وبينما تحتفل واشنطن بانتصار تكتيكي سريع، يكشف التقرير عن عمق المأزق الاستراتيجي والاقتصادي الذي يلوح في الأفق. فهل سقط النظام فعلاً أم أنه يعيد إنتاج نفسه؟ وكيف سيرد العالم على تكريس مبدأ "شريعة القوة" واختطاف رؤساء الدول؟ وهل نحن أمام بداية عهد جديد من "الاستعمار الاقتصادي" أم أمام مستنقع...

في تحول جيوسياسي غير مسبوق مع مطلع عام 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قلب عاصمته كراكاس، لتدشن بذلك فصلاً جديداً وخطراً في العلاقات الدولية. هذه العملية، التي وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ "الجريئة"، لم تكن مجرد إجراء لإنفاذ القانون أو تغيير لنظام حكم معادٍ، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ولادة استراتيجية أمريكية جديدة أطلق عليها ترامب اسم "عقيدة دونرو".

يستعرض هذا التقرير التفاصيل الكاملة للحدث، بدءاً من الكواليس الاستخباراتية والعسكرية لـ "ليلة السقوط" واختراق الحصن الرئاسي، وصولاً إلى المشهد السريالي لمادورو مكبلاً في نيويورك. كما يحلل التقرير الرؤية السياسية لإدارة ترامب التي تجاوزت دعم المعارضة التقليدية إلى إعلان "إدارة البلاد" مباشرة، مع تهميش القوى الديمقراطية والمغازلة البراغماتية لأركان النظام المتبقين.

وبينما تحتفل واشنطن بانتصار تكتيكي سريع، يكشف التقرير عن عمق المأزق الاستراتيجي والاقتصادي الذي يلوح في الأفق. فمع وعود ترامب باستخدام النفط الفنزويلي لسداد فاتورة التدخل، يصطدم الطموح الأمريكي بواقع مرير: بنية تحتية متهالكة، جبال من الديون السيادية، وشبكة معقدة من المصالح الدولية المتضاربة.

يغوص هذا الملف في تداعيات الزلزال الفنزويلي، طارحاً الأسئلة الصعبة: هل سقط النظام فعلاً أم أنه يعيد إنتاج نفسه؟ وكيف سيرد العالم على تكريس مبدأ "شريعة القوة" واختطاف رؤساء الدول؟ وهل نحن أمام بداية عهد جديد من "الاستعمار الاقتصادي" أم أمام مستنقع طويل الأمد سيعيد تعريف السياسة الخارجية الأمريكية لعقود قادمة؟

المحور الأول: الضربة الخاطفة والاعتقال

في تحول تاريخي وغير مسبوق في العلاقات الدولية خلال القرن الحادي والعشرين، استيقظ العالم فجر الثالث من يناير (كانون الثاني) على وقع عملية عسكرية أمريكية وصفها الرئيس دونالد ترامب بـ "الجريئة والدراماتيكية"، أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من قلب العاصمة كراكاس، ونقلهما مكبلين إلى الأراضي الأمريكية. لم تكن هذه مجرد عملية توقيف، بل كانت استعراضاً للقوة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، دشنت مرحلة جديدة من التدخل المباشر تحت شعار "واشنطن ستدير البلاد".

بدأت القصة رسمياً في تمام الساعة 04:12 صباحاً بالتوقيت المحلي لشرق الولايات المتحدة، حين كسر الرئيس دونالد ترامب حاجز الصمت عبر منصته "تروث سوشيال". في منشور مقتضب ولكنه مدوٍ، أعلن ترامب: "نفذت واشنطن مهمة جريئة لإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته".

كان الرئيس الأمريكي يتابع مجريات العملية لحظة بلحظة من منتجع "مار الاجو" في بالم بيتش بولاية فلوريدا، محاطاً بفريق مصغر من كبار مساعديه، أبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ونائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر. هؤلاء شكلوا "غرفة عمليات" مصغرة عملت لشهور في الخفاء للتخطيط لهذه اللحظة.

في المؤتمر الصحفي الذي عقده لاحقاً، بدا ترامب منتشياً بما وصفه بـ "الانتصار"، قائلاً للصحفيين: "أتممت عدداً من المهام الجيدة، لكنني لم أرَ شيئاً كهذا من قبل". وأكد بصراحة تامة أن الولايات المتحدة وجهت ضربات لفنزويلا خلال الليل، متعهداً بأن واشنطن ستتولى السيطرة على البلاد في الوقت الحالي، قاطعاً الطريق أمام أي تكهنات بشأن القيادة الفنزويلية المحلية.

كواليس التخطيط: "النسخة طبق الأصل" والجاسوس المقرب

رغم أن الضربة بدت مفاجئة للعالم، إلا أن المصادر الاستخباراتية كشفت لرويترز أن التخطيط لها استغرق أشهراً من العمل الدقيق والمعقد. بدأت الملامح الأولى في أغسطس (آب) الماضي، حين نشرت وكالة المخابرات المركزية (CIA) فريقاً صغيراً على الأرض في فنزويلا. كانت مهمة هذا الفريق جمع أدق التفاصيل عن نمط حياة مادورو، عاداته اليومية، وحتى "ماذا يأكل" والحيوانات الأليفة التي يربيها.

ولضمان نجاح الاقتحام، قامت قوات النخبة الأمريكية، وتحديداً "قوة دلتا" التابعة للجيش، بإنشاء "نسخة طبق الأصل" لمنزل مادورو المحصن. تدربت القوات مراراً وتكراراً على سيناريوهات الاقتحام وكيفية التعامل مع التحصينات المعقدة للمبنى.

العامل الحاسم في تحديد توقيت العملية كان اختراقاً بشرياً؛ حيث أفادت المصادر بوجود "عميل" مقرب من مادورو تم تجنيده لمراقبة تحركاته، وكان هذا الشخص مستعداً لتحديد موقع الرئيس الفنزويلي بدقة متناهية مع بدء التحرك. وقبل أربعة أيام من التنفيذ، أعطى ترامب الضوء الأخضر، لكن القادة العسكريين نصحوا بالتريث قليلاً حتى انقشاع السحب وتحسن الأحوال الجوية لضمان دقة الغطاء الجوي.

ليلة النيران في كراكاس: تفاصيل الهجوم

في الساعات الأولى من صباح السبت، تحولت سماء كراكاس إلى ساحة حرب من طرف واحد. أشرف البنتاغون على حشد عسكري ضخم في منطقة البحر الكاريبي، تضمن حاملة طائرات، و11 سفينة حربية، وأكثر من 15 ألف جندي، تحت غطاء عمليات "مكافحة المخدرات".

عند بدء التنفيذ، شاركت قوة جوية هائلة وصفها ترامب بـ "العدد الهائل"، تضمنت أكثر من 12 طائرة من طراز إف-35 (الشبح)، بالإضافة إلى طائرات التزود بالوقود، وطائرات مسيرة، وطائرات متخصصة في التشويش الإلكتروني لتعمية الدفاعات الفنزويلية.

استيقظ سكان العاصمة الفنزويلية حوالي الساعة الثانية صباحاً على دوي انفجارات ضخمة وهدير مروحيات تحلق على ارتفاع منخفض. استهدفت الغارات الجوية مواقع عسكرية حيوية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي وقاعدة "لا كارلوتا" الجوية، حيث شوهدت لاحقاً مركبات عسكرية متفحمة تابعة لوحدة الدفاع الجوي الفنزويلية. وتسببت العملية في انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من العاصمة، مما زاد من حالة الذعر والارتباك.

الاقتحام والاعتقال: اختراق "الحصن الفولاذي"

بينما كانت الطائرات تؤمن السماء، توغلت القوات الخاصة الأمريكية، مدعومة بعملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، داخل كراكاس بأسلحة ثقيلة. الهدف كان مقر إقامة مادورو، الذي وصفه ترامب بأنه "حصن شديد الحراسة".

للتغلب على التحصينات، استخدمت القوات المقتحمة "مشاعل حرارية" متطورة لفتح الأبواب الفولاذية السميكة التي كانت تحمي الرئيس الفنزويلي. وعن هذه اللحظة، قال ترامب متباهياً: "تسنى لهم اقتحام المكان... أبواب فولاذية وضعت هناك لهذا السبب تحديداً، جرى تدميرها في غضون ثوانٍ".

داخل المنزل، حاول مادورو الوصول إلى "غرفة آمنة" (Panic Room) مخصصة لحالات الطوارئ، لكن الهجوم كان خاطفاً وسريعاً لدرجة أنه فشل في ذلك. وبحسب الرواية الأمريكية، تعرض مادورو لهجوم مباغت من القوات الخاصة وعملاء الـ FBI الذين انتشروا في المبنى.

أشار الجنرال دان كاين، رئيس أركان الجيش الأمريكي، إلى أن مادورو وزوجته سيليا فلوريس "استسلما" دون مقاومة تذكر بمجرد وصول القوات إليهما. وفي حين أكد المسؤولون الأمريكيون عدم وقوع أي خسائر في الأرواح بين القوات الأمريكية، صرح ترامب لصحيفة "نيويورك بوست" بأن "العديد" من عناصر الحراسة الكوبيين المكلفين بحماية مادورو قد قتلوا خلال الاشتباك.

الرحلة إلى نيويورك: "ليلة سعيدة" بالأصفاد

فجر المشهد التالي صدمة عالمية؛ فقد أظهرت اللقطات مادورو وهو يُنقل من منزله. عملية الإجلاء لم تكن سهلة، حيث ذكر ترامب أن إحدى المروحيات تعرضت لـ "ضربة قوية" أثناء المغادرة لكنها تمكنت من العودة بسلام. نُقل الرئيس المعتقل وزوجته جواً إلى السفينة الهجومية البرمائية "يو إس إس إيو جيما" (USS Iwo Jima) الراسية في الكاريبي، ومنها بدأت رحلتهما إلى الولايات المتحدة.

في وقت متأخر من مساء الأحد، هبطت الطائرة التي تقل مادورو وزوجته في "مطار ستيوارت الدولي"، الواقع على بعد حوالي 97 كيلومتراً شمال غربي مدينة نيويورك. وثقت الكاميرات لحظة صعود عملاء أمريكيين يرتدون زي الـ FBI إلى الطائرة بعد هبوطها.

نشر البيت الأبيض لاحقاً مقطع فيديو يظهر مادورو مكبل اليدين، يرتدي صندلاً وملابس غير رسمية (بدلة رياضية)، بينما يقتاده عملاء فيدراليون عبر منشأة تابعة لإدارة مكافحة المخدرات في مانهاتن. وفي مشهد سريالي، سُمع مادورو (63 عاماً) وهو يقول باللغة الإنجليزية للكاميرات والعملاء المحيطين به: "ليلة سعيدة، عام جديد سعيد" (Good night, Happy New Year)، في مفارقة صارخة تعكس ذهول اللحظة.

المصير القانوني والسياسي

بمجرد وصوله، أعلن المسؤولون الأمريكيون أن مادورو سيُحتجز في مركز احتجاز ببروكلين قبل مثوله المتوقع أمام محكمة مانهاتن الفيدرالية. التهم الموجهة إليه وإلى زوجته ثقيلة وتشمل "إرهاب المخدرات" (Narco-terrorism)، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة الأسلحة. وتصف واشنطن مادورو بأنه يدير "دولة مخدرات" ويستخدم العائدات لتمويل أنشطة غير مشروعة، وهي التهم التي طالما نفاها مادورو واعتبرها مؤامرة للسيطرة على نفط بلاده.

في أعقاب الاعتقال، لم يكتفِ ترامب بالحديث عن نجاح العملية العسكرية، بل رسم ملامح ما بعد مادورو بوضوح قاطع. وقف في فلوريدا ليعلن: "سندير البلاد حتى يحين الوقت الذي يمكننا فيه القيام بعملية انتقال آمنة". وأضاف بنبرة تحذيرية أن الولايات المتحدة "لن تكلفها العملية سنتاً واحداً"، ملمحاً بوضوح إلى أن تكاليف التدخل سيتم استردادها من "الأموال التي ستخرج من الأرض"، في إشارة لا لبس فيها إلى احتياطيات النفط الفنزويلية الأكبر في العالم.

هكذا، وفي غضون ساعات قليلة، تحول نيكولاس مادورو من رئيس دولة يخطب في الجماهير المحتشدة في قصر ميرافلوريس، إلى سجين في زنزانة بنيويورك، تاركاً خلفه عاصمة يسودها صمت مطبق، وحكومة تحاول لملمة شتاتها، وعالماً يترقب بقلق ما ستؤول إليه هذه السابقة الخطيرة في العلاقات الدولية.

المحور الثاني: استراتيجية ترامب "عقيدة دونرو" وأطماع الذهب الأسود

لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد عملية أمنية لعزل "ديكتاتور" كما تصفه واشنطن، بل كان حجر الأساس لاستراتيجية جيوسياسية واقتصادية شاملة كشف عنها الرئيس دونالد ترامب في الساعات التي تلت العملية. هذه الاستراتيجية، التي مزجت بين النزعة القومية المتشددة والأطماع الاقتصادية الصريحة، لخصها ترامب في مصطلح جديد صكه بنفسه: "عقيدة دونرو"، واعداً بأن تتحول فنزويلا من دولة "مارقة" إلى مشروع استثماري تديره واشنطن، حيث يدفع النفط فاتورة "التحرير".

من "مونرو" إلى "دونرو": إعلان الهيمنة المطلقة

في المؤتمر الصحفي الذي عقده في منتجع "مار الاجو" بفلوريدا، لم يتردد ترامب في إعادة صياغة التاريخ السياسي للولايات المتحدة. استحضر "مبدأ مونرو" (Monroe Doctrine) الشهير الذي أُقر في القرن التاسع عشر، والذي ينص على أن أمريكا اللاتينية هي منطقة نفوذ حصري للولايات المتحدة ومحرمة على القوى الأجنبية. لكن ترامب، بأسلوبه المعهود في إضفاء طابعه الشخصي على السياسة، أعلن عن تحديث جذري لهذا المبدأ.

قال ترامب متباهياً أمام الصحفيين: "أصبحنا الآن نسميها عقيدة دونرو (Donroe Doctrine)"، في تلاعب لفظي يدمج اسمه الأول "دونالد" مع اسم الرئيس الخامس جيمس "مونرو". وأضاف شارحاً فلسفته الجديدة: "إن عقيدة مونرو مهمة جداً، لكننا تجاوزناها إلى حد بعيد... في إطار استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن تُمَسَّ بعد الآن السيطرة الأميركية في النصف الغربي من الكرة الأرضية".

تتجاوز "عقيدة دونرو" فكرة منع التدخل الخارجي؛ فهي تؤسس لمبدأ "الوصاية المباشرة". فقد أوضح ترامب أن الولايات المتحدة لن تكتفي بمراقبة الوضع، بل "ستدير البلاد" فعلياً. هذه الرؤية تقطع الطريق تماماً على القوى المنافسة، وتحديداً الصين (المشتري الرئيسي للنفط الفنزويلي) وروسيا وإيران، التي عززت نفوذها في كراكاس خلال سنوات حكم مادورو. الرسالة كانت واضحة: فنزويلا الآن تحت الإدارة الأمريكية المباشرة، وأي نفوذ شرقي قد انتهى.

إدارة البلاد: "واشنطن هي الحاكم المؤقت"

أثار ترامب جدلاً واسعاً وضبابية سياسية حين سُئل عن مستقبل الحكم في فنزويلا. فبدلاً من دعم انتقال ديمقراطي تقليدي يسلم السلطة للمعارضة المحلية، طرح ترامب نموذجاً أقرب إلى "الانتداب" أو "الوصاية". صرح بوضوح: "سندير البلاد حتى يحين الوقت الذي يمكننا فيه القيام بعملية انتقال آمنة وسليمة وحكيمة".

ولتنفيذ هذه الإدارة، أشار ترامب إلى دائرته الضيقة، قائلاً إن "الأشخاص الذين يقفون خلفي مباشرة"، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيجسيث، هم من سيشرفون على إدارة فنزويلا في الفترة المقبلة. هذا التصريح همش المؤسسات الفنزويلية تماماً، وحول الوزارات السيادية في كراكاس، نظرياً، إلى فروع تابعة للإدارة الأمريكية في واشنطن.

المفاجأة السياسية الأكبر في استراتيجية ترامب كانت موقفه من المعارضة الفنزويلية التقليدية. فقد أغلق الباب علناً في وجه ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة البارزة والحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي كان الغرب ينظر إليها كبديل ديمقراطي طبيعي. برر ترامب هذا التهميش بقسوة قائلاً: "إنها لا تحظى بالدعم في الداخل أو الاحترام... إنها امرأة لطيفة للغاية، لكنها لا تحظى بالاحترام".

في المقابل، وببراغماتية صادمة، أبدى ترامب انفتاحاً على العمل مع ديلسي رودريجيز، نائبة مادورو وأحد أركان نظامه، زاعماً أن إدارته كانت على اتصال معها وأنها بدت "متعاونة". يعكس هذا التوجه تفضيل ترامب للتعامل مع شخصيات "قوية" داخل بنية السلطة القائمة يمكنها ضبط الأمن، بدلاً من شخصيات "ديمقراطية" قد لا تملك القوة الفعلية على الأرض، حتى لو كان ذلك يعني العمل مع بقايا النظام الذي أطاح برأسه للتو.

النفط مقابل الاحتلال: معادلة "لن يكلفنا سنتاً"

الركيزة الثانية، وربما الأهم، في استراتيجية ترامب هي الركيزة الاقتصادية الصريحة. لم يخفِ الرئيس الأمريكي أطماعه في الثروة النفطية الفنزويلية، التي تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم. أعاد ترامب إلى الأذهان خطابه القديم حول العراق، مؤكداً أن التدخل العسكري وإدارة فنزويلا "لن تكلف دافعي الضرائب الأمريكيين سنتاً واحداً".

كيف ذلك؟ الإجابة لدى ترامب كانت بسيطة ومباشرة: "سنحصل على تعويضات من الأموال التي ستخرج من الأرض". يرى ترامب أن السيطرة على النفط الفنزويلي واستخدامه لسداد تكاليف العملية العسكرية وإعادة الإعمار هو حق مشروع للولايات المتحدة.

وفي تفاصيل خطته النفطية، دعا ترامب شركات النفط الأمريكية العملاقة للعودة فوراً. قال: "سنقوم بإشراك شركات النفط الأمريكية الكبيرة جداً، وهي الأكبر في العالم، لإنفاق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية المتهالكة بشدة". الهدف هو رفع الإنتاج الفنزويلي المتدهور (الذي يبلغ حالياً نحو مليون برميل يومياً) وبيعه في الأسواق العالمية، على أن تذهب العوائد لخدمة المصالح الأمريكية وتسديد الديون.

هذه الدعوة موجهة تحديداً لشركات مثل "شيفرون" (الوحيدة التي لا تزال تعمل هناك)، و"إكسون موبيل"، و"كونوكو فيليبس"، التي لديها مستحقات بمليارات الدولارات لدى كراكاس نتيجة عمليات التأميم السابقة. يراهن ترامب على أن الخام الفنزويلي الثقيل يعتبر مثالياً لمصافي التكرير الأمريكية في ساحل الخليج، مما يخلق تكاملاً اقتصادياً يخدم رؤيته لـ "الهيمنة على الطاقة".

عقبات الواقع: بين الطموح والمستنقع

رغم نبرة الثقة التي تحدث بها ترامب، إلا أن التحليلات الاقتصادية والواقع على الأرض يشيران إلى أن تطبيق "عقيدة دونرو" النفطية دونه عقبات هائلة.

أولاً، البنية التحتية المتهالكة: يحتاج قطاع النفط الفنزويلي إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل للتعافي بعد سنوات من سوء الإدارة والعقوبات. يرى خبراء الطاقة، مثل توماس أودونيل وفرانسيسكو مونالدي، أن زيادة الإنتاج بشكل ملموس قد تستغرق ما بين 5 إلى 7 سنوات، بشرط توفر استقرار سياسي وأمني كامل، وهو ما لا يبدو متوفراً حالياً.

ثانياً، المخاطر القانونية والأمنية: الشركات الأمريكية الكبرى لن تغامر بضخ مليارات الدولارات في بيئة تحكمها "جماعات مسلحة" وميليشيات موالية لمادورو، وفي ظل وضع قانوني غامض لـ "إدارة أمريكية" غير معترف بها دولياً. كما أن ديون فنزويلا الهائلة (أكثر من 150 مليار دولار) وتعقيدات الدائنين تجعل من أي عائدات نفطية مستقبلية هدفاً لنزاعات قضائية لا تنتهي قبل أن تصل إلى الخزانة الأمريكية.

ثالثاً، شبح المستنقع: يحذر المنتقدون من أن ربط التدخل بالاستيلاء على النفط يعيد إنتاج سيناريو "غزو العراق 2003"، حيث تبخرت وعود "النفط مقابل الإعمار" وسط الفوضى والفساد والمقاومة المسلحة. ويرى السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي وغيره أن هذه السياسة قد تغرق ترامب في مستنقع طويل الأمد، حيث تتحول القوات الأمريكية من "محررين" إلى "حراس حقول نفط" في بيئة معادية.

الاستعمار الجديد؟

تمثل استراتيجية ترامب في فنزويلا تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية، يبتعد عن شعارات "نشر الديمقراطية" التقليدية نحو نموذج "الاستحواذ المؤسسي". من خلال "عقيدة دونرو"، يعامل ترامب فنزويلا كشركة مفلسة استحوذت عليها الولايات المتحدة وتعين عليها إدارة جديدة لتسييل أصولها (النفط) وسداد ديونها.

هذه الرؤية، التي تخلط بين السيادة الوطنية والعمليات التجارية، وبين الأمن القومي والمكاسب الاقتصادية، تضع واشنطن أمام مقامرة تاريخية. فنجاحها قد يعني سيطرة كاملة على سوق الطاقة في النصف الغربي، وفشلها قد يعني انهياراً شاملاً للدولة الفنزويلية وتورطاً أمريكياً مكلفاً ودامياً يعزز اتهامات "الإمبريالية" التي طالما رددها اليسار اللاتيني.

المحور الثالث: المشهد السياسي في فنزويلا فراغ السلطة أم صمود "الدولة العميقة"؟

خلف الغبار الذي أثارته مروحيات القوات الخاصة الأمريكية وهي تغادر سماء كراكاس حاملة "الرأس المدبر" للنظام، نيكولاس مادورو، تكشفت في اليوم التالي حقيقة سياسية معقدة ومربكة. فبينما كان ترامب يحتفل بـ "قطع رأس الأفعى" في فلوريدا، كان "جسد" النظام التشافيزي في كراكاس لا يزال يتحرك، ويناور، ويحاول رص الصفوف. وجد الفنزويليون والعالم أنفسهم أمام مشهد سريالي: رئيس معتقل في نيويورك، ورئيس أمريكي يعلن الوصاية من مار الاجو، وحكومة في كراكاس ترفض السقوط وتعلن "الاستمرارية الثورية".

هل سقطت فنزويلا في فراغ دستوري وفوضى شاملة؟ أم أن "الدولة العميقة" التي بناها التشافيزيون على مدار ربع قرن أثبتت أنها أقوى من مجرد شخص الرئيس؟

التوقع السائد لدى الكثير من المراقبين كان أن اعتقال مادورو سيؤدي إلى انهيار فوري للحكومة، وهروب جماعي للمسؤولين، وتفكك الجيش. لكن ما حدث كان العكس تماماً، على الأقل في الساعات الأولى.

ظهرت "النواة الصلبة" للنظام في بث تلفزيوني موحد ومدروس بعناية، لتبعث رسالة واحدة: "نحن هنا، والنظام باقٍ". تصدرت المشهد نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز، المرأة الحديدية التي توصف بأنها العقل المدبر البراغماتي في القصر. وإلى جانبها ظهر شقيقها خورخي رودريجيز (رئيس الجمعية الوطنية)، ووزير الدفاع الجنرال فلاديمير بادرينو لوبيز، ووزير الداخلية القوي ديوسدادو كابيلو.

كانت لغة الجسد والخطاب تشي بشيء واحد: "غريزة البقاء". هؤلاء القادة يدركون جيداً أن مصيرهم مرتبط ببعضهم البعض؛ فجميعهم، مثل مادورو، يواجهون لوائح اتهام أمريكية وتهديدات بالملاحقة الدولية. لذا، فإن السقوط يعني لهم السجن أو النهاية.

سارعت المحكمة العليا، الموالية تماماً للنظام، إلى ملء الفراغ القانوني بقرارات سريعة. أصدرت أمراً بتولي ديلسي رودريجيز صلاحيات الرئاسة "بصفة مؤقتة"، مبررة ذلك بأن الرئيس الدستوري تعرض لـ "عملية اختطاف" وعدوان أجنبي، ولم يغب بإرادته. حاولت رودريجيز الإمساك بالعصا من المنتصف؛ قبلت المهمة لضمان استمرار الدولة، لكنها أكدت في خطابها العاطفي: "نيكولاس مادورو هو الرئيس الوحيد لفنزويلا، ونطالب بالإفراج الفوري عنه".

لعبة ترامب المزدوجة: مغازلة "النظام" وتهميش "البديل"

في الوقت الذي كانت فيه كراكاس تحاول استيعاب الصدمة، ألقى دونالد ترامب قنبلة سياسية من واشنطن زادت المشهد تعقيداً. فبدلاً من دعم المعارضة الديمقراطية التي ناضلت لسنوات ضد مادورو، أبدى الرئيس الأمريكي "براغماتية قاسية" صدمت الكثيرين.

أعلن ترامب صراحة أنه "أغلق الباب" أمام العمل مع ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الأكثر شعبية والتي يرى الغرب أنها الفائزة الشرعية في انتخابات 2024. بكلمات قاسية، وصفها بأنها "لا تحظى بالاحترام"، مهمشاً بذلك الحركة الديمقراطية المدنية بضربة واحدة.

الأخطر من ذلك، كان تلميح ترامب إلى إمكانية التعاون مع "بقايا النظام". صرح بأن إدارته كانت على اتصال مع ديلسي رودريجيز، وأنها بدت "متعاونة". ورغم أن رودريجيز سارعت لنفي ذلك علناً لتجنب تهمة الخيانة، إلا أن تصريحات ترامب كشفت عن استراتيجية أمريكية جديدة: واشنطن تفضل التعامل مع "هيكل القوة" القائم (الجيش والبيروقراطية التشافيزية) لضمان الاستقرار وتدفق النفط، بدلاً من المغامرة بتسليم السلطة لمعارضة قد لا تملك مفاتيح السيطرة الفعلية.

مراكز القوى: الجنرال والرجل القوي

لفهم سبب عدم انهيار النظام فوراً، يجب النظر إلى توازن الرعب داخل الدائرة الضيقة التي ورثت تركة مادورو. السلطة في فنزويلا ليست هرمية بقدر ما هي "شبكية"، تعتمد على تحالف معقد بين المدنيين والعسكريين.

* ديوسدادو كابيلو (الرجل القوي): وزير الداخلية الحالي والضابط السابق، يعتبره الكثيرون الحاكم الفعلي للظل. يسيطر كابيلو على أجهزة الاستخبارات (SEBIN) وعلى الحزب الاشتراكي الحاكم، ولديه نفوذ واسع داخل القوات المسلحة يوازي نفوذ وزير الدفاع. وجوده يمثل "القبضة الفولاذية" التي تمنع أي تمرد داخلي. نقلت التقارير عنه قوله في تسجيل صوتي: "وحدة القوة الثورية مضمونة... لا ينبغي لأحد أن يقع فريسة لاستفزازات العدو". كابيلو يمثل التيار المتشدد الذي يرى أن أي تفاهم مع واشنطن هو انتحار.

* الجيش (بيضة القبان): المؤسسة العسكرية، بقيادة فلاديمير بادرينو لوبيز، ظلت وفية للنظام ليس فقط بسبب العقيدة الأيديولوجية، بل بسبب شبكات المصالح والفساد التي ربطت كبار الضباط بمفاصل الدولة الاقتصادية (خاصة شركة النفط PDVSA). الهيكل المعقد للسلطة يجعل تفكيكها صعباً؛ فإزاحة مادورو لم تلغِ سيطرة الجنرالات على المناطق العسكرية، ولا سيطرة الاستخبارات على الشارع.

ومع ذلك، تشير تقارير إلى وجود تصدعات تحت السطح. كشف محامٍ مطلع أن عدداً من المسؤولين والجنرالات بدأوا اتصالات سرية مع واشنطن "لجس النبض" حول صفقات محتملة (معلومات مقابل الحصانة)، مما يشير إلى أن "وحدة الصف" المعلنة قد تكون قشرة رقيقة تخفي ذعراً داخلياً.

المعارضة في مأزق: الخذلان والضياع

بالنسبة للمعارضة الفنزويلية، كان يوم الاعتقال يوماً "حلواً ومراً". الفرحة برؤية "الديكتاتور" مكبلاً أفسدها تماماً موقف ترامب من زعيمتهم ماتشادو. وجد أنصار الديمقراطية أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه: واشنطن، حليفتهم المفترضة، استبدلت "تغيير النظام" بـ "إدارة النظام".

ساد شعور بالخذلان بين الناشطين. ماتشادو، التي أهدت فوزها بجائزة نوبل لترامب سابقاً، وجدت نفسها معزولة. حاولت حفظ ماء الوجه بتصريحات تؤكد على ضرورة تولي حليفها إدموندو جونزاليس (المرشح الفائز في الانتخابات) الرئاسة، لكن صوتها ضاع وسط ضجيج الطائرات الأمريكية وتصريحات البيت الأبيض.

هذا الوضع خلق "فراغاً سياسياً" لدى الشارع المعارض. الجماهير التي كانت تملأ الساحات بدعوة من ماتشادو، لزمت بيوتها ليس فقط خوفاً من بطش كابيلو، بل حيرةً من الموقف الأمريكي. "لماذا نحتفل إذا كانت واشنطن ستديرنا، أو ستترك ديلسي تحكمنا؟" هذا هو السؤال الذي تردد في أوساط المعارضة المشتتة.

الشارع: صمت، خوف، وترقب

بعيداً عن قصور الحكم، عاشت العاصمة كراكاس والمدن الفنزويلية حالة من الشلل التام. الشوارع التي عادة ما تضج بالموسيقى والحياة، خيم عليها صمت مطبق. أغلقت المتاجر أبوابها بسواتر حديدية، وتوقفت حركة النقل.

لم تكن هناك احتفالات عارمة كما حدث في المهجر (ميامي ومدريد وسانتياغو). في الداخل، المعادلة مختلفة: الخوف من الميليشيات المؤيدة للنظام (Colectivos) لا يزال قائماً. الجنود يجوبون الشوارع، ونقاط التفتيش في كل مكان.

المواطنون العاديون، المنهكون أصلاً من سنوات الأزمة الاقتصادية، هرعوا لتخزين الطعام والمواد الأساسية خوفاً من حصار طويل أو حرب أهلية. قالت امرأة في ماراكايبو لرويترز بمرارة: "أنا سعيدة، لكنني خائفة... لا أملك طعاماً، وعلي أن أجد حلاً. الفنزويليون معتادون على تحمل الخوف".

هذا الصمت يعكس حالة من "انعدام اليقين". الشعب لا يعرف من يحكمه الآن فعلياً: هل هي ديلسي من قصر ميرافلوريس؟ أم ترامب من مار الاجو؟ أم الجنرالات في الثكنات؟

في المحصلة، لم يسقط النظام الفنزويلي بسقوط مادورو، لكنه تحول إلى ما يشبه "نظام الزومبي" (Zombie Regime)؛ هيكل بلا رأس، يتحرك بدافع الخوف والجمود، فاقد للشرعية الدولية والقدرة على المبادرة، لكنه لا يزال يمتلك أنياباً (أجهزة الأمن) ومخالب (السيطرة على الموارد).

تواجه فنزويلا الآن سيناريو غير مسبوق: "سلطة هجينة". في الأعلى، تدعي واشنطن الإدارة والوصاية وتطمح للسيطرة على النفط. وفي الوسط، تدير حكومة مؤقتة (بقيادة ديلسي والجيش) تسيير الأعمال اليومية وتحاول تجنب السجن. وفي الأسفل، شعب محاصر ومعارضة مهمشة. إنه ليس فراغاً في السلطة بالمعنى التقليدي، بل هو "ازدحام في السلطة" وتضارب في الشرعيات، ينذر بمرحلة طويلة من عدم الاستقرار، ما لم تحدث صفقة كبرى خلف الكواليس تطيح بباقي أحجار الدومينو.

المحور الرابع: العالم ينقسم وواشنطن تشتعل، ردود الفعل الدولية والمحلية

لم يكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينهي خطابه في "مار الاجو" معلناً اعتقال نيكولاس مادورو، حتى تحول هذا الحدث العسكري الخاطف إلى "ورقة عباد شمس" كشفت عن تصدعات عميقة في النظام الدولي، وأشعلت معركة سياسية ودستورية شرسة داخل الولايات المتحدة نفسها. تراوحت الردود بين النشوة والاحتفال، وبين الصدمة والإدانة، وبين القلق الصامت من "سابقة خطيرة" قد تغير قواعد الاشتباك بين الدول للأبد.

أولاً: العالم في حالة صدمة.. "سابقة خطيرة" ومخاوف جيوسياسية

على الصعيد الدولي، لم يكن الحدث مجرد تغيير نظام في دولة لاتينية، بل قُرأ كإعلان لعودة "عصر التدخل المباشر".

1. محور الرفض (الصين، روسيا، وحلفاء مادورو):

كان رد الفعل الأعنف قادماً من الحلفاء التقليديين لكراكاس. بكين وموسكو، اللتان استثمرتا مليارات الدولارات في فنزويلا، نظرتا إلى العملية كتهديد مباشر لمصالحهما ولسيادة الدول.

* الصين: دعت الخارجية الصينية إلى "الإفراج الفوري" عن مادورو، معتبرة العملية "تعدياً سافراً على السيادة". القلق الصيني لم يكن مرتبطاً فقط بالنفط، بل بالرسالة الجيوسياسية؛ فاستخدام واشنطن للقوة العسكرية لتغيير نظام حكم يثير مخاوف بكين بشأن سوابق مماثلة قد تُستخدم في مناطق نفوذها (مثل تايوان).

* روسيا وكوريا الشمالية: أدانتا العملية بشدة. بيونغ يانغ وصفت الاعتقال بأنه "قرصنة دولية"، بينما رأت موسكو في تصرفات ترامب تأكيداً على "العدوانية الأمريكية" التي لا تحترم القانون الدولي.

* إيران وكوبا: سارعتا لإدانة ما وصفتاه بـ "الاختطاف"، واعتبرتاه دليلاً على أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس سياسة "الكاوبوي" في الفناء الخلفي لأمريكا اللاتينية.

2. المؤسسات الدولية والحلفاء المترددون:

* الأمم المتحدة: كان موقف الأمين العام أنطونيو غوتيريش حذراً وشديد القلق. وصف العملية بأنها "سابقة خطيرة" لم تحترم قواعد القانون الدولي، محذراً من الفوضى التي قد تنجم عن تشريع مبدأ "اختطاف رؤساء الدول". ودعت المنظمة إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة الأزمة، بطلب من فنزويلا (عبر الرئاسة الصومالية للمجلس).

* أوروبا وفرنسا: وجد الحلفاء الأوروبيون أنفسهم في موقف محرج. هم يعارضون مادورو ويعتبرونه فاقداً للشرعية، لكنهم لم يستسيغوا أسلوب ترامب "المنفرد". الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاول التمايز عن الموقف الأمريكي بدعوته إلى "انتقال ديمقراطي" بقيادة إدموندو غونزاليس (مرشح المعارضة)، متجاهلاً خطة ترامب للوصاية المباشرة أو التعاون مع ديلسي رودريجيز.

* الفاتيكان: تدخل البابا (لاوون الرابع عشر) داعياً إلى تغليب "مصلحة الشعب الفنزويلي" وضمان سيادة البلاد، في تلميح رافض للوصاية الأجنبية.

3. الدعم الصريح:

في المقابل، برزت إسرائيل كأحد أبرز المؤيدين الدوليين للعملية. أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دعمه الكامل لـ "التحرك الحازم" للولايات المتحدة، معتبراً إياه خطوة ضرورية لإعادة "الحرية والعدالة"، مما يعكس التناغم في الرؤية الأمنية بين تل أبيب وإدارة ترامب.

ثانياً: الداخل الأمريكي.. انقسام بين "نشوة النصر" و"دستورية الحرب"

داخل الولايات المتحدة، تحول اعتقال مادورو إلى ساحة معركة حزبية، بل وحتى داخل المعسكر الجمهوري نفسه، حيث اختلطت مشاعر الفخر الوطني بجدل قانوني وأخلاقي حول حدود سلطة الرئيس.

1. الجمهوريون: بين الاحتفال والشكوك الانعزالية:

سيطر الابتهاج على الجناح التقليدي للحزب الجمهوري وأنصار ترامب الأوفياء.

* الاحتفاء بالنصر: اعتبرت شخصيات مثل السيناتور توم كوتون ورئيس مجلس النواب مايك جونسون العملية "إنجازاً مذهلاً" و"عملاً حاسماً ومبرراً" لحماية أرواح الأمريكيين (من المخدرات). سعت إدارة ترامب لتسويق العملية كنصر عسكري نظيف لم يكلف جندياً واحداً، ونشرت المتحدثة باسم البيت الأبيض رموزاً تعبيرية (عضلات ونار) احتفالاً بالقوة الأمريكية.

* الانقسام الداخلي (حركة MAGA): المفاجأة جاءت من الجناح الانعزالي في حركة "اجعل أميركا عظيمة مجدداً". النائبة مارجوري تايلور غرين (MTG)، وهي عادة من أشد حلفاء ترامب، وجهت انتقادات لاذعة للعملية. تساءلت في منشور مطول: "لماذا فنزويلا؟ ولماذا الآن؟". وأشارت إلى أن خطر الفنتانيل الحقيقي يأتي عبر المكسيك، متسائلة عن سبب عدم ضرب الكارتيلات المكسيكية بدلاً من خوض مغامرة في أمريكا الجنوبية.

* هذا التيار، الذي يمثله أيضاً السيناتور مايك لي (الذي شكك في البداية بدستورية العمل قبل أن يتلقى تطمينات من روبيو)، عبر عن "الاشمئزاز" من العودة لسياسات "المحافظين الجدد" (Neocons) وتغيير الأنظمة، معتبرين أن الناخبين صوتوا لترامب لإنهاء الحروب لا لبدئها.

2. الديمقراطيون: هجوم على "الإمبريالية" والانتهاك الدستوري:

وجد الحزب الديمقراطي في العملية مادة دسمة للهجوم على ترامب، ليس دفاعاً عن مادورو، بل خوفاً من تداعيات تصرفات الرئيس.

* خرق الدستور: ركز القادة الديمقراطيون، مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، على أن ترامب شن "عملاً حربياً" دون تفويض من الكونغرس، واصفين العملية بـ "المتهورة".

* الرفض الأخلاقي والاستراتيجي: السيناتور روبن غاييغو، وهو محارب قديم، وصفها بـ "الحرب غير المشروعة" وغير المبررة. بينما ذهب السيناتور برايان شاتز و كريس ميرفي إلى أبعد من ذلك، منتقدين "الإمبريالية الجديدة". تساءل ميرفي: "كيف يمكن للذهاب إلى الحرب في أمريكا الجنوبية أن يساعد الأمريكيين العاديين الذين يعانون من ارتفاع الأسعار؟".

* رواية النفط: التقط الديمقراطيون تصريحات ترامب حول "الاستيلاء على النفط" لتعزيز سرديتهم بأن الرئيس يجر البلاد إلى "حروب موارد" تشبه غزو العراق، محذرين من أن هذه الأطماع ستورط أمريكا في مستنقع طويل الأمد وتؤلب شعوب المنطقة ضدها.

3. الشارع الأمريكي والجالية اللاتينية:

* فرحة في فلوريدا: في معقل الجالية الفنزويلية بميامي ("دورال زويلا")، عمت الاحتفالات. خرج الآلاف ملوحين بالأعلام، معتبرين ترامب "محرراً". بالنسبة لهؤلاء، نهاية مادورو هي حلم طال انتظاره، بغض النظر عن الوسيلة. قال أحد المغتربين: "لا أثق بترامب، لكنني ممتن جداً".

* احتجاجات في واشنطن: أمام البيت الأبيض، نظم تحالف "أنسوير" (ANSWER) وجماعات يسارية ومناهضة للحرب مظاهرات صغيرة تندد بـ "الاختطاف" و"الإمبريالية الأمريكية"، مطالبين بإعادة مادورو وعدم التدخل في شؤون فنزويلا.

ثالثاً: البعد القانوني.. هل ما حدث قانوني؟

طفا على السطح نقاش قانوني معقد. إدارة ترامب بررت العملية بأنها "إنفاذ للقانون" بناءً على لوائح اتهام جنائية (إتجار بالمخدرات)، مستشهدة بسوابق مثل اعتقال مانويل نورييجا في بنما (1989). لكن خبراء القانون الدولي والدستوري، مثل جيريمي بول وماثيو واكسمان، دحضوا هذه الحجة. رأوا أن الخلط بين "إنفاذ القانون" و"إعلان إدارة دولة أخرى" هو أمر غير منطقي وغير قانوني، مؤكدين أن الاتهامات الجنائية لا تمنح الحق بشن هجوم عسكري واختطاف رئيس دولة يتمتع بالحصانة السيادية، مما يضع الولايات المتحدة في قفص الاتهام بانتهاك ميثاق الأمم المتحدة.

أظهرت ردود الفعل حقيقة جيوسياسية جديدة: الولايات المتحدة في عهد ترامب مستعدة للتحرك منفردة (Unilateralism) وبقوة مفرطة لتحقيق مصالحها، غير عابئة بالإجماع الدولي أو الحلفاء التقليديين. وبينما هلل أنصار القوة لهذا "الحزم"، دق الخصوم والحكماء ناقوس الخطر، محذرين من عالم تسوده "شريعة الغاب" حيث يمكن لأي قوة عظمى أن تختطف زعيم دولة أصغر وتدعي حق "إدارتها"، مما يفتح باباً للفوضى قد يصعب إغلاقه.

المحور الخامس: الملف الاقتصادي أوهام "الذهب الأسود" ومستنقع الديون والخراب

في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس دونالد ترامب أن "النفط الفنزويلي" سيدفع فاتورة التدخل العسكري الأمريكي، وأن واشنطن "لن تدفع سنتاً واحداً"، كان يرسم سيناريو اقتصادياً يبدو في ظاهره صفقة تجارية رابحة: الاستحواذ على أكبر احتياطي نفطي في العالم مقابل "إدارة" دولة متعثرة. لكن خلف بريق هذه الوعود البراقة، يقبع واقع اقتصادي كارثي يجعل من فنزويلا "قنبلة موقوتة" مالياً ولوجستياً، وليس "بقرة حلوباً" كما يصورها البيت الأبيض.

يواجه المشروع الأمريكي الجديد في كراكاس ثالوثاً مرعباً من العقبات: بنية تحتية نفطية متهالكة تحتاج لسنوات للتعافي، جبل من الديون السيادية المعقدة يتجاوز الناتج المحلي للدولة، وشركات نفط عالمية مترددة تخشى المخاطرة في "حقل ألغام" قانوني وأمني.

أولاً: أسطورة "النفط الفوري".. بنية تحتية في غيبوبة

يرتكز رهان ترامب الأساسي على فرضية أن النفط سيبدأ بالتدفق فوراً لملء الخزائن. لكن الحقائق على الأرض تروي قصة مختلفة تماماً عن انهيار صناعي استمر لعقدين.

تاريخياً، كانت فنزويلا تنتج في السبعينيات ما يصل إلى 3.5 مليون برميل يومياً، وكانت قوة ضاربة في منظمة "أوبك". اليوم، وبسبب سنوات من سوء الإدارة، ونقص الاستثمار، والعقوبات، وتأميم الشركات الأجنبية في عهد تشافيز، انهار الإنتاج إلى ما يقارب مليون برميل يومياً فقط، وهو ما يمثل نحو 1% فقط من الإنتاج العالمي.

البنية التحتية لشركة النفط الوطنية (PDVSA) توصف بأنها "متهالكة بشدة" (Dilapidated). الأنابيب ينهشها الصدأ، المصافي تعمل بجزء ضئيل من طاقتها، والحقول مهجورة تفتقر لقطع الغيار والكوادر الفنية التي هاجرت بالآلاف.

يؤكد خبراء الطاقة، مثل توماس أودونيل وفرانسيسكو مونالدي (معهد بيكر)، أن أي زيادة ذات مغزى في الإنتاج لن تحدث بين عشية وضحاها. التقديرات الواقعية تشير إلى أن الأمر يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وفترة زمنية تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات فقط لإصلاح ما يمكن إصلاحه والعودة لمستويات إنتاج مقبولة. هذا يعني أن "التدفق النقدي السريع" الذي يعد به ترامب هو وهم لوجستي؛ فالنفقات ستسبق العائدات لسنوات طويلة.

ثانياً: جبل الديون.. من يملك فنزويلا فعلياً؟

حتى لو بدأ النفط بالتدفق غداً، فإن العائدات لن تذهب مباشرة إلى واشنطن أو لإعمار فنزويلا، بل ستكون هدفاً لجيش من الدائنين الذين ينتظرون منذ سنوات لاسترداد أموالهم. فنزويلا اليوم هي مسرح لواحدة من أكبر حالات "التخلف عن السداد" (Default) في التاريخ المالي الحديث.

حجم الكارثة: تشير التقديرات إلى أن إجمالي الديون الخارجية لفنزويلا يتراوح بين 150 إلى 170 مليار دولار. هذا الرقم المرعب يمثل ما بين 180% إلى 200% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (المقدر بـ 82.8 مليار دولار لعام 2025).

خريطة الدائنين المعقدة:

1. حملة السندات (وول ستريت): هناك حوالي 60 مليار دولار مستحقة لحملة السندات الدولية وصناديق التحوط (Vulture Funds) الذين يراكمون الفوائد وغرامات التأخير منذ التخلف عن السداد في 2017.

2. ضحايا التأميم: شركات مثل "كونوكو فيليبس" و"كريستاليكس" و"إكسون موبيل" تمتلك أحكاماً قضائية دولية بمليارات الدولارات كتعويضات عن مصادرة أصولها سابقاً. شركة "كونوكو" وحدها تطالب بأكثر من 10 مليارات دولار.

3. الديون السيادية (الصين وروسيا): بكين وموسكو ليستا مجرد حليفين سياسيين لمادورو، بل هما أكبر الدائنين الحكوميين. قروض الصين مضمونة بالنفط، مما يعني أن أي إدارة أمريكية ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع بكين حول شحنات النفط المستقبلية.

عقدة "سيتجو" (Citgo): جوهرة التاج الفنزويلي، شركة التكرير "سيتجو" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، هي الآن رهينة قانونية. أسهم الشركة الأم معروضة في مزاد قضائي في ديلاوير لسداد الديون، حيث وصلت المطالبات المسجلة إلى 19 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز قيمة الشركة الفعلية. استعادة السيطرة على "سيتجو" وتوظيفها لصالح الخطة الأمريكية يتطلب معجزة قانونية أو تدخلاً تنفيذياً قد يخرق قواعد السوق الحرة.

ثالثاً: الشركات الأمريكية.. دعوة في مهب الريح

وجه ترامب دعوة مفتوحة لشركات النفط الأمريكية الكبرى ("ExxonMobil", "Chevron", "ConocoPhillips") للعودة وإدارة الحقول. لكن حماس الرئيس يقابله برود وحذر شديد في مجالس إدارة هذه الشركات.

لماذا التردد؟

1. المخاطر الأمنية: الشركات لا ترسل موظفيها ومعداتها الباهظة إلى مناطق تسيطر عليها ميليشيات مسلحة ("Colectivos") أو جيش ولاؤه غير مضمون، في ظل غياب استقرار أمني حقيقي.

2. الضمانات القانونية: الشركات التي طُردت وصودرت أملاكها سابقاً لن تعود إلا بضمانات حديدية. "كونوكو فيليبس" صرحت بوضوح أنها تراقب الوضع، لكن أولويتها هي تحصيل ديونها القديمة أولاً.

3. العقيدة الجديدة: العمل تحت مظلة "إدارة أمريكية" مباشرة (احتلال بحكم الأمر الواقع) قد يعرض هذه الشركات لملاحقات قانونية دولية أو هجمات انتقامية من قبل القوى المناهضة للإمبريالية.

الاستثناء الوحيد هو شركة "شيفرون"، التي لا تزال تعمل في البلاد بترخيص خاص وتصدر النفط لسداد ديونها. لكن حتى شيفرون تتعامل بحذر دبلوماسي، مدركة أن أي خطوة خاطئة قد تكلفها أصولها المتبقية. يرى المحلل مارك كريستيان أن الشركات "لن تعود حتى تتأكد من أنها ستحصل على أموالها"، وهو أمر غير مضمون في المدى المنظور.

رابعاً: إعادة الهيكلة المستحيلة

لتحويل فنزويلا إلى دولة قابلة للحياة اقتصادياً، يرى محللو "سيتي جروب" و"أبردين" ضرورة إجراء عملية "إعادة هيكلة" (Restructuring) قاسية للديون. تشمل السيناريوهات المقترحة شطب 50% من قيمة الديون (Haircut)، وإصدار سندات جديدة طويلة الأجل.

لكن هذا المسار يتطلب عادةً تدخل صندوق النقد الدولي (IMF) لفرض برنامج إصلاحي وتقديم السيولة. المشكلة هنا مزدوجة: فنزويلا لم تتعامل مع الصندوق منذ عقدين، ودخول الصندوق يتطلب اعترافاً بشرعية الحكومة، وهو أمر معقد في ظل وجود إدارة أمريكية "مؤقتة" ورئيس منتخب (مادورو) في سجن نيويورك. إضافة لذلك، العقوبات الأمريكية الحالية تمنع تداول الديون الفنزويلية، مما يجمد أي حل مالي حتى يقرر الكونغرس أو الرئيس رفعها.

خامساً: الواقع المعيشي.. الانهيار المستمر

بينما يتحدث السياسيون عن المليارات والبراميل، يعيش الاقتصاد الحقيقي في فنزويلا حالة "موت سريري". العملة الوطنية منهارة، التضخم الجامح أكل مدخرات الطبقة الوسطى، والفقر المدقع دفع 8 ملايين مواطن للهجرة.

بعد العملية العسكرية، تفاقم الوضع. توقفت سلاسل التوريد الهشة أصلاً، وأغلقت المتاجر أبوابها، وساد الخوف من نقص الغذاء. المواطن الفنزويلي لا يهمه من "يدير" النفط بقدر ما يهمه توفر الخبز والكهرباء. ويرى المراقبون أن أي تأخير في تحسين الوضع المعيشي سيحول "الترقب الصامت" في الشارع إلى "غضب عارم" ضد الإدارة الأمريكية الجديدة، خاصة إذا شعر الناس أن هدف التدخل هو "نهب النفط" وليس "إنقاذ الشعب".

في المحصلة، الملف الاقتصادي هو "كعب أخيل" في استراتيجية ترامب. فكرة أن "النفط سيمول الاحتلال" هي فكرة مبنية على بيانات السبعينيات، لا على واقع 2026. فنزويلا اليوم ليست منجماً للذهب، بل هي "ورشة خردة" عملاقة غارقة في الديون.

لإعادة تشغيل هذا المحرك المعطل، ستحتاج واشنطن لضخ أموال طائلة، وخوض معارك قانونية شرسة مع الدائنين، وتوفير أمن مستحيل للشركات. بدلاً من جني الأرباح، قد تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام فاتورة باهظة لإعمار ما خربه الدهر والسياسة، مما يجعل من "عقيدة دونرو" مغامرة اقتصادية غير محسوبة العواقب.

المحور السادس: الأبعاد القانونية والجيوسياسية نهاية "السيادة" وبدء "شريعة القوة"

عندما أصدر الرئيس دونالد ترامب الأمر لقوات "دلتا" باقتحام قصر ميرافلوريس واختطاف رئيس دولة ذات سيادة، لم يكن يغير نظام الحكم في فنزويلا فحسب، بل كان يوجه ضربة قاصمة للأعراف التي حكمت العلاقات الدولية منذ معاهدة "ويستفاليا". لقد فتحت عملية "اعتقال مادورو" صندوق باندورا قانونياً وجيوسياسياً، واضعة العالم أمام واقع جديد تتلاشى فيه الحدود الفاصلة بين "إنفاذ القانون" و"الحرب"، وبين "العدالة" و"الهيمنة".

هذا القسم يفكك الاشتباك المعقد بين تبريرات واشنطن القانونية، وبين المخاوف العالمية من تحول هذه السابقة إلى "قاعدة" تبيح للقوى العظمى التهام جيرانها.

أولاً: المعضلة القانونية.. هل ما حدث "اعتقال" أم "حرب"؟

يدور الجدل القانوني الأشرس حول تصنيف العملية نفسها. هل هي عملية "شُرطية" لإنفاذ القانون، أم هي عمل "حربي" عدواني؟

1. الرواية الأمريكية: "العدالة العابرة للحدود"

تستند إدارة ترامب في تبريرها القانوني إلى لوائح اتهام جنائية صادرة عن محاكم نيويورك وفلوريدا، تتهم مادورو بـ "إرهاب المخدرات" (Narco-terrorism) والتآمر لإغراق الولايات المتحدة بالكوكايين. من منظور واشنطن، مادورو ليس رئيساً شرعياً (بسبب التشكيك في نزاهة انتخابات 2018 و2024)، بل هو "زعيم عصابة" يدير منظمة إجرامية.

وبالتالي، تصنف الإدارة العملية باعتبارها إجراءً لإنفاذ القانون المحلي الأمريكي الذي يمتد عالمياً (Extraterritorial Jurisdiction) عندما يتعلق الأمر بتهديد الأمن القومي. استشهد المسؤولون بسابقة اعتقال الديكتاتور البنمي مانويل نورييجا عام 1989، وتسليم رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز (وإن كان الأخير قد سُلّم ولم يُخطف).

2. رأي القانون الدولي: انتهاك صارخ

في المقابل، يرى خبراء القانون الدولي، مثل جيريمي بول (جامعة نورث إيسترن) وماثيو واكسمان (جامعة كولومبيا)، أن الحجج الأمريكية "واهية" قانونياً وتخلط الأوراق بشكل خطير.

* الحصانة السيادية: حتى لو لم تعترف واشنطن بمادورو، فهو الرئيس الفعلي (De Facto) الذي يسيطر على الدولة ويمثلها في الأمم المتحدة. القانون الدولي العرفي يمنح رؤساء الدول حصانة مطلقة من الملاحقة القضائية الأجنبية أثناء توليهم مناصبهم، لحماية استقرار العلاقات الدولية.

* حظر استخدام القوة: تنص المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. الاستثناءات الوحيدة هي "الدفاع عن النفس" أو "تفويض مجلس الأمن"، وكلاهما غير متوفر هنا. فتجارة المخدرات، مهما كانت خطيرة، لا ترقى إلى مستوى "الهجوم المسلح" الذي يبرر الغزو العسكري.

* التناقض الداخلي: يشير البروفيسور جيريمي بول إلى تناقض صارخ في الموقف الأمريكي: "لا يمكنك القول إن هذه العملية كانت لإنفاذ القانون (عمل شُرطي)، ثم تستدير وتقول نحن الآن بحاجة لإدارة البلاد (احتلال عسكري). هذا غير منطقي".

ثانياً: الجدل الدستوري الأمريكي.. صلاحيات الرئيس

داخل واشنطن، أثارت العملية أزمة دستورية صامتة حول "صلاحيات الحرب".

* تجاوز الكونغرس: ينص الدستور الأمريكي على أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة المخولة بإعلان الحرب. انتقد مشرعون ديمقراطيون، مثل السيناتور تشاك شومر، تنفيذ عملية عسكرية واسعة (شملت طائرات F-35 وسفناً حربية وقصفاً جوياً) دون إخطار أو تفويض تشريعي.

* دفاع الإدارة: يجادل محامو البيت الأبيض بأن العملية تقع ضمن صلاحيات الرئيس بصفته "القائد الأعلى" (المادة الثانية من الدستور) لحماية المصالح الأمريكية، وأنها لم تكن "حرباً" بالمعنى التقليدي لأنها كانت محدودة النطاق والزمن ولم تستهدف احتلالاً دائماً (رغم أن ترامب صرح لاحقاً بأنه سيدير البلاد).

ثالثاً: الجيوسياسية.. "عقيدة دونرو" وتقسيم العالم

الأكثر خطورة من الجدل القانوني هو البعد الجيوسياسي الذي دشنه ترامب بإعلانه "عقيدة دونرو" (Donroe Doctrine). هذا التحديث لـ "مبدأ مونرو" يحمل رسائل استراتيجية تتجاوز كراكاس لتصل إلى بكين وموسكو.

1. استعادة "الحديقة الخلفية":

لسنوات، توغلت الصين وروسيا في أمريكا اللاتينية عبر القروض والاستثمارات والتعاون العسكري. عملية اعتقال مادورو هي إعلان أمريكي بإنهاء هذا التوغل بالقوة الغاشمة. الرسالة واضحة: نصف الكرة الغربي هو منطقة نفوذ حصري للولايات المتحدة، وأي نظام يتحالف مع "الشرق" سيعامل كتهديد وجودي ولن تحميه السيادة الوطنية.

2. تشجيع الخصوم (السابقة الخطيرة):

حذر الأمين العام للأمم المتحدة ومحللون استراتيجيون من أن ما فعلته واشنطن قد يمنح "الضوء الأخضر" لخصومها لتبني نهج مماثل.

* الصين وتايوان: إذا كانت الولايات المتحدة تبرر التدخل العسكري وإسقاط نظام حكم لأنه "غير شرعي" ويهدد أمنها، فما الذي يمنع الصين من استخدام نفس المنطق لـ "اعتقال" القيادة التايوانية التي تعتبرها بكين "انفصالية وغير شرعية"؟

* روسيا وأوكرانيا: قد تستخدم موسكو السابقة الأمريكية لتبرير عملياتها الخاصة في أوكرانيا، مدعية حقها في إزالة "تهديدات" من جوارها المباشر أو تغيير أنظمة تعتبرها معادية.

تقول جنيفر كافانا، مديرة مركز "ديفنس برايورتيز": "إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تعلن أن مسؤولاً ما لا يتمتع بالشرعية وتطيح به، فماذا يمنع دولاً أخرى من أن تفعل الأمر نفسه؟".

3. "دبلوماسية الرهائن" والابتزاز:

يحول هذا النهج العلاقات الدولية من الدبلوماسية إلى "عمليات خاصة". يصبح رؤساء الدول "أهدافاً مشروعة" للاختطاف أو التصفية بناءً على لوائح اتهام تصدرها محاكم الخصم. هذا يقوض مفهوم "الحصانة الدبلوماسية" الذي يسمح بالتواصل حتى بين الأعداء، ويدفع الأنظمة المناوئة للغرب (مثل إيران وكوريا الشمالية) إلى المزيد من التشدد والسعي لامتلاك رادع نووي، باعتباره الضمان الوحيد لمنع سيناريو "مادورو" من التكرار مع قادتهم.

رابعاً: النفط كسلاح قانوني (التعويضات القسرية)

يضيف ترامب بعداً جديداً للقانون الدولي بطرحه فكرة "الاستيلاء على الموارد كتعويض". تاريخياً، تدفع الدول المهزومة تعويضات بعد الحروب، لكن ترامب يستبق ذلك بمصادرة الثروة النفطية لتغطية تكاليف عملية هو من شنها.

هذا المنطق يحول الموارد الطبيعية للدول إلى "أصول قابلة للحجز" بقرارات أحادية، مما يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية ويخلق فوضى قانونية حول ملكية الشحنات النفطية وعقود الشركات.

في المحصلة، تمثل عملية اعتقال مادورو لحظة مفصلية تؤرخ لنهاية النظام العالمي القائم على القواعد (Rules-Based Order) الذي حاولت واشنطن نفسها بناءه بعد الحرب العالمية الثانية.

نحن الآن أمام نظام "القوة الصريحة"، حيث القانون هو ما تمليه القوة العظمى، والسيادة حق يمنح ويمنع بقرار من البيت الأبيض. قد يكون ترامب حقق انتصاراً تكتيكياً بإزالة خصم عنيد، لكنه استراتيجياً قد يكون قد هشم الزجاج الذي يحمي الجميع، مشرعاً الأبواب لعالم أكثر فوضوية وعنفاً، حيث لا حصانة لأحد، والحدود مجرد خطوط على الرمال تمحوها أول مروحية هجومية في الأفق.

المحور السابع: خاتمة تحليلية ما بعد الصدمة

بينما يطوي العالم صفحة "السبت الدراماتيكي" الذي شهد اختفاء نيكولاس مادورو خلف قضبان زنزانة نيويوركية، تجد الولايات المتحدة وفنزويلا والنظام الدولي أنفسهم أمام مشهد ضبابي لم يسبق له مثيل. إن عملية "رأس الأفعى" التي نفذتها إدارة ترامب ببراعة عسكرية مشهودة، قد تكون حققت هدفها الآني بإزاحة خصم عنيد، لكنها استراتيجياً، فتحت أبواب المجهول على مصراعيها. نحن لسنا أمام "نهاية القصة" كما صورها ترامب في خطابه الاحتفالي، بل أمام بداية فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة، يمكن وصفه بـ "مقامرة القرن" في النصف الغربي للكرة الأرضية.

تفرض معطيات الواقع، بعيداً عن صخب الدعاية السياسية، قراءة تحليلية عميقة لثلاثة مسارات رئيسية ستحدد مآلات هذا الزلزال: مأزق "بناء الدولة" في كراكاس، وحدود "عقيدة دونرو" في واشنطن، والتحولات الجذرية في مفهوم "النظام العالمي".

أولاً: وهم "قطع الرأس".. لماذا لم يسقط النظام؟

أثبتت الساعات والأيام التي تلت الاعتقال خطأ الفرضية القائلة بأن النظام الفنزويلي هو "نظام الفرد الواحد". لقد كشفت الأزمة أن "التشافيزية" ليست مجرد حكم رجل، بل هي "دولة عميقة" ذات جذور أخطبوطية، تتداخل فيها المؤسسة العسكرية مع عصابات الجريمة المنظمة، والبيروقراطية الحزبية مع شبكات المصالح الاقتصادية.

إن بقاء أركان النظام (ديلسي رودريجيز، ديوسدادو كابيلو، فلاديمير بادرينو) في مواقعهم، وتماسكهم الظاهري، يؤكد حقيقة مريرة لواشنطن: لقد اعتقلتم الرئيس، لكنكم لم تعتقلوا النظام. هذا "الهيكل الزومبي" الذي يدير كراكاس اليوم يقاتل من أجل بقائه الوجودي، مدفوعاً بخوف مشترك من المصير الذي لاقاه مادورو.

وبالتالي، تواجه واشنطن الآن معضلة كلاسيكية: إما الدخول في مواجهة شاملة ومكلفة لاجتثاث جذور النظام (وهو ما يتطلب احتلالاً عسكرياً برياً طويل الأمد)، أو القبول بـ "صفقة شيطانية" مع بقايا النظام لإدارة البلاد، وهو ما بدأ ترامب يلمح إليه فعلياً عبر تهميش المعارضة الديمقراطية.

هنا يكمن التناقض الأخلاقي والسياسي الأكبر؛ فإزاحة "ديكتاتور" بحجة الديمقراطية انتهت بتهميش "الديمقراطيين" (ماتشادو) لصالح التعامل مع "التكنوقراط السلطويين" (رودريجيز). هذا التحول يكشف أن هدف ترامب لم يكن "تحرير فنزويلا" بالمعنى الليبرالي، بل "تطويع فنزويلا" لتصبح تابعة إدارياً واقتصادياً، بغض النظر عمن يجلس في قصر ميرافلوريس، طالما أنه يطيع الأوامر القادمة من فلوريدا.

ثانياً: "عقيدة دونرو".. الاستعمار بصبغة الشركات

يمثل إعلان ترامب عن نيته "إدارة" فنزويلا واستخدام نفطها لسداد الفاتورة، تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية الأمريكية من "بناء الأمم" (Nation Building) التي ميزت حقبة بوش وأوباما، إلى "الاستحواذ المؤسسي" (Corporate Takeover).

يتعامل ترامب مع فنزويلا كشركة متعثرة استحوذ عليها بنك دائن، حيث يتم تعيين مجلس إدارة جديد لتسييل الأصول وسداد الديون. لكن الدولة ليست شركة، والشعوب ليست موظفين يمكن تسريحهم أو تغيير إدارتهم بقرار فوقي.

الفخ الاقتصادي: الرهان على النفط كحل سحري هو "وهم خطير". فالبنية التحتية المتهالكة، وشبكة الديون المعقدة، والنزاعات القانونية، تجعل من المستحيل تحويل النفط إلى "نقد فوري". بدلاً من أن تدفع فنزويلا تكاليف احتلالها، ستجد واشنطن نفسها مضطرة لضخ مليارات الدولارات لمنع انهيار إنساني كامل قد يرسل ملايين اللاجئين إلى الحدود الأمريكية.

إن محاولة "إدارة" دولة بحجم فنزويلا (30 مليون نسمة) عن بعد، أو عبر وكلاء محليين يفتقرون للشرعية الشعبية، هي وصفة مثالية للفشل. التاريخ القريب (العراق، أفغانستان) والبعيد (فيتنام) يعلمنا أن لحظات "النصر العسكري" السريعة غالباً ما تعقبها سنوات من "الاستنزاف السياسي" والتمرد. إذا لم يتحسن الوضع المعيشي للفنزويليين فوراً -وهو أمر مستبعد- فإن "المحررين" الأمريكيين سيتحولون في نظر الشارع إلى "غزاة لصوص" يسرقون النفط، مما يمنح بقايا التشافيزية قبلة الحياة لإعادة تنظيم صفوفهم تحت شعار "المقاومة الوطنية".

ثالثاً: عالم بلا قواعد.. السابقة الأخطر

على المستوى الجيوسياسي، قد يكون اعتقال مادورو هو المسمار الأخير في نعش "القانون الدولي" بصيغته التقليدية. لقد كرست العملية مبدأ "شريعة القوة": إذا كنت قوياً بما يكفي، فإن سيادة الدول الأخرى لا تعني شيئاً، ورئيس الدولة الخصم هو مجرد "مطلوب للعدالة" يمكن اختطافه.

هذه السابقة تحمل في طياتها بذور فوضى عالمية قادمة. فما الذي يمنع الصين غداً من تنفيذ عملية خاطفة "لاعتقال" الرئيس التايواني بحجة انتهاك قانون الأمن القومي الصيني؟ وما الذي يمنع روسيا من استهداف قيادات في دول البلطيق أو القوقاز تحت ذريعة حماية أمنها؟

لقد أزالت واشنطن "الخطوط الحمراء" التي كانت تحمي رؤساء الدول (حتى المارقين منهم) كصمام أمان للدبلوماسية. في هذا العالم الجديد، ستسعى كل الأنظمة المناوئة للغرب لتسريع برامجها النووية والصاروخية، لأن الدرس المستفاد من مصير مادورو (ومن قبله القذافي وصدام) هو: "الضمانة الوحيدة لعدم اختطافك من غرفة نومك هي امتلاك سلاح ردع شامل".

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية.. إلى أين تتجه البوصلة؟

بناءً على المعطيات الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة:

1. سيناريو "الاحتواء الهش" (المرجح حالياً):

تنجح واشنطن في فرض تسوية أمر واقع: تبقى ديلسي رودريجيز والجيش في السلطة كواجهة إدارية، مقابل تسليم السيطرة الفعلية على قطاع النفط والسياسة الخارجية لمبعوثي ترامب. يتم تهميش المعارضة الراديكالية (ماتشادو)، ويُحكم مادورو في أمريكا وتطوى صفحته. هذا السيناريو يوفر استقراراً مؤقتاً لكنه يفتقر للشرعية الشعبية، ويظل مهدداً بانفجار اجتماعي في أي لحظة.

2. سيناريو "المستنقع العراقي":

تفشل الإدارة الأمريكية في تحسين الوضع الاقتصادي، ويرفض الجناح المتشدد في النظام (بقيادة كابيلو) الامتثال الكامل، مما يؤدي إلى انشقاقات في الجيش وتمرد مسلح، وظهور ميليشيات حرب شوارع تستهدف المصالح النفطية الأمريكية. تجد واشنطن نفسها مضطرة لإرسال قوات برية لحماية الحقول، فتغرق في حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف رصيد ترامب السياسي داخلياً.

3. سيناريو "الفوضى الشاملة":

يؤدي غياب مادورو إلى صراع دموي على السلطة بين أجنحة النظام المختلفة (الجيش ضد الداخلية، أو عصابات المخدرات ضد الدولة)، فتنهار مؤسسات الدولة بالكامل، وتتحول فنزويلا إلى "دولة فاشلة" ومصدرة للفوضى والهجرة والأسلحة لكل المنطقة، مما يجبر دول الجوار والمجتمع الدولي على تدخل واسع النطاق تحت مظلة الأمم المتحدة.

كلمة أخيرة

إن مشهد نيكولاس مادورو وهو يودع العالم بعبارة "ليلة سعيدة" من مدرج الطائرة، قد يكون نهاية لمسيرته السياسية، لكنه ليس "ليلة سعيدة" لفنزويلا ولا للعالم.

لقد أيقظ دونالد ترامب الشياطين النائمة في كراكاس: شياطين الانقسام الداخلي، والأطماع الخارجية، والفوضى الاقتصادية. الانتصار العسكري كان "الجزء السهل" من المعادلة؛ أما الجزء الصعب -أي إدارة دولة منهارة، وإقناع العالم بشرعية القرصنة، وضخ النفط من آبار متهالكة- فقد بدأ للتو.

في "عقيدة دونرو"، قد تكسب واشنطن براميل النفط، لكنها تخاطر بخسارة ما تبقى من مصداقيتها كقوة استقرار عالمية، دافعة العالم نحو حقبة جديدة تكون فيها "القوة هي الحق"، والحوار هو خيار الضعفاء فقط. فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة تحت الوصاية؛ إنها مختبر جيوسياسي سيحدد شكل القرن الحادي والعشرين: هل هو قرن القانون؟ أم قرن الغزوات؟

* المصدر: وكالات+رويترز+فرانس برس

اضف تعليق