الصراعات السياسية الكبيرة التي تعيشها إيران والتي تفاقمت حدتها في السنوات الأخيرة، ربما تكون أهم واخطر تحدي للجمهورية الإسلامية، التي أصبحت اليوم إحدى اكبر القوى في المنطقة

كما يرى بعض المراقبين، الذين أكدوا ان الصراعات الداخلية ربما ستزداد في الفترة المقبلة مع احتدام المنافسة بين التيارات والأحزاب المسيطرة التي تسعى الى تأمين مصالحها منها التيار المتشدد والإصلاحي، وهو ما قد تستفيد منه بعض الجهات والدول الأخرى التي تسعى إضعاف إيران.

يرى الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن الإيراني أن الاحتجاجات الاخيرة في ايران ربما ستكون بداية لدخول هذا البلد الذي تحكمه بعض الشخصيات المتشددة في دوامة كبيرة، مالم تسعى السلطات الى اعتماد إصلاحات سياسية داخلية وخارجية حقيقية وتقديم تنازلات معينة، من اجل إعادة الثقة بين أجنحة النظام الإصلاحية والأصولية من جهة، وبين النظام والمواطنين من جهة ثانية. وقد دعا محمد خاتمي الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق والمحاصر في بيته حالياً، بحسب بعض المصادر لبدء حوار ومصالحة وطنية للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد. إلا أن رموز التيار الأصولي رفضوا هذا الطلب كلياً، وأكدوا إنّ هكذا حوارا لا معنى له.

وتشهد إيران تظاهرات هي الأضخم منذ احتجاجات عام 2009، التي قام بها الإصلاحيون اعتراضًا على نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز أحمدي نجاد لدورة رئاسية ثانية آنذاك. اندلعت في مدينة «مشهد» ثاني أكبر المدن الإيرانية، وأحد أهم معاقل رجال الدين المتشددين احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية بالبلاد، ثم اتخذت التظاهرات طابعًا سياسيًا، وانتقلت إلى العديد من المدن الأخرى، كـ طهران وأصفهان وكرمانشاه. رفع المتظاهرون شعارات سياسية مختلفة انتقدت رجال الدين والحكومة، وهو ما اجبر السلطات على اتخاذ إجراءات امنية متشددة تم خلالها اعتقال العشرات من المتظاهرين. وتواجه حكومة الرئيس روحاني مصاعب اقتصادية على خلفية ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت -وفق مركز الإحصاءات الإيراني- 12.4% في العام المالي 2017، وهو ما يمثل ارتفاعا نسبته 1.4% عن العام الذي سبقه، وهناك نحو 3.2 ملايين عاطل عن العمل في إيران التي يبلغ عدد سكانها ثمانين مليون نسمة. هذه الامور ربما قد تصب بمصلحة الخصوم الساعين الى اضعاف قدرة الرئيس الايراني وافشال خططه الداخلية والخارجية.

انتخابات حرة

وفي ما يخص اخر تطورات هذا الملف فقد دعا الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد لانتخابات رئاسية وبرلمانية ”حرة“ وذلك في خطاب مفتوح للزعيم علي خامنئي. وكان خامنئي قد دعم أحمدي نجاد حين أطلقت إعادة انتخابه رئيسا للبلاد عام 2009 احتجاجات حاشدة سقط فيها عشرات القتلى واعتقل المئات مما هز المؤسسة الدينية الحاكمة قبل أن تتمكن قوات الأمن وفي مقدمتها الحرس الثوري من إخماد الاضطرابات.

لكن شقاقا دب بين الزعيمين عام 2011 عندما ألغى خامنئي، الذي له القول الفصل في كل سياسات الجمهورية الإسلامية، قرارا أصدره أحمدي نجاد بإقالة وزير الاستخبارات ولمح إلى أنه تجاوز سلطاته. ولم يتمكن أحمدي نجاد، الشخصية المحافظة التي حظيت بشعبية خلال فترة الرئاسة، من الترشح في انتخابات 2013 لأنه أمضى فترتين متتاليتين في المنصب. وخلفه البراجماتي حسن روحاني الذي فاز بأغلبية كاسحة في ذلك العام وكذلك في السنة الماضية.

وفي حين دعا روحاني إلى تحرير الاقتصاد والمجتمع وإلى عدم تدخل الحرس الثوري في الانتخابات فإنه لم يصل إلى حد الإعلان صراحة عن تأييده لفرض قيود على سلطات الزعيم الأعلى، وهي نقطة تطرق إليها أحمدي نجاد في خطابه لخامنئي الذي نشره على موقعه الإلكتروني. وكتب يقول ”من المتطلبات الفورية والضرورية إجراء انتخابات سريعة وحرة للرئاسة والبرلمان، بالطبع دون تخطيط من مجلس صيانة الدستور وتدخل من المؤسسات العسكرية والأمنية، بحيث يتمتع الشعب بحق الاختيار“.

ويخضع مرشحو الرئاسة والبرلمان لتدقيق من مجلس صيانة الدستور الذي يضع تفضيلات خامنئي في الحسبان. وسبق وأن اتهم منتقدو أحمدي نجاد المجلس بالتلاعب في نتائج انتخابات 2005 و2009 لصالحه. ومع هذا قرر مجلس صيانة الدستور عدم أهلية أحمدي نجاد للترشح للرئاسة قبل انتخابات العام الماضي. وطالب أحمدي نجاد أيضا في خطابه ”بإصلاحات أساسية“ في ثلاثة أفرع حكومية هي الهيئة التنفيذية والبرلمان والقضاء وكذلك في مكتب الزعيم الأعلى. ولم يعرض بالتفصيل الإصلاحات التي يتصورها.

لكن لم يسمع أحد من قبل تقريبا أن مسؤولا في إيران انتقد علنا خامنئي أو سلطاته. ويعد العيب في الزعيم الأعلى جريمة يعاقب عليها القانون. وتفجرت اضطرابات خطيرة في ديسمبر كانون الأول للمرة الأولى منذ احتجاجات 2009، وذلك لأسباب تتعلق في الأساس بالمصاعب الاقتصادية. لكن سرعان ما شكا المحتجون من غياب الديمقراطية وطالبوا برحيل مسؤولين كبار منهم خامنئي. وسقط 25 قتيلا على الأقل في الاضطرابات واحتجز الآلاف قبل أن تشن قوات الأمن حملة واسعة، وخمدت الاحتجاجات في يناير كانون الثاني. بحسب رويترز.

وطالب أحمدي نجاد كذلك بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وإقالة آية الله صادق أمولي لاريجاني رئيس السلطة القضائية المحافظ الذي اتهمه باستهداف حلفائه دون وجه حق. وقال روزبه مير إبراهيمي، وهو صحفي عمل في جرائد إيرانية إصلاحية ويقيم الآن في نيويورك، ”أصبح أحمدي نجاد ومجموعته أكثر نشاطا بكثير في انتقاد القضاء والحكومة.‭ ‬وهو لا يزال يسير في طريق شعبوي“.

القضاء الايراني

الى جانب ذلك أقر المرشد الايراني الأعلى آية الله علي خامنئي بضرورة احراز تقدم "في مجال القضاء" في بلاده. وقال خامنئي في خطاب بطهران نشر على موقعه الالكتروني "حدث تقدم في مجالات عدة (...) لكننا نقر بأننا بقينا متأخرين في مجال القضاء". واعتبر أن من الضروري الاعتذار إلى الله والشعب الايراني جراء هذا التقصير. وجاءت تصريحات خامنئي في الذكرى الأربعين للانتفاضة التي شهدتها مدينة تبريز وشكلت لحظة مفصلية أدت إلى الثورة الإسلامية عام 1979.

وأقر بأن الاحتجاجات التي خرجت في انحاء ايران نهاية العام الماضي ومطلع العام الجاري واستمرت لأسبوع كشفت وجود غضب شعبي واسع، إلا أنه أصر على أن الشعب لا يزال يقف بثبات خلف الثورة الإسلامية. وقال "بكل تأكيد لدى الناس انتقادات لبعض القضايا في البلاد ونحن على علم كامل بهذه الشكاوى. لكن عندما يتعلق الأمر بمسألة الثورة والمنظومة، يخرج الناس للدفاع عنهما".

ولطالما انتقد ناشطون حقوقيون النظام القضائي الذي يهيمن عليه المحافظون لاستهدافه المعارضين السياسيين وممارسته اعتقالات تعسفية وعنفا ضد السجناء فضلا عن معدلات الإعدامات التي تعد الأعلى في العالم نسبة إلى عدد السكان. وسُلطت الأضواء مجددا على النظام القضائي الايراني خلال الأيام الأخيرة بعدما أفادت السلطات أن ناشطا بيئيا واستاذا جامعيا يدعى كاووس سيد إمامي "انتحر" في السجن بعد أسبوعين من اعتقاله بتهم تتعلق بالتجسس. بحسب فرانس برس.

وأعلنت عائلته أنها تلقت تهديدات بشأن إمكان تعرضها لاعمال عنف في حال تحدثت عن القضية. وجاء ذلك عقب ورود تقارير تحدثت عن وفاة شخصين في السجن بعد اعتقالهما في اطار الحملة الأمنية التي هدفت الى احتواء الاحتجاجات. لكن السلطات أشارت إلى أن اعتقالهما لم يكن مرتبطا بالاحتجاجات وذكرت أنهما انتحرا كذلك.

مطالب الشعب

في السياق ذاته قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن الإيرانيين لهم مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية ينبغي الإنصات إليها وذلك في واحد من أكثر بياناته صراحة عن حق الشعب في التعبير عن شكاواه منذ أن استخدمت السلطات القوة لإخماد مظاهرات في ديسمبر كانون الأول ويناير كانون الثاني.

وقال روحاني”الناس لديهم انتقادات واعتراضات على الشأن الاقتصادي ولهم الحق. لكن الاعتراضات ليست اقتصادية فقط. لديهم أيضا ما يقولونه بشأن القضايا السياسية والاجتماعية والعلاقات الخارجية“. وتابع يقول ”ينبغي أن تكون آذاننا صاغية للإنصات ولمعرفة ما يريده الناس. الحكومة تحاول حل المشكلات بكل ما لديها من قوة“.

واندلعت الاحتجاجات في أواخر ديسمبر كانون الأول بسبب المصاعب الاقتصادية وانتشرت إلى أكثر من 80 مدينة وبلدة إيرانية. ولقي 25 شخصا على الأقل حتفهم في الاضطرابات التي كانت أكبر تعبير عن السخط الشعبي منذ الاحتجاجات التي عمت البلاد عام 2009. وعبر المتظاهرون في بادئ الأمر عن غضبهم من ارتفاع الأسعار ومزاعم فساد لكن الاحتجاجات أخذت أيضا بعدا سياسيا نادرا حيث دعا عدد متزايد من الناس إلى تنحي الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي. بحسب رويترز.

وأعلن مسؤولون في القضاء احتجاز أكثر من ألف شخص في أنحاء البلاد. وقال عضو في البرلمان الشهر الماضي إن 3700 شخص على الأقل احتجزوا. وقال روحاني إن الشباب أغلبية في إيران حاليا ولهم الحق في التعبير عن آرائهم. وأضاف أن حجب مواقع على الانترنت ومصادرة أطباق لاقطة لبث الأقمار الصناعية لن يوقف تدفق المعلومات. وقال روحاني ”اليوم قبلنا الاحتجاج ولحسن الحظ كل السلطات في البلاد قبلت مبدأ الاحتجاج“ وذلك في إشارة على ما يبدو إلى بيان نادر لخامنئي قال فيه إن الناس لهم الحق في التعبير عن مخاوفهم المشروعة.

من جانب اخر قالت وكالات أنباء إيرانية إن قوات الأمن أطلقت النار على رجل يحمل سلاحا أبيض واعتقلته بعد محاولته اقتحام مقر المكتب الرئاسي. وقالت وكالة تسنيم للأنباء إنه كان يحمل السلاح ويرتدي كفنا أبيض اللون كرمز إلى استعداده للتضحية بحياته.

وقال محسن حمداني نائب محافظ طهران لوكالة فارس الإيرانية للأنباء ”المهاجم اعتقل ونقل إلى المستشفى. نحاول معرفة هويته ودوافعه“. وقالت وكالة مهر للأنباء إن المهاجم (35 عاما) أصيب بالرصاص في ساقه عندما حاول اجتياز البوابة الأمنية للمكتب الرئاسي في شارع باستور بوسط طهران وهي منطقة شديدة التحصين تضم مقار مؤسسات حكومية أخرى.

من جانب اخر دعا الأمير زيد بن رعد الحسين مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إيران إلى وقف إعدام الشبان المدانين في جرائم ارتكبوها وهم دون سن 18 عاما. وقال الأمير زيد إن السلطات أعدمت ثلاثة أشخاص خلال شهر يناير كانون الثاني بسبب جرائم قتل ارتكبوها عند سن 15 أو 16 عاما بينما يواجه بعضا من حوالي 80 حدثا مذنبا محكوما عليهم بالإعدام خطر ”الإعدام الوشيك“. وأضاف في بيان ”إعدام الجناة الأحداث محظور بشكل لا لبس فيه بموجب القانون الدولي بغض النظر عن ملابسات وطبيعة الجريمة المرتكبة“.

ولم يرد تعليق من السلطات في إيران التي وقعت اتفاقية دولية تحظر بصرامة إعدام من ارتكبوا جرائم وهم دون سن 18 عاما. وقال بيان الأمم المتحدة إن هناك تقارير تفيد بأن إيران أعدمت خمسة أحداث في 2017. وقال الأمير زيد ”يحزنني القول إن إيران تنتهك هذا الحظر المطلق بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان أكثر كثيرا من أي دولة أخرى“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1