إسلاميات - المرجع الشيرازي

الخلاص يكمن في التعايش وإدارة النزاعات

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

الخلاص يكمن في التعايش وإدارة النزاعات

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

 

 

شبكة النبأ: التعايش في مفهومه الواضح، هو نشر حالة من التوافق بين الافراد والجماعات والشعوب داخل الامة الواحدة وخارجها، بما يضمن درء خطر الحروب الاهلية والدولية، وبما يؤدي الى حالة من الوئام بين الجميع حتى لو اختلفت آراؤهم او افكارهم او معتقداتهم او ثقافاتهم، فالكل ينظر الى الكل بطريقة واسلوب يمنع الاحتراب، ويتم ادارة النزاعات بطريقة ذكية تمنع وقوع الحرب، وتقتل الفتن وهي في مهدها.

وهناك نقطة مهمة جدا تتعلق بمعنى التعايش، فهو لا يعني قبولك بالاخر، وانما يعني التعايش عدم محاربتك للاخر المختلف معك، معنى هذا انك لست مضطرا على القبول بفكر الآخر او معتقده او ثقافته، ولكن عليك ان لا تتقاتل معه، وعليه ان لا يعلن الحرب عليك بسبب الاختلاف الفكري او الثقافي او الديني والعقائدي، هذه هي الفكرة الاساسية للتعايش، وغالبا ما يقترن الأخير بحسن ادارة النزاعات التي تنشأ بين الافراد او المجموعات المختلفة. والحقيقة التي نستطيع استنباطها مما يدور في الواقع، أن الشيعة لم يتعلموا التعايش بعد، بمعنى انهم مطالبون بمعرفة فوائد التعايش وتطبيقها في حياتهم.

يقول سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، حول هذا الموضوع في احدى كلماته القيّمة: (يجب على الشيعة أن يتعلّموا التعايش مع بعض. والتعايش ليس معناه أن يقبل كل واحد بالآخر، بل هو عدم التحارب وعدم الزعل. فليبقَ كل واحد أو مجموعة على فكره وفضائيته وصحيفته وما إلى ذلك، ولكن لا يزعل مع الآخرين ولا يتحارب ولا يتقاتل معهم).

وقد اورد سماحة المرجع الشيرازي مثالا عن التعايش في اوربا بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من مآسٍ وخسائر فادحة للشعوب الاوربية، ودعا سماحته الى اهمية الاستفادة من هذا المثال الشاخص أمامنا، فقال سماحته في هذا المجال:

(بعد الحرب الكونية الثانية، اتّفق الاوربيون فيما بينهم وبين أميركا على أمرين، واعتبروهما خطا أحمر، وهما: الأول: عدم الاقتتال والتحارب بينهما مهما كان سبب الاختلاف والاكتفاء بالحرب باللسان وبالإعلام. والثاني: عدم الزعل وعدم التنافر. علماً بأنهم شعوب مختلفة، وألسنة مختلفة، وأديان مختلفة، وتوجّهات مختلفة، ولكنهم اتفقوا على ذلك).

ولا تنازعوا فتفشلوا

عندما نطالع صفحات التأريخ، ونقرأ حيثيات النزاعات التي حصلت بين الامم مع بعضها بغضا ناو بين مكونات الامة الواحدة، فإننا غالبا ما نصل الى استنتاج واحد، هو ليس هناك طرف مستفيد من الحرب حتى من يعلن او يشعر بأنه منتصر على الطرف الاخر، فحقيقة الامر ان جميع اطراف الحرب والنزاع هم خاسرون وفاشلون، ومن ينجح هو ذلك الذي يستطيع ان يتجنب الحرب بذكائه في مجال ادارة النزعات.وقد واجه الشيعة مصاعب كبيرة، وقدموا خسائر كبيرة كان يمكن ان يتجنبوها لو انهم اتقنوا ثقافة التعايش.

يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال بكلمته المذكورة نفسها: (ثقافة التعايش هذه لم يمارسها الشيعة، فعليهم أن يتعلّموها ويمارسوها. ولقد قال القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة: - وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ. سورة الأنفال: الآية 46 - وهذه الآية الكريمة تبيّن أن مع المنازعة الفشل).

علما ان الشيعة في العالم يمتلكون كل شيء، وفي حالة استخدام قدراتهم بالصورة الصحيحة، فإنهم يكونوا في مقدمة البشر، ولكنهم يفتقرون للمناعة كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي، والمناعة تتمثل بالتعايش، وبهذا المعنى فإن الشيعة في اقصى الحاجة لهذا الاسلوب في الحياة، ألا وهو اسلوب التعايش.

لذلك يؤكد سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال على: (أن الشيعة في العالم، عندهم كل شيء. فعندهم الأموال والتجّار والمراجع ورجال السياسة وغيرها، وهم منتشرين في الأرض كلّها، ولكن يفتقدون لشيء واحد وهي المناعة! ومناعة الشيعة هي أن يتعايشوا مع بعض وأن تتّحد كلمتهم).

وعندما تتحقق وحدة الكلمة لدى الشيعة فإن مناعة هذا المكوّن المهم في العالم، والذي يشبه الجسم البشرين سوف تكون قوية وكبيرة وعصية على الاختراق، فلا يمكن في حالة انتهاج الشيعة لاسلوب التعايش، أن يتعرضوا للتصدع، ولا يمكن ان تشغلهم النزاعات فيما بينهم او مع غيرهم، لانهم سوف يكونوا قادرين على واد الفتن التي تحدث بينهم وهي في مهدها، كذلك سوف تكون لديهم قدرة على ادارة الصراع مع الآخر، بما يضمن عدم اشعال الحروب والاقتتال، وفقا لمبدأ التعايش الذي ينص على (انني لا اتفق معك ولا أقبَلك، لكنني لن أُقدم على  الحرب او الاقتتال معك). كذلك من شروط التعايش انك لا تجبر الاخر بالقبول بما تراه انت، فمثلما لا تقبله انت، يمكنه أن لا يقبلك، إلا بالاقناع.

الشيعة أمة عظيمة

يرى سماحة المرجع الشيرازي بأن الشيعة أمة عظيمة في العالم، استنادا الى ما يمتلكون من مزايا فكرية ومادية ومؤهلات اخرى كبيرة، ولكن شريطة ان يتقن الشيعة ثقافة التعايش، فهي التي تجعلهم اكثر تماسكا وقوة وقدرة على مجاراة المصاعب وادارة النزاعات بالطرق التي لا تسبب لهم اذى، ولا تستنزف مواردهم الفكرية والمادية، فضلا عن اهمية قيام الشيعة بنهضة ثقافية شاملة كما يرى سماحة المرجع الشيرازي.

اذن امام الشيعة كمكون عالمي مهم، شرطان اساسيان، لهما اهمية بالغة في حاضرهم ومستقبلهم، وهما فهمهم وايمانهم ومعرفتهم الدقيقة لثقافة التعايش وتطبيقها على واقعهم بصورية متفنة، أما الشرط الاخر كما ذكرنا سابقا، أهمية قيام الشيعة بنهضة ثقافية كبيرة لتظهر للعالم اجمع مبادئ الشيعة الاسلامية المتسامحة المستمدة من القرآن والسنة النبوية وسيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام.

وعندما يتحقق هذان الشرطان يتحقق للشعية ما تصبو اليه من حياة كريمة، ومكانة كبيرة في المجتمع البشري على الرغم من تناقض مكوناته في الافكار والثقافات والعقائد وما شابه، وهكذا يطالب سماحة المرجع الشيرازي الشيعة بهذين الشرطيم، ويضعهما في مقدمة الامور والجوانب والاشتراطات التي تقدم خدمة كبيرة للشيعة في عموم العالم.

يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذا الموضوع الجوهري: إن (الشيعة هم أمّة عظيمة بالعالم، فعليهم أن يتعلّموا ثقافة التعايش وعليهم أن يقوموا بنهضة ثقافية شاملة). هكذا يشترط سماحة المرجع الشيرازي هذان الشرطان بوضوح تام، وما على الشيعة سوى التنبه، والعمل بحرص على اتقانا دارة الصراعات، وفهم وتطبيق ثقافة التعايش في واقعهم اليومي المعاش.

وهكذا لا يزال الشيعة وعموم المسلمين يبحثون عن سبل الخلاص، لاسيما ان حالات الاحتراب وتأجيج الصراعات قائمة بينهم، وهم بأحوج ما يكون الى السلام والاستقرار لكي يتفرغوا للتقدم ومجارة العصر الذي يتسم بسرعته الهائلة في جميع مجالات الحياة، ويرى سماحة المرجع الشيرازي، أن الخلاص من الظلم يكمن في التعايش و وجدة الكلمة. فإذا تمكن الشيعة من تحقيق ذلك، سوف يصبحون اقرب الى الخلاص من المآسي والظلم، وسوف يتفرغون الى الابداع والانتاج والتقدم حالهم حال العالم اجمع.

لذلك يؤكد سماحة المرجع الشيرازي في كلمته هذه على أن: (خلاص الشيعة من المآسي والمظالم في تعايشهم مع بعض ووحدة كلمتهم).

اضف تعليق