الدعوة إلى حب الوطن لا تعني كراهية الشعوب الأخرى، ولا تعني العداء للدول المجاورة، ولا تعني الانغلاق أو التعصب. بل على العكس، فإن حب الوطن الحقيقي هو ما يجعل الإنسان يحترم الآخرين من موقع الندّية لا التبعية، ومن موقع الكرامة لا الاستجداء. فالدول التي تحترم نفسها، تُقيم علاقات متوازنة...
لماذا نحتاج اليوم إلى غرس حب الوطن؟
في كل المجتمعات الحيّة، لا يُعدّ حب الوطن شعارًا عاطفيًا أو جملة تُردَّد في المناسبات، بل هو قيمة تربوية وسياسية وأخلاقية تُزرع منذ الطفولة، وتُشكّل أساس الاستقرار والكرامة والسيادة. غير أن العراق، بسبب تاريخه المعقّد، وحروبه المتتالية، وانقساماته السياسية والطائفية، يعيش اليوم أزمة حقيقية في مفهوم الانتماء الوطني. فقد بات كثير من العراقيين –بوعي أو دون وعي– يُكثرون من الحديث عن محاسن دول الجوار، ويُضخمون نجاحاتها، ويبررون سياساتها، في الوقت الذي يُهملون فيه وطنهم، أو ينظرون إليه بوصفه عبئًا لا قيمة له.
إن هذه الظاهرة ليست مسألة ذوق أو رأي شخصي، بل قضية وجودية تمسّ مستقبل الدولة والمجتمع. فالأوطان لا تُبنى بالحياد العاطفي، ولا تستمر إذا تربّى أبناؤها على الإعجاب بالآخرين أكثر من إيمانهم بأنفسهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
علِّموا أولادكم حب الوطن... لا حب دول الجوار.
- حب الوطن ليس كراهية للآخر
من الضروري، قبل كل شيء، أن نُزيل سوء الفهم الشائع:
الدعوة إلى حب الوطن لا تعني كراهية الشعوب الأخرى، ولا تعني العداء للدول المجاورة، ولا تعني الانغلاق أو التعصب. بل على العكس، فإن حب الوطن الحقيقي هو ما يجعل الإنسان يحترم الآخرين من موقع الندّية لا التبعية، ومن موقع الكرامة لا الاستجداء.
فالدول التي تحترم نفسها، تُقيم علاقات متوازنة مع جيرانها، دون أن تُذيب هويتها في هوياتهم، أو تجعل مصالحها تابعة لمصالحهم. أما الشعوب التي تُفرط في تمجيد الخارج، فإنها تفقد تدريجيًا ثقتها بذاتها، وتتحول إلى ساحات نفوذ لا دولًا ذات قرار.
- العراق وطنٌ واحد... لا طوائف متفرقة
حب الوطن لا يمكن أن يكون حبًّا انتقائيًا، ولا طائفيًا، ولا مناطقيًا. العراق ليس ملكًا لطائفة دون أخرى، ولا لقومية دون غيرها، ولا لمحافظة دون سواها. هو وطن الشيعي والسني، العربي والكردي، التركماني والمسيحي والصابئي والإيزيدي. هو وطن من صلّى في النجف وكربلاء، ومن صلّى في الموصل وبغداد، ومن عاش في البصرة وأربيل. عندما نُعلِّم أبناءنا حب العراق، فإننا نُعلِّمهم احترام التنوع، لا الخوف منه، والعيش المشترك، لا الصراع. أما حين نُربّيهم على الولاء للخارج –مهما كان هذا الخارج قريبًا أو متشابهًا ثقافيًا أو دينيًا– فإننا نُسهم في تفتيت المجتمع من الداخل.
- لماذا ينجذب بعض العراقيين إلى تمجيد دول الجوار؟
لا يمكن معالجة الظاهرة دون فهم أسبابها. ومن أبرز هذه الأسباب:
1- الأزمات الداخلية المتراكمة:
الفساد، ضعف الخدمات، البطالة، وانعدام العدالة الاجتماعية، كلها تجعل المواطن يشعر بالإحباط، فيبحث عن نموذج ناجح في الخارج.
2- الإعلام الموجَّه:
كثير من وسائل الإعلام تُلمّع صورة دول الجوار، وتُظهرها كأنها ملائكية، بينما تُركّز على إخفاقات الداخل فقط.
3- الخلط بين الدين والسياسة:
حين تختلط المشاعر الدينية بالسياسات الخارجية، يصبح الولاء السياسي مشوَّشًا، ويُبرَّر دعم الخارج باسم العقيدة.
4- ضعف التربية الوطنية:
غياب خطاب وطني متوازن في المدارس والجامعات جعل الأجيال الجديدة لا تتعلّم معنى الدولة، ولا قيمة السيادة.
- العلاقات الدولية ليست قائمة على العاطفة
من أخطر الأوهام التي يجب تصحيحها، خاصة لدى الشباب، هو الاعتقاد بأن الدول تُحب دولًا أخرى، أو تتضامن معها بلا مقابل. هذا غير صحيح إطلاقًا.
العلاقات الدولية قائمة على قاعدة واحدة هي: المصلحة الوطنية. لا توجد دولة في العالم تُقدّم خدمة مجانية لدولة أخرى حبًّا بها. ولا توجد سياسة خارجية تُدار بالعواطف أو النوايا الحسنة. حتى أقرب الدول حلفًا، وأشدها صداقة، تحكم علاقاتها حسابات دقيقة: اقتصاد، أمن، نفوذ، موارد، وأسواق.
- الدول لا ترحم الضعفاء
في عالم السياسة الدولية، هناك قاعدة قاسية لكنها واقعية:
إذا كنت ضعيفًا، فالكل يستغلك.
الدولة الضعيفة:
• تُفرض عليها الشروط،
• تُستنزف مواردها،
• تُستخدم كساحة صراع،
• وتُؤكل بلحمها، كما يقول التعبير الشعبي.
أما الدولة القوية، حتى لو كانت صغيرة المساحة، فإنها:
• تُحترم،
• يُحسب حسابها،
• وتُعامل بندّية.
لذلك، فإن حب الوطن ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة سياسية. لأن من لا يحب وطنه، لا يدافع عنه، ومن لا يدافع عنه، يتركه فريسة للآخرين.
- لماذا يجب أن نُعلِّم أولادنا حب العراق؟
لأن الأطفال الذين يكبرون وهم يعتقدون أن:
• الدول الأخرى أفضل دائمًا،
• الخارج أذكى وأقوى وأرحم،
• الوطن لا يستحق التضحية،
سيكبرون وهم:
• بلا انتماء،
• بلا استعداد للبناء،
• وبلا قدرة على حماية بلدهم.
أما الطفل الذي يتعلم أن وطنه:
• له تاريخ عريق،
• وله إمكانات هائلة،
•وله شعب قادر على النهوض،
فإنه يكبر مواطنًا لا تابعًا، وبانيًا لا مستهلكًا.
- محاسن الوطن لا تُلغى بسبب أخطائه
نعم، العراق يعاني من مشاكل كبيرة. لكن هل يعني ذلك أن وطننا بلا محاسن؟
العراق:
• بلد الحضارات الأولى،
• بلد النهرين،
• بلد العقول والكفاءات،
• بلد الثروات الطبيعية والبشرية،
• بلد التنوع الثقافي الفريد.
إن نقد الواقع شيء، واحتقار الوطن شيء آخر. النقد البنّاء واجب، أما جلد الذات فهو خدمة مجانية للآخرين.
- كيف نُوازن بين الانفتاح وحب الوطن؟
حب الوطن لا يعني:
• رفض التعلّم من الآخرين،
• ولا رفض التعاون الإقليمي،
• ولا الانغلاق عن العالم.
بل يعني:
• أن نتعلم دون تبعية،
• وأن نتعاون دون ذوبان،
• وأن نُقدّر الآخرين دون أن نُحقّر أنفسنا.
العراقي الواعي هو من يقول:
نعم، نتعاون مع دول الجوار، لكن مصلحة العراق اولاً، وسيادة الوطن خط احمر.
- الوطن أولًا... دائمًا
في النهاية، لا توجد دولة ستحزن على العراق أكثر من العراقيين أنفسهم.
ولا توجد دولة ستبني العراق إن لم يبنه أبناؤه.
علِّموا أولادكم أن:
• الوطن ليس فندقًا نغادره عند أول أزمة،
• ولا سلعة نقارنها بسلع الآخرين،
• بل هو البيت الذي نُصلحه مهما تهدّم.
علِّموهم أن:
• العلاقات الدولية مصالح لا عواطف،
• وأن الدول لا تُحب أحدًا بلا مقابل،
• وأن من لا يحمي نفسه، لن يحميه أحد.
علِّموهم أن:
حب الوطن ليس شعارًا... بل موقف، ومسؤولية ومستقبل.
..........................................



اضف تعليق