صعود عمالقة التكنولوجيا مثل "إنفيديا"، بالتزامن مع ثورة الذكاء الاصطناعي، قد خلق نموذجاً جديداً يحقق أرباحاً قياسية بأقل عدد من الموظفين، مما يعمق الفجوة بين ازدهار أسواق الأسهم وواقع الأجور، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الطبقة العاملة وتوزيع الثروة. حيث تُحول الأرباح والأسهم المتزايدة المزيد من الناتج المحلي...

في هذا التحليل الاقتصادي الذي نشرته صحيفة وال ستريت جورنال، يسلط الكاتب غريغ إيب الضوء على التحول الهيكلي في الاقتصاد المعاصر، حيث باتت العوائد المالية تتدفق بغزارة نحو رأس المال (الشركات والمساهمين) على حساب العمالة. ويستعرض كيف أن صعود عمالقة التكنولوجيا مثل "إنفيديا"، بالتزامن مع ثورة الذكاء الاصطناعي، قد خلق نموذجاً جديداً يحقق أرباحاً قياسية بأقل عدد من الموظفين، مما يعمق الفجوة بين ازدهار أسواق الأسهم وواقع الأجور، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الطبقة العاملة وتوزيع الثروة.

حيث تُحول الأرباح والأسهم المتزايدة المزيد من الناتج المحلي الإجمالي نحو الشركات، وكبار موظفيها، والمساهمين، بينما يعزز الذكاء الاصطناعي هذا الاتجاه.

في عام 1985، كانت شركة "آي بي إم" (IBM) الشركة الأعلى قيمة في أمريكا، وواحدة من أكثر الشركات ربحية، ومن بين أكبر أرباب العمل بقوة عاملة تقارب 400,000 موظف. أما اليوم، فتتربع شركة "إنفيديا" (Nvidia) على القمة بقيمة سوقية هائلة تلامس 5 تريليونات دولار، مما يجعلها تساوي ما يقرب من 20 ضعف قيمة "آي بي إم" آنذاك (بعد التعديل وفقاً للتضخم)، وأكثر ربحية بخمس مرات. ومع ذلك، تكشف البيانات أن "إنفيديا" توظف ما يقرب من عُشر عدد الموظفين فقط مقارنة بسلفها.

تخبرنا هذه المقارنة، المدعومة ببيانات السوق لعام 2026، شيئاً عميقاً عن اقتصاد اليوم: مكافآته تذهب بشكل غير متناسب نحو "رأس المال" بدلاً من "العمالة". تُظهر اتجاهات البيانات طويلة الأجل منذ عام 1980 وحتى 2026 تباعداً واضحاً؛ فبينما تحلق أرباح الشركات (قبل الضرائب) صعوداً من مستويات 7% لتلامس 15% من الدخل المحلي الإجمالي، نجد أن منحنى تعويضات العمالة يسير في اتجاه معاكس، منحدراً من نحو 58% في الثمانينيات ليصل إلى أدنى مستوياته مؤخراً. والنتيجة هي أن رأس المال -الذي يشمل الشركات والمساهمين والموظفين "النجوم"- هو المنتصر، بينما يحقق العامل العادي مكاسب هامشية.

يساعد هذا التباين في تفسير الانفصال بين اقتصادٍ مزدهر وأسرٍ متشائمة، كما يوضح لماذا أصبحت تقلبات السوق، مثل تلك التي حدثت الأسبوع الماضي، تؤثر بشكل أكبر على إنفاق المستهلكين. وفي الوقت نفسه، يهدد الذكاء الاصطناعي بتوجيه المزيد من الناتج الاقتصادي نحو رأس المال. فوسط تقارير عن تزايد التسريح وتراجع فرص العمل، أغلق مؤشر "داو جونز" فوق 50,000 نقطة للمرة الأولى.

البداية كانت مع المصانع

يقيس الناتج المحلي الإجمالي القيمة المضافة في الاقتصاد، والتي توزع إما كأجور للعمالة أو كأرباح لرأس المال. وتكشف الإحصاءات أن التحول من العمالة إلى رأس المال مستمر منذ أكثر من 40 عاماً. فبعد أن كانت العمالة تستحوذ على 58% من الدخل المحلي الإجمالي في عام 1980، انخفضت هذه النسبة إلى 51.4% بحلول الربع الثالث من العام الماضي. وفي المقابل، قفزت حصة الأرباح من 7% إلى 11.7%.

في الثمانينيات والتسعينيات، أدى تراجع النقابات وانتشار "التعهيد" إلى إضعاف العمال. كما تغيرت طبيعة الاستثمار الرأسمالي من مبانٍ ومصانع طويلة العمر إلى برمجيات ومعدات تقنية قصيرة العمر. ثم جاءت الأتمتة، التي خفضت حصة العمالة في القيمة المضافة للمصانع من 66% في عام 1980 إلى 45% بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ورغم أن هذا عزز الإنتاجية وخفض الأسعار، إلا أنه أجبر العمال على قبول وظائف أقل أجراً، وهو ما يفسر نصف الانخفاض في حصة العمالة بين 1987 و2016.

صعود التكنولوجيا الكبرى بعد الجائحة

رغم أن الجائحة منحت العمال قوة مؤقتة لرفع الأجور، إلا أن الأسعار ارتفعت بالتوازي، وسرعان ما عادت الأرباح لتحقيق مستويات قياسية.

وتوضح مقارنة القيمة السوقية بعدد الموظفين للشركات الكبرى التحول الجذري في نماذج الأعمال. ففي مطلع عام 2026، نجد عمالقة التكنولوجيا مثل "ألفابت" (Alphabet)، و"أبل" (Apple)، و"مايكروسوفت" (Microsoft) تتراوح قيمهم السوقية بين 3.0 و4.5 تريليون دولار، مع أعداد موظفين ضئيلة نسبياً. قارن هذا بشركات الماضي الصناعية مثل "جنرال إلكتريك" (General Electric) في عام 2000، التي كانت توظف جيشاً من العاملين يتجاوز 300,000 موظف، لكن بقيمة سوقية أقل بكثير مما نشهده اليوم. شركات اليوم، مثل "إنفيديا"، تصمم ولا تصنع، وتعتمد على الخوارزميات بدلاً من المصانع.

هذا التحول ليس مجرد مسألة أجور منخفضة، بل هو تغير في نوعية الشركات المهيمنة. فالشركات "النجوم" سريعة النمو تدفع رواتب مجزية ولكن لعدد قليل من الموظفين. فعلى سبيل المثال، نمت إيرادات "ألفابت" بنسبة 43% في السنوات الثلاث الماضية مع ثبات عدد الموظفين.

في هذه الشركات، يتلاشى الخط بين رأس المال والعمل، حيث يُعامل الموظفون المصممون للتكنولوجيا كـ"رأس مال بشري" ويُكافأون بالأسهم. حتى أن بعض عمليات الاستحواذ، مثل شراء "ميتا" حصة في "Scale AI" بـ 14 مليار دولار، تهدف أساساً "لشراء" العقول البشرية.

رابحون وخاسرون

منذ نهاية 2019، ارتفعت أجور العمال (بعد التضخم) بنسبة 3% فقط، وإجمالي التعويضات بنسبة 8%، بينما حلقت الأرباح عالياً بنمو قدره 43%. وقد ساهمت أرباح التكنولوجيا الهائلة مؤخراً في رفع هوامش ربح مؤشر "S&P 500" إلى أعلى مستوياتها منذ 2009.

ومع ارتفاع ثروة الأسر من الأسهم لتعادل 300% من دخلها السنوي المتاح (مقارنة بـ 200% في 2019)، أصبحت الثروة المحرك الجديد للاستهلاك بدلاً من الأجور، خاصة للأثرياء. ويُقدر أن عائداً بنسبة 10% على الأسهم يعزز القدرة الشرائية بقدر ما تفعله زيادة في الدخل بنسبة 18%.

ماذا سيحدث بعد ذلك؟

بينما تضخ شركات التكنولوجيا المليارات في مراكز البيانات، فإن الرهان الطويل الأجل يكمن في كيفية استخدام العملاء لهذه النماذج. وكما حذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك": "الذكاء الاصطناعي هو بديل عام للعمالة البشرية"، مما قد يؤدي لاستبدال المؤسسات الكبيرة بشركات ناشئة أقل توظيفاً.

وقد ظهرت بوادر ذلك عندما تسببت أدوات "أنثروبيك" الجديدة في تراجع أسهم شركات البرمجيات المتخصصة. ويتوقع الاقتصاديون أن دمج الذكاء الاصطناعي سيقلل حصة العمالة من الإيرادات، ليطال التأثير هذه المرة الموظفين ذوي الياقات البيضاء. وبينما سيستفيد المستهلكون من رخص الأسعار، وبعض العمال ذوي المهارات الاجتماعية أو اليدوية، يظل المساهمون هم الرابح الأكبر في هذه المعادلة الاقتصادية الجديدة.



اضف تعليق