة داعمة وهادئة ساعدت على تثبيت الهدنة وتهيئة البيئة السياسية اللازمة لانطلاق التفاوض.
باكستان من هامش الأزمة إلى مركزها
لم يأت الحراك الباكستاني بوصفه استجابة بروتوكولية عابرة، بل بوصفه محاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجية. فقد استضافت إسلام آباد الوفدين الأمريكي والإيراني في لحظة شديدة الحساسية، وظهر المسؤولون الباكستانيون، وفي مقدمتهم قائد الجيش عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف ووزير الخارجية إسحق دار، بوصفهم الحلقة التي أمكن عبرها جمع طرفين كانا حتى وقت قريب يقفان على حافة تصعيد مفتوح. وبهذا المعنى، لم تكن باكستان مجرد مكان لعقد المحادثات، بل أصبحت جزءا من هندسة المسار التفاوضي نفسه.
وقد عكست الاستعدادات السياسية والأمنية في العاصمة الباكستانية إدراك الدولة أن نجاح هذه الاستضافة يتجاوز بعدها التنظيمي، لأنه يرتبط مباشرة بصورة باكستان الجديدة أمام العالم. فالإغلاق الأمني الواسع، والانتشار العسكري المكثف، والسيطرة على محيط مواقع الاجتماعات، كلها لم تكن فقط ترتيبات حماية، بل رسالة واضحة مفادها أن إسلام آباد باتت قادرة على احتضان ملفات إقليمية شديدة التعقيد وإدارتها بثقة وانضباط.
الوساطة الباكستانية لم تعد نقل رسائل بل صناعة مسار
لقد تطور الدور الباكستاني بصورة لافتة خلال أيام الحرب. ففي البداية، تحركت إسلام آباد كقناة لتبادل الرسائل بين الطرفين، لكنها سرعان ما انتقلت إلى مستوى أعلى تمثل في التأثير على شروط التهدئة نفسها، والعمل على منع انهيارها في لحظاتها الأخيرة. وتحديدا، عندما كادت الجهود الدبلوماسية أن تسقط بعد التصعيد الإيراني ضد منشأة سعودية، تدخلت القيادة المدنية والعسكرية الباكستانية في سلسلة اتصالات مكثفة شملت واشنطن وطهران والرياض، ونجحت في إعادة تثبيت المسار، وفي دفع إيران إلى قبول وقف مؤقت لإطلاق النار والدخول في مفاوضات مباشرة.
وتظهر هذه المرحلة أن باكستان لم تعد تؤدي دور “الوسيط السلبي” الذي يكتفي بنقل المواقف، بل أصبحت طرفا قادرا على التهدئة، وإعادة ضبط التوقعات، وتقديم الضمانات السياسية اللازمة لاستمرار العملية. كما أن نجاحها في إقناع إيران بالانتقال من التشدد إلى القبول بهدنة غير مشروطة، بعد ساعات وُصفت بأنها شديدة الصعوبة، منحها رصيدا دبلوماسيا حقيقيا لدى الطرفين.
لماذا كانت باكستان مؤهلة لهذا الدور؟
تكمن أهمية اللحظة الباكستانية في أنها لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة إعادة تموضع سياسي وأمني ودبلوماسي خلال الفترة الماضية. فباكستان انتقلت، خلال نحو عام، من دولة كانت توصف بأنها مهمشة أو شبه منبوذة دبلوماسيا، إلى شريك موثوق وقناة اتصال مقبولة لدى قوى متعارضة. ويعود ذلك إلى جملة عوامل مترابطة. أول هذه العوامل هو صعود قائد الجيش عاصم منير بوصفه نقطة ارتكاز رئيسية في التواصل مع إدارة ترامب، وما رافق ذلك من لقاءات مباشرة واتصالات متكررة عززت مستوى الثقة الأمريكية بإسلام آباد. وثانيها هو نجاح الحكومة الباكستانية في إعادة تقديم نفسها كشريك أمني وسياسي قادر على المساعدة في ملفات شديدة التعقيد، وليس فقط كدولة تحتاج إلى الدعم. وثالثها هو حفاظها في الوقت نفسه على علاقاتها الوثيقة مع الصين، وعلى قنواتها المفتوحة مع إيران ودول الخليج.
هذا المزيج منح باكستان ميزة نادرة: فهي قريبة من واشنطن بالقدر الذي يسمح ببناء الثقة، وقريبة من طهران بالقدر الذي يسمح بالتأثير، ومتصلة بالرياض بما يكفل لها وزنا في الحسابات الخليجية، ومرتبطة ببكين بما يمنحها عمقا استراتيجيا إضافيا. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية باكستان لم تكن فقط في رغبتها في الوساطة، بل في امتلاكها شبكة علاقات تؤهلها لتكون مقبولة من الجميع، حتى لو لم تكن قادرة وحدها على فرض التسوية النهائية.
المكاسب الباكستانية من هذه اللحظة الإقليمية
أبرز ما تكشفه هذه التطورات هو أن باكستان حققت مكاسب سياسية ورمزية مهمة من خلال هذا الدور. فقد استطاعت أن تعيد تثبيت نفسها بوصفها قوة إقليمية لا يقتصر دورها على التفاعل مع الأزمات، بل يمتد إلى المساهمة في إدارتها وصياغة مخارجها. وهذه النقلة مهمة في ضوء الصورة التي التصقت بباكستان خلال السنوات الماضية، حين ارتبط اسمها بأزمات أمنية داخلية، وتوترات مع الغرب، وهشاشة اقتصادية، وتعقيدات متصلة بأفغانستان والهند. أما الآن، فإن المشهد مختلف: إسلام آباد تستضيف المفاوضات، وتنسق بين خصوم، وتؤثر في قرارات كبرى، وتتحول إلى عنوان في الترتيبات الإقليمية الجديدة.
كما منحت الوساطة الباكستانية القيادة السياسية والعسكرية في البلاد فرصة لإظهار قدر من التماسك الداخلي والانضباط في إدارة السياسة الخارجية. كما يرتبط نجاح هذا الدور في مستوى التناغم بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية. وهذا الانسجام، في نظر المسؤولين الباكستانيين، كان عاملا حاسما في توسيع الفرص الدبلوماسية أمام البلاد. وبذلك، لم تعد باكستان تعرض نفسها فقط كوسيط مقبول، بل كدولة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ضمن بنية سلطة متماسكة نسبيا في القضايا الكبرى.
ومن المكاسب المهمة أيضا أن هذا الحضور الباكستاني الجديد أثار انزعاجا في الهند، وهو ما يعكس، من منظور جيوسياسي، أن إسلام آباد نجحت في تقليص الفجوة الدبلوماسية مع نيودلهي، بل وفي الظهور، في هذه الأزمة تحديدا، بوصفها الدولة الأكثر حضورا وتأثيرا في ملف شرق أوسطي معقد. وهذه النقطة، حتى وإن كانت رمزية جزئيا، تحمل دلالة مهمة في التنافس الإقليمي على المكانة والنفوذ.
حدود القوة الباكستانية ومفارقة الصعود
على الرغم من هذا النجاح، لا توحي المؤشرات بأن باكستان باتت قوة قادرة على فرض النتائج النهائية. فثمة فارق واضح بين القدرة على الوساطة، والقدرة على إلزام الأطراف بتنازلات جوهرية. صحيح أن إسلام آباد أثبتت أنها تستطيع جمع الخصوم، وتخفيف التوتر، وصياغة قنوات تفاوض، لكنها ما تزال تفتقر إلى النفوذ الكافي لإجبار واشنطن وطهران على تقديم تنازلات حاسمة في ملفات كبرى مثل العقوبات، والبرنامج النووي، ومضيق هرمز، والحرب في لبنان. وبذلك، فإن قوتها الجديدة هي قوة “تيسير وتأثير” أكثر منها قوة “فرض وحسم”.
كما أن مكاسبها ما تزال هشة بسبب محيطها الصعب. فهي لا تزال تواجه اقتصادا راكدا، وحدودا مضطربة مع أفغانستان، وتعقيدات طائفية داخلية يمكن أن تتفاقم إذا انزلقت إلى اصطفاف حاد في الصراع الإيراني الخليجي. كذلك فإن اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، رغم ما تمنحه من عمق استراتيجي، قد تفرض عليها التزامات ثقيلة إذا اتسعت الحرب. ولهذا تبدو باكستان مستفيدة من الأزمة، لكنها في الوقت نفسه تتحرك فوق توازنات دقيقة قد تنقلب بسرعة إذا فشلت في إدارة هذا الصعود بحذر.
الصين كلاعب خلف الكواليس لا في الواجهة
إذا كانت باكستان قد تصدرت المشهد العلني، فإن الصين تبدو في هذا المسار الطرف الذي مارس تأثيرا بالغ الأهمية من خلف الستار. فالمعطيات تشير إلى أن الآمال في تثبيت وقف إطلاق النار كانت تتلاشى في لحظة حرجة، قبل أن تتدخل بكين وتقنع إيران بقبول وقف إطلاق نار أولي، الأمر الذي أتاح استعادة المسار التفاوضي ومنع انهياره. بهذا المعنى، لم تكن الصين هي الدولة المضيفة، ولا الوسيط العلني، لكنها كانت القوة التي وفرت دفعة حاسمة في اللحظة التي تعثرت فيها الجهود الأخرى.
وتتضح أهمية الصين أكثر إذا نظرنا إليها من زاوية “الضامن المحتمل”. فإيران، تريد طرفا يمكن الوثوق به لضمان أي تفاهمات مستقبلية، بينما تبدو الصين الأكثر قدرة على أداء هذا الدور بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة بطهران، وموقعها الاقتصادي المهم بالنسبة إليها، وقبولها النسبي لدى أطراف متعددة مقارنة بروسيا مثلا. ولهذا، فإن الحضور الصيني هنا ليس حضورا تفاوضيا مباشرا، بل حضور “ثقل وضمان”؛ أي دور يثبت الاتفاقات أكثر مما يصوغها علنا.
كما أن الصين بدت حريصة على عدم تصدر المشهد بشكل صريح. فهي دعمت الجهد الباكستاني، وأجرت اتصالات واسعة، وتحركت دبلوماسيا في أكثر من مسار، لكنها تجنبت أن تتحول إلى قائد رسمي للعملية. وهذا السلوك يعكس أسلوب بكين المعتاد: التأثير المرتفع مع الظهور المحدود. ومن هنا يمكن القول إن الصين لم تنافس باكستان على واجهة الوساطة، بل دعمتها ضمنيا، واستفادت في الوقت نفسه من كون حليفتها الباكستانية هي التي تتولى الظهور العلني وإدارة المشهد.
شراكة ضمنية بين الواجهة الباكستانية والعمق الصيني
أهم ما يميز هذا المشهد أن باكستان والصين لم تتحركا في خطين منفصلين، بل في صيغة تكامل غير معلنة بالكامل. فباكستان قدمت ما يمكن وصفه بـ”المنصة السياسية والدبلوماسية”، أي الاستضافة، والاتصال المباشر بالأمريكيين، والقدرة على مخاطبة الإيرانيين والخليجيين، وإدارة المشهد على الأرض. أما الصين فقدمت “الغطاء الاستراتيجي”، أي القدرة على طمأنة إيران، وإسناد منطق الهدنة، والاستعداد للعب دور الضامن إذا انتقلت العملية إلى اتفاق أوسع. بهذه الصيغة، بدت باكستان في الواجهة، بينما ظلت الصين في العمق، لكن أثر الطرفين كان متكاملا لا متعارضا.
وهذا التكامل يفسر لماذا بدا النجاح النسبي في فرض التهدئة أكبر من مجرد إنجاز باكستاني منفرد، دون أن ينفي في الوقت نفسه أن المكسب السياسي المباشر عاد في معظمه إلى إسلام آباد. فالعالم رأى باكستان بوصفها الدولة التي جمعت الوفود، وأدارت الاتصالات، واحتضنت المفاوضات، بينما كان دور الصين أكثر هدوءا وأقل ظهورا، حتى وإن كان حاسما في لحظة معينة.
باكستان كقوة إقليمية جديدة... ماذا يعني ذلك؟
الإشارة إلى باكستان كقوة جديدة في المنطقة لا تعني أنها أصبحت القوة الحاسمة الأولى، بل أنها نجحت في فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أزمات الإقليم الكبرى، خصوصا تلك التي تمس الخليج وإيران وأفغانستان والتوازنات مع واشنطن وبكين. وهذا تطور بالغ الأهمية إذا قورن بموقعها السابق. فالقوة الإقليمية في هذا السياق لا تقاس فقط بالقدرة العسكرية أو بالحجم الاقتصادي، بل أيضا بالقدرة على الاتصال المتعدد، وصناعة التفاهمات، وامتلاك الثقة لدى أطراف متصارعة، وتقديم الذات بوصفها شريكا ضروريا في إدارة الأزمات. ومن هذه الزاوية، نجحت باكستان في استثمار الحرب لإعادة ترسيم صورتها ومكانتها.
لكن هذا الصعود سيظل مشروطا بقدرتها على تحويل المكسب الظرفي إلى نفوذ مستدام. فإذا نجحت في الحفاظ على التوازن بين إيران والسعودية، وبين الولايات المتحدة والصين، وبين دور الوسيط ومتطلبات أمنها الداخلي، فإنها قد تنتقل فعلا من دولة تتحرك داخل الأزمات إلى دولة تصنع جزءا من خرائط الحلول. أما إذا أخفقت، فقد يتحول هذا الصعود السريع إلى عبء يفوق قدرتها على الاحتمال.
الخلاصة
تكشف هذه الأزمة أن باكستان خرجت من موقع المتلقي لتداعيات الصراعات الإقليمية إلى موقع الفاعل فيها. فقد نجحت في استخدام شبكة علاقاتها، وتماسك قرارها الداخلي، وثقة أطراف متباينة بها، لتفرض نفسها وسيطا رئيسيا في واحدة من أخطر أزمات المنطقة. وفي المقابل، أدت الصين دورا بالغ الأهمية خلف الكواليس، إذ ساعدت على تثبيت الهدنة وظهرت باعتبارها المرشح الأبرز للقيام بدور الضامن في أي تفاهم لاحق. وبين الواجهة الباكستانية والدعم الصيني الهادئ، تشكلت معادلة جديدة توحي بأن الإقليم يشهد إعادة توزيع للأدوار، وأن باكستان تحاول، بقدر محسوب من الجرأة، أن تثبت نفسها قوة صاعدة لا مجرد دولة محاطة بالأزمات.



اضف تعليق