بعد السويد، حقق اليمين المتطرف انفراجة جديدة له في أوروبا، بفوز جورجيا ميلوني في الانتخابات التشريعية الأحد في إيطاليا، حيث ستُتاح لحزب تعود جذوره إلى الفاشية الجديدة فرصة حكم البلاد للمرة الأولى منذ عام 1945.

وسيشكل ذلك زلزالا حقيقيا في إيطاليا، إحدى الدول المؤسسة لأوروبا وثالث قوة اقتصادية في منطقة اليورو، إنما كذلك في الاتحاد الأوروبي الذي سيضطر إلى التعامل مع السياسيّة المقربة من رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.

فقد اتخذت إيطاليا منعطفا حادا نحو اليمين بفوز الحزب الشعبوي الذي تتزعمه جورجيا ميلوني في الانتخابات العامة، ما يفتح الباب للمرأة التي أبدت في الماضي إعجابها بموسوليني لتكون أول رئيسة للوزراء في تاريخ البلد.

فاز حزب ميلوني "فراتيلي ديتاليا" (إخوة إيطاليا) الذي له جذور فاشية جديدة، بـ26 بالمئة من الأصوات وفق نتائج جزئية.

وتقود ميلوني ائتلافا يتوقع أن يفوز بغالبية مقاعد البرلمان ويؤلف حكومة هي الأكثر يمينية في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية.

يمثل نجاحها تغييرا هائلا في إيطاليا العضو المؤسس للاتحاد الأوروبي وثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، بعد أسابيع فقط من انتصار اليمين المتطرف في الانتخابات في السويد.

كتبت صحيفة "ريبوبليكا" اليومية في عنوانها الرئيسي "ميلوني تظفر بإيطاليا"، بينما قال ستيفانو فولي في افتتاحيتها إن إيطاليا "تستيقظ هذا الصباح وقد تغيرت للغاية".

وأضاف فولي "إنها المرة الأولى منذ عقود التي يتغير فيها الوجه السياسي للبلاد بشكل كامل. لا نعرف حتى الآن ما إذا كان مصيرها في أوروبا قد تغير أيضا، لكن هذا السؤال هو الأول من بين العديد من الأسئلة" التي تواجه الإيطاليين الآن.

ومن المتوقع أن تصبح ميلوني التي أجرت حملتها الانتخابية تحت شعار "الله الوطن العائلة"، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في إيطاليا رغم أن عملية تشكيل حكومة جديدة قد تستغرق أسابيع.

مع ارتفاع التضخم وأزمة الطاقة التي تلوح في الأفق والحرب في أوكرانيا، سعت المرأة البالغة 45 عاما إلى طمأنة القلقين بشأن افتقارها إلى الخبرة وماضيها الراديكالي.

وقالت جورجيا ميلوني إن الناخبين بعثوا "برسالة واضحة" لدعم حزبها في قيادة الائتلاف اليميني إلى السلطة.

وأضافت في تصريحات للصحافيين "إذا دعينا لحكم هذه الأمة فسوف نفعل ذلك من أجل جميع الإيطاليين. سنفعل ذلك بهدف توحيد الناس وتعزيز ما يوحدهم وليس ما يفرقهم".

وحلّ حليفاها في الائتلاف، حزب "الرابطة" اليميني المتطرف بقيادة ماتيو سالفيني و"فورزا إيطاليا" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني، خلف حزبها وفق النتائج الجزئية.

ويُتوقع أن يفوزوا جميعا بنحو 44 في المئة من الأصوات، وهو ما يكفي لتأمين غالبية في مجلسي البرلمان.

"الحزب الديموقراطي" من يسار الوسط المنافس الرئيسي للتحالف اليميني اعترف بأن هذا يوم "حزين".

وانخفضت نسبة المشاركة إلى أدنى مستوى تاريخي إلى حوالى 64 بالمئة، أي أقل بنحو تسع نقاط مئوية من الانتخابات السابقة عام 2018.

أوروبا فخورة وحرة

سرعان ما جاءت تهاني حلفائها القوميين في أنحاء القارة، من رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافتسكي إلى حزب "فوكس" اليميني المتطرف في إسبانيا.

وكتب زعيم حزب "فوكس" سانتياغو أباسكال عبر تويتر "لقد أوضحت ميلوني الطريق لأوروبا فخورة وحرة قوامها دول ذات سيادة".

لكن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس حذر من أن "الحركات الشعبوية تكبر دائما، لكنها تنتهي دائما بالطريقة نفسها- بكارثة".

بدورها قالت رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيت بورن في تصريح لمحطة بي إف إم تي في "سنكون حريصين (مع) رئيس المفوضية الأوروبية (أورسولا فون دير لايين) على أن تكون القيم المتعلقة بحقوق الإنسان... ولا سيما احترام الحق في الإجهاض، محترمة من الجميع".

وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية فولفغانغ بوشنر خلال مؤتمر صحافي إن "إيطاليا بلد مؤيد للغاية لأوروبا ومواطنوها مؤيدون جدا لأوروبا، ونفترض أن ذلك لن يتغير".

أما المفوضية الأوروبية فقد أعربت على لسان المتحدث باسمها إريك مامر عن أملها في إقامة "تعاون بناء" مع الحكومة الإيطالية المقبلة.

تراجعت ميلوني عن فكرة انسحاب إيطاليا من منطقة اليورو، لكنها تقول إن روما يجب أن تشدد على مصالحها أكثر، وتتبنى سياسات تتحدى بروكسل في كل شيء تقريبا من قواعد الإنفاق العام إلى موجات الهجرة الواسعة.

يريد تحالفها أيضا إعادة التفاوض بشأن صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من تداعيات الوباء، وترى أن الـ200 مليار يورو (193 مليار دولار) التي من المقرر أن تتلقاها إيطاليا يجب أن تأخذ في الاعتبار أزمة الطاقة.

لكن الأموال مرتبطة بسلسلة من الإصلاحات بالكاد انطلق رئيس الوزراء المنتهية ولايته ماريو دراغي في تطبيقها، ويرى محللون أن لديها مساحة محدودة للمناورة في هذا الصدد.

وتصدرت ميلوني استطلاعات الرأي منذ دعا رئيس الوزراء إلى إجراء انتخابات مبكرة في تموز/يوليو بعد انهيار حكومة الوحدة الوطنية.

وحزبها هو الوحيد الذي لم ينضم إلى ائتلاف ماريو دراغي في شباط/فبراير 2021، ما جعلها عمليا زعيمة المعارضة الوحيدة في إيطاليا.

وقال رئيس "مركز دراسات الانتخابات الإيطالي" لورنزو دي سيو لوكالة فرانس برس إن ميلوني اختارت بعد ذلك القيام بـ"حملة حذرة ومطَمئنة للغاية".

واعتبر أن "التحدي الذي تواجهه هو تحويل هذا النجاح الانتخابي إلى قيادة حاكمة... قادرة على الاستمرار".

تتميز السياسة الإيطالية بعدم الاستقرار، إذ تشكلت حوالى 70 حكومة منذ عام 1946، كما أن ميلوني وسالفيني وبرلسكوني ليسوا متفقين دائما.

ورجحت صحيفة "كورييري ديلا سيرا" أن حلفاء ميلوني "المستائين والمنهزمين عمليا" سوف يمثلون "مشكلة".

كان أداء "الرابطة" و"فورزا إيطاليا" ضعيفا، فقد حصلا على 9 بالمئة و8 بالمئة من الأصوات على التوالي في مقابل 17 و14 بالمئة عام 2018.

اتفقت الأحزاب الثلاثة على برنامج مشترك للحكم يشمل إقرار تخفيضات ضريبية وكبح تدفق المهاجرين، لكنها اختلفت في عدد من المجالات.

تؤيد ميلوني بشدة عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا بسبب غزوها أوكرانيا، فيما انتقدها سالفيني ووصفها بأنها غير فعالة.

وواجه برلسكوني، رئيس الوزراء الثري الأسبق وصديق فلاديمير بوتين منذ فترة طويلة، انتقادات الأسبوع الماضي حين اعتبر أن الرئيس الروسي "دفعته" حاشيته إلى الحرب.

تعود جذور حزب "إخوة إيطاليا" إلى حركة ما بعد الفاشية التي أسسها أنصار بينيتو موسوليني، وقد أشادت ميلوني نفسها بالديكتاتور عندما كانت يافعة.

لكنها سعت إلى النأي بنفسها عن ماضيها مع تحول حزبها إلى قوة سياسية وازنة. وقد انتقل الحزب من 4 بالمئة فقط من الأصوات عام 2018 إلى تصدر نتائج انتخابات الأحد.

وكتبت ميلوني صباح الأحد على تويتر متوجهة الى انصارها "اليوم، يمكنكم المساهمة في كتابة التاريخ". وأضافت "في أوروبا، إنهم قلقون جميعا لرؤية ميلوني في الحكومة (...) انتهى العيد. ستبدأ إيطاليا بالدفاع عن مصالحها القومية".

من جهته، قال رئيس حزب "الرابطة" المناهض للمهاجرين ماتيو سالفيني لصحافيين أثناء توجهه للتصويت إن حزبه سيكون "على منصة الفائزين: الأول أو الثاني وفي أسوأ الأحوال الثالث".

وأضاف سالفيني الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في حكومة جوزيبي كونتي (2018-2019) "أتطلع إلى العودة من الغد إلى حكومة هذا البلد الاستثنائي".

وكتب رئيس التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا على تويتر "قدم الإيطاليون درسا في التواضع للاتحاد الأوروبي الذي ادعى من خلال صوت فون دير لايين أنه يملي عليهم تصويتهم".

إحكام الحدود

وأيا تكن الحكومة التي ستنبثق من الانتخابات لتتولى مهماتها اعتبارا من نهاية تشرين الأول/أكتوبر، فهي تواجه منذ الآن عقبات على طريقها.

فسيتحتم عليها معالجة الأزمة الناجمة من الارتفاع الحاد في الأسعار في وقت تواجه إيطاليا دينا يمثل 150% من إجمالي ناتجها المحلي، أعلى نسبة في منطقة اليورو بعد اليونان. وفي هذا السياق، إيطاليا بحاجة ماسة لاستمرار المساعدات التي يوزعها الاتحاد الأوروبي في إطار خطته للإنعاش الاقتصادي بعد كوفيد-19 والتي يمثل هذا البلد أول المستفيدين منها وبفارق كبير عن الدول الأخرى.

وأوضح المؤرخ مارك لازار لوكالة فرانس برس "لا يمكن لإيطاليا أن تسمح لنفسها بالاستغناء عن هذه المبالغ المالية"، معتبرا أن "هامش التحرك أمام ميلوني محدود جدا" على الصعيد الاقتصادي. في المقابل، بإمكانها الوقوف في صف وارسو وبودابست في معركتهما مع بروكسل "حول مسائل الدفاع عن المصلحة الوطنية بوجه المصالح الأوروبية".

ومثلما فعلت قبلها زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن، تخلت ميلوني في نهاية المطاف عن مشروعها القاضي بالخروج من اليورو، لكنها تطالب بـ"مراجعة قواعد ميثاق الاستقرار" المعلقة بسبب الأزمة الصحية والتي تحدد سقف العجز في ميزانية الدول وديونها بـ3% و60% على التوالي من إجمالي ناتجها المحلي.

وفي المسائل الاجتماعية، تعتمد ميلوني المتحدرة من روما مواقف محافظة متشددة، وهي أعلنت في حزيران/يونيو "نعم للعائلة الطبيعية، لا للوبي مجتمع الميم-عين! نعم للهويّة الجنسية، لا لإيديولوجيا النوع الاجتماعي!".

وسيؤدي وصولها إلى السلطة أيضا إلى إغلاق حدود بلد يصل إلى سواحله سنويا عشرات آلاف المهاجرين، وهو ما يثير مخاوف المنظمات غير الحكومية التي تغيث مهاجرين سرا يعبرون البحر في مراكب متداعية هربا من البؤس في إفريقيا.

ويتفق الخبراء منذ الآن على أن ائتلافا حكوميا كهذا ستُواجه فيه ميلوني تحديا حقيقيا في التعامل مع حلفاء مربكين سواء سيلفيو برلوسكوني أو ماتيو سالفيني، لن يستمر طويلا في بلد معروف بافتقاره إلى الاستقرار الحكومي.

ومن غير المرجح أن يتم تنصيب حكومتها الائتلافية، رقم 68 في إيطاليا منذ عام 1946، قبل نهاية أكتوبر تشرين الأول ولا يزال رئيس الوزراء ماريو دراجي على رأس الإدارة المؤقتة في الوقت الحالي.

وستتابع العواصم والأسواق المالية الأوروبية بعناية تحركاتها المبكرة نظرا لماضيها المتشكك في الاتحاد الأوروبي والموقف المتضارب لحلفائها بشأن روسيا.

وقال جيوفاني دونزيللي، وهو شخصية بارزة في حزب إخوة إيطاليا، لمحطة سكاي تي.جي 24 “الشيء الذي تحتاج إليه إيطاليا هو حكومة مستقرة… يبدو أن النتائج تعطينا هذه الفرصة ولن نتخلى عنها”.

وقللت ميلوني من شأن جذور حزبها التي تعود لما بعد الفاشية، وصورته على أنه تيار رئيسي مثل حزب المحافظين في بريطانيا. وتعهدت بدعم السياسات الغربية بشأن أوكرانيا، وبعدم الإقدام على أي مخاطرة قد تلحق الضرر بأوضاع المالية العامة الهشة لإيطاليا.

وتحدثت ميلوني بلهجة تصالحية خلال الكلمة التي ألقت عند فوزها.

وقالت “إذا طلب منا حكم هذا الشعب فسوف نفعل ذلك من أجل جميع الإيطاليين بهدف توحيد الشعب والتركيز على ما يوحدنا وليس ما يفرقنا. هذا وقت تحمل المسؤولية”.

وتحالف ميلوني منقسم بشأن بعض القضايا شديدة الحساسية التي قد يكون من الصعب الوصول لحلول وسط بشأنها بعد تولي الحكومة.

ويشكك سالفيني، على سبيل المثال، في عقوبات الغرب ضد روسيا، وكثيرا ما أعرب هو وبرلسكوني عن إعجابهما بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

كما أن لديهما وجهات نظر مختلفة حول طريقة التعامل مع فواتير الطاقة المتزايدة وقدما مجموعة من الوعود، بما في ذلك تخفيضات ضريبية وإصلاح المعاشات، والتي ستواجه إيطاليا صعوبات في تحملها.

وفي أوروبا، كان أول المرحبين بفوزها أحزاب المعارضة اليمينية المتشددة في إسبانيا وفرنسا وحكومتا بولندا والمجر المحافظتان اللتان توترت علاقاتهما مع بروكسل.

وبلغت نسبة المشاركة 64 بالمئة فقط مقابل 73 بالمئة قبل أربع سنوات، وهو مستوى منخفض قياسي في بلد لديه تاريخ في المشاركات القوية للناخبين.

وقالت ماريا تاسكا (27 عامًا)، وهي طالبة جامعية من صقلية، لمراسلي فيديو من وكالة فرانس برس، "أنا قلقة بسبب إظهار الاستطلاعات فوزًا لليمين، خصوصًا جورجيا ميلوني، لأنني أرى في حكمها عودة بالزمن 50 عامًا على الأقلّ نظرًا لتصريحاتها عن حقوق النساء والشباب وحقوق الإنسان بشكل عام".

من جهته، قال التاجر الشاب باسكوالي بيستريكيلا المتحدّر من باري (جنوب) "لن أصوّت غدًا لأنني لا أرى اليوم أشخاصًا صالحين للحكم. في المستقبل، إذا كان هناك شخص يستحقّ، سأصوّت له".

وقد يتجاوز الامتناع عن التصويت 30% في هذه الانتخابات، وفقًا للمحللين، وهو رقم مرتفع لإيطاليا.

بروكسل بالمرصاد

وتابع الاتحاد الأوروبي الانتخابات التشريعية الايطالية عن كثب، خصوصًا في ظلّ التعاطي الحساس مع العقوبات المفروضة على موسكو، مع احتمال ولادة خلافات بين المفوضية الأوروبية والحكومة إذا كانت محافظة.

وحافظت روما عبر التاريخ على علاقات ودية مع موسكو، لكنها بقيت متضامنة مع حلف شمال الأطلسي منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في ظلّ حكومة ماريو دراغي.

وأثار الشريك الثالث في الائتلاف اليميني سيلفيو برلوسكوني جدلاً عندما قال مساء الخميس إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تمّ "دفعه" من قبل شعبه لغزو أوكرانيا. عاد الجمعة لتأكيد "ولائه المطلق" لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

وحين كان برلوسكوني رئيسًا للحكومة الايطالية، كان يعامل بوتين كصديق لدرجة أنه استضافه في قصره في سردينيا وذهب معه إلى شبه جزيرة القرم بعدما ضمّتها موسكو في العام 2014.

ويضغط ماتيو سالفيني من جهته باتّجاه تخفيف العقوبات المفروضة على موسكو معتبرًا إياها غير فعّالة وذات نتائج عكسية، لكنه يرى أيضًا أن الغزو الروسي لأوكرانيا "غير مبرّر".

أمّا جورجيا ميلوني، فاتخذت مواقف واضحة بشأن دعم أوكرانيا والعقوبات على موسكو وتزويد كييف بأسلحة.

وعبّرت الصحف الايطالية السبت عن مخاوفها عشية الانتخابات التشريعية.

وكتبت الصحيفة اليسارية "لا ريبوبليكا" La Repubblica في صفحتها الأولى "زيلينسكي للايطاليين: +لا تصوّتوا لأصدقاء بوتين+".

وجاء في عنوان صحيفة "كورييري ديلا سيرا" Corriere della Sera "التحدّي النهائي أمام أوروبا وبوتين".

وستتمّ أيضًا مراقبة العلاقات الايطالية مع الاتحاد الأوروبي عن كثب.

وفي وعود ميلوني بالتعاون تهديدات مستترة. وقالت "نريد ايطاليا قوية وجدية ومحترَمة على الساحة الدولية".

ووعد ائتلاف اليمين واليمن المتطرّف أن يفي بالتزاماته الأوروبية، وتراجعت ميلوني بشكل رسمي عن مشروعها بإخراج ايطاليا من منطقة اليورو، لكن تبقى المخاوف قائمة خصوصًا مع إعادة تأكيد دعمها للنظام المجري بقيادة القومي المتطرّف فيكتور أوربان.

وتدعو ميلوني إلى إعادة التفاوض بشأن خطة الإنعاش الإيطالية بعد الجائحة والتي خصّص الاتحاد الأوروبي نحو 200 مليار يورو لتمويلها لمراعاة الارتفاع في تكاليف الطاقة في أعقاب الحرب في أوكرانيا.

غير أن منح ايطاليا تمويلًا أوروبيًا مشروط بسلسلة من الإصلاحات احترمت حكومة دراغي بدقّة إدخالها حيز التنفيذ لكن تبدو حاليًا معرّضة للخطر.

وتعتبر ميلوني أن، في حال فوزها، "ستنتهي الحفلة بالنسبة لأوروبا" وستبدأ ايطاليا "بالدفاع عن مصالحها الوطنية كما يفعل الآخرون".

وقال المحامي برناردو (55 عاما) الذي رفض الإفصاح عن اسم عائلته "سأصوّت لميلوني"، مبديا رغبته في "تلقين الحزب الديموقراطي درسا" بسبب حملته الانتخابية السلبية القائمة على "كراهية الآخرين".

وفي انتخابات 2018، فاز حزب "أخوة إيطاليا" بأكثر بقليل من أربعة في المئة من الأصوات، لكن الاستطلاعات باتت تشير إلى أن هذا الرقم ارتفع إلى 24 في المئة رغم أن أصوله تعود إلى "الحركة الاجتماعية الإيطالية" التي شكّلها أنصار الدكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني بعد الحرب العالمية الثانية.

ويقول محللون إن دعوات اليسار للاستمرارية كانت أقل إقناعا بالنسبة للناخبين الفقراء الذين يعانون من القلق في إيطاليا المغرقة بالديون، إذا ما قورنت بوعود التغيير.

ميلوني "الشقراء الذكية"

ألقت السياسية الإيطالية جورجيا ميلوني خطابا أمام أنصارها في عام 2019 أصبح هو ما يعرفها وقالت فيه “أنا جورجيا، أنا امرأة، أنا أم، أنا إيطالية، أنا مسيحية، ولا يمكنك أن تنزع عني هذه الصفات”.

وبعد ثلاث سنوات، اقتربت الزعيمة القومية أيضا من أن تصبح أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في إيطاليا.

ومن شبه المؤكد أن ميلوني، بصفتها رئيسة الحزب المنفرد الحاصل على أكبر نسبة أصوات، ستحصل على الضوء الأخضر من رئيس الدولة لتشكيل حكومة جديدة، لتواجه مجموعة هائلة من المشكلات من بينها ارتفاع أسعار الطاقة والحرب في أوكرانيا.

وقالت ميلوني، البالغة من العمر 45 عاما، لأنصار حزبها في ساعة مبكرة من صباح يوم الاثنين “يجب أن نتذكر أننا لم نصل إلى نقطة النهاية، فنحن في نقطة البداية. اعتبارا من الغد يجب أن نثبت جدارتنا”.

ويرتبط صعودها السريع بتحول في حزب إخوة إيطاليا وانتقاله من وراء الكواليس إلى صدارة المشهد دون أن يتنصل تماما من جذوره التي تعود إلى ما بعد الفاشية.

ويقول الأصدقاء والنقاد على حد سواء إن زيادة التأييد لميلوني يرجع إلى حد كبير إلى عزيمتها الصلبة. وفازت ميلوني بأول انتخابات محلية وهي في سن 21 وأصبحت أصغر وزيرة في إيطاليا على الإطلاق عندما منحتها حكومة برلسكوني في عام 2008 حقيبة الشباب وهي في سن 31.

ظل موسوليني

يلفت صعود ميلوني الانتباه بالنظر إلى خلفيتها المتواضعة في بلد غالبا ما تتفوق فيه الصلات بالعائلات الكبرى على الجدارة.

فقد عملت أمها منفردة على تربيتها في حي للطبقة العاملة بالعاصمة الإيطالية بعد أن تخلى عنهما والدها بعد ولادتها. ولم تحاول أن تتخلص من لكنتها المميزة في الحديث التي تدل على مكان نشأتها في روما.

وتقول ميلوني في سيرتها الذاتية لعام 2021 “أنا جورجيا” إنها وجدت عائلة جديدة وهي تبلغ من العمر 15 عاما عندما انضمت إلى قسم محلي للشباب بالحركة الاشتراكية الإيطالية، التي أنشأها أنصار الديكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني في عام 1946.

ولعملها باجتهاد ولطبعها المشاكس، سرعان ما لفتت انتباه الناشط الحزبي فابيو رامبيلي الذي نظم دورات لتدريب من كان يأمل في أن يكونوا جيلا جديدا من السياسيين المحافظين.

وقال رامبيلي، نائب رئيس حزب إخوة إيطاليا في البرلمان “كانت فكرتي أن نتخيل حكومة يمينية لا علاقة لها (بفاشية) الثلاثينيات”.

وأضاف لرويترز “ميلوني كانت شقراء ذات عيون زرقاء ونحيفة وهادئة وذكية. كانت أيضا قوية جدا لكنها لم تكن أيديولوجية. هذه هي كل الخصائص التي نحتاجها لنقل اليمين الإيطالي إلى المستوى التالي”.

ألسنة لهب وملائكة

اندمجت الحركة الاشتراكية الإيطالية في كيان جديد أطلق عليه اسم التحالف الوطني في منتصف التسعينيات قبل أن تندمج مع مجموعة محافظة رئيسية أسسها رئيس الوزراء السابق برلسكوني.

وفي أكبر مقامرة سياسية لها، تركت ميلوني ومجموعة من قدامى الأعضاء في التحالف الوطني برلسكوني في عام 2012 وشاركوا في تأسيس حزب إخوة إيطاليا الذي جاء اسمه من أول كلمات في النشيد الوطني.

واحتفظ الحزب برمز ألسنة اللهب القديم الذي كان في شعار الحركة الاشتراكية الإيطالية ونشرت وسائل إعلام إيطالية بين الحين والآخر صورا تظهر تحفا تذكارية من العهد الفاشي في مكاتب بعض السياسيين المحليين في حزب إخوة إيطاليا.

لكن مكتب ميلوني لا يضم أيا من تلك التذكارات وبدلا من ذلك به العديد من التماثيل الصغيرة لملائكة وبعض الصور لابنتها البالغة من العمر 5 سنوات ورقعة شطرنج وصورة للبابا يوحنا بولس مع الأم تيريزا وحاويات لأقلام ملونة تستخدمها لتدوين ملاحظات دقيقة.

وفي مقابلة مع رويترز الشهر الماضي، رفضت ميلوني أي إشارة إلى أن حزبها يشعر بالحنين إلى الحقبة الفاشية ونأت بنفسها عن تعليقات أدلت بها وهي مراهقة وكانت تشيد فيها بموسوليني، حليف الزعيم النازي أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية، وصفته فيها بأنه “سياسي جيد”.

وقالت دون الخوض في التفاصيل “من الواضح أن لدي رأي مختلف الآن”.

وتقارن ميلوني حزبها بالحزب الجمهوري الأمريكي وحزب المحافظين البريطاني حيث تُقدر الوطنية والقيم العائلية التقليدية ويتم شجب الإفراط في الصوابية السياسية والنخب العالمية.

وقالت في خطاب ألقته بالإسبانية في يونيو حزيران لمناصري حزب فوكس اليميني الإسباني “نعم للأسر الطبيعية، لا لجماعات الضغط المثلية، نعم للهوية الجنسية، لا للأيديولوجية القائمة على النوع، نعم لثقافة الحياة، لا للسقوط في هاوية الموت… لا لعنف الإسلام، نعم للحدود الآمنة، لا للهجرة الجماعية، نعم للعمل من أجل شعبنا، لا للتمويل الدولي الكبير”.

استخفاف

تقول استطلاعات الرأي إن سر نجاح ميلوني يكمن في قيمة حداثتها في عالم السياسة الإيطالية القديم، الذي دائما ما هيمن عليه الرجال، وتمسكها الراسخ بمواقفها.

وفي حين أن حليفيها ماتيو سالفيني وسيلفيو برلسكوني انضما إلى يسار الوسط العام الماضي لتشكيل حكومة وحدة تحت قيادة ماريو دراجي، رفضت ميلوني وقالت إن تعيين مصرفي سابق غير منتخب أمر غير ديمقراطي.

وجعل القرار إخوة إيطاليا الحزب الرئيسي الوحيد في المعارضة مما جعله يتجنب مشقة الدفاع عن قرارات لم تحظ بشعبية اتُخذت أثناء حالة الطوارئ المتعلقة بمكافحة تفشي فيروس كورونا.

وكانت ميلوني حذرة قبل الانتخابات وحثت حلفاءها على عدم تقديم تعهدات لا يمكنهم الوفاء بها ووعدت بأن تكون أمينة على إدارة الحسابات العامة الهشة في إيطاليا.

وطمأنت المؤسسة الإيطالية القائمة برسالة قوية مؤيدة للغرب تعهدت فيها بزيادة الإنفاق الدفاعي والوقوف في وجه روسيا والصين.

ودفعت كل رسائلها شديدة اللهجة الصحف الإيطالية إلى المقارنة بينها وبين رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت ثاتشر.

ومثلما حطمت ثاتشر الحاجز غير المرئي الذي يعيق تقدم النساء في بريطانيا لتتولى منصبا رفيع المستوى قبل 43 عاما، يبدو أن ميلوني على وشك أن تحذو حذوها في إيطاليا. لكن كونها امرأة هو أمر لا تتوقف كثيرا عنده.

فهي تعارض نظام الحصص لضمان التنوع وتعزيز وجود النساء في البرلمان أو المناصب العامة وتقول إن المرأة عليها أن تصل للقمة عبر الاستحقاق. لكنها تقول إن كونها امرأة له مزاياه أيضا في إيطاليا.

وقالت “عندما تكونين امرأة غالبا ما يتم الاستخفاف بك.. لكن هذا يمكنه حقا أن يساعدك”.

اضف تعليق