المعركة السريعة التي جرت أحداثها في المنطقة الخضراء وسط بغداد (29-30 آب)، لم تكن حراكاً اعتيادية، فقد مثلت أقصى درجات الصدام بين القوى الشيعية المتصارعة على السلطة، مع موقف غير فاعل من قبل رئيس الوزراء تصريف الأعمال السيد مصطفى الكاظمي.

المعركة الشرسة سياسياً وعسكرياً تجري أحداثها بين قطبي المكون الشيعي الأكبر في العراق، وكل قطب له مسارين في التعاطي مع الأحداث، وكلا المسارين يصبان في طريق إلغاء الآخر والاستيلاء على السلطة.

التيار الصدري بالمسار السياسي بأنصاره السلميين المتمثلين بالمتظاهرين مع نوابه المستقيلين من البرلمان مجبرين من قبل زعيمهم السيد مقتدى الصدر، وبحماية جناحهم المسلح الذي تمثله سرايا السلام المنضوية ضمن الحشد الشعبي، حيث تمثل السرايا من كان ينتمي إلى جيش المهدي ولواء اليوم الموعود.

وفي الجهة المقابلة تقف قوى الإطار الشيعي الذي يعد المظلة السياسية للإطار مع متظاهريه المرابطين في منطقة الجادرية ولا يفصلهم عن متظاهري التيار الصدري سوى جسر الطابقين، وتحميهم قوة عسكرية غير حكومية منتمية لعصائب أهل الحق ومنظمة بدر والفصائل المسلحة الأخرى التي يمثل مجموعها قوات الحشد الشعبي.

قوتان كبيرتان سياسياً وعسكرياً، فشل كل منهما في تشكيل حكومة جديدة، بسبب لعبة عض الأصابع، واتباع سياسة حافة الهاوية، ومحاولات الاستيلاء على كل شيء بما يؤدي إلى إلغاء الشيعي الآخر مهما كلف الأمر.

صراع كَتَبَ عمراً إضافياً لحكومة الكاظمي المنتهية الصلاحية منذ تشرين الأول 2021 موعد إجراء الانتخابات المبكرة التي فاز فيها التيار الصدري بأكبر عدد من الأصوات فيما خسر الإطار التنسقي.

حاول التيار تشكل الحكومة بكل الطرق الممكنة وفشل، وهي حكومة لو تشكلت كانت كافية لفناء القوة العسكرية والسياسية للإطار التنسيقي حيث أعلن زعيم التيار منذ بداية فوزه بعزمه على تدمير القوى الشيعية الأخرى التي يعتبرها سبب دمار العراق، بينما لم يكن الإطار بهذه السهولة ليسقط تحت يدي التيار، فهو (الإطار)، لم يخسر كل قوته السياسية، وحصل على أصوات نيابية لا تؤهله لتشكيل الحكومة، لكنها كافية لعرقلة مشاريع غيره بتشكيلها، كما يملك عمقاً وعلاقات وثيقة مع الحكومة الإيرانية التي لا تمانع بدعمه ومنع انهياره أمام التيار الصدري، فضلاً عن قوته العسكرية الكبيرة المتمثلة بالفصائل المسلحة التي تشكل الحشد الشعبي.

أين الحكومة؟

خلال الشهور الأولى لتصاعد الصراع الذي اشتعل إثر إعلان نتائج الانتخابات لم يكن مطلوباً من الحكومة اتخاذ موقف، فالقضية لم تتجاوز السجال الإعلامي، والخطابات السياسية الباعثة على التشنج، وهي بالنهاية مسؤولية قائلها، ولم تتحول بعد إلى صدام فعلي ودم يسيل على الشوارع، وجثث تنقل للمقابر. بمعنى آخر هي سجال سياسي يعبر عن روح الدستور العراقي الذي يسمح بحرية الرأي والتعبير وممارسة النقد السياسي.

أما وقد طال الصراع وانتهك الدستور، ومرت أكثر من عشرة شهور بدون الاتفاق على صيغة حل، فالحكومة مطالبة بموقف، لا سيما وأن الحرب كانت تجري أمام أنظارها، وحالات القتل يشاهدها الملايين عبر البث المباشر.

السلاح بدأ يتدفق إلى المنطقة الخضراء الأشد تحصيناً في البلاد، المقرات الحزبية تحترق، القوات الأمنية وجدت نفسها في مواجهة ضد سلاح آخر ينتمي إليها قانونياً، ويختلف معها في التوجيهات، هو سلاح تابع للدولة ويفترض به أن يأتمر بأوامر القائد العام لكنه يمثل إرادة سياسية خارج سلطة الحكومة.

سقط أكثر من 30 قتيلاً من طرفي القوات الأمنية (المؤتمرة بأمر الحكومة وبغير أمرها)، ومئات الجرحى، وانزلقت البلاد إلى هاوية خطيرة، والحكومة التي يقع على عاتقها وقف القتال تتوسل إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بوقف القتال وكأن الصدر هو القائد العام الفعلي، ورئيس الحكومة هو زعيم حزب أو موظف لدى الصدر.

يتوقف القتال مؤقتاً بخطاب تلفزيوني قصير ألقاه الصدر ظهيرة الثلاثين من آب، يتنفس الكاظمي الصعداء، ويلقي خطاباً عبارة عن مجموعة اعترافات بحقيقة الواقع الذي يجري في العراق حيث الحكومة أضعف من الأحزاب بمسافة كبيرة.

أولاً: اعترف الكاظمي أن القوات الأمنية مشتتة وبعضها خارج عن سلطة الحكومة، فهو يقول: كفى ازدواجية الدولة واللادولة، وعلى المنظومة الأمنية الرسمية أن ترتبط جميعها بكل توجهاتها ولا فرق بين هذا وذاك فوراً بالقائد العام للقوات المسلحة ويتحمل كل غير منضبط المسؤولية القانونية.

ألا يعني هذا اعترافاً رسمياً من قبل رئيس الحكومة بأن القوات لا تأتمر بأمره.

ثانياً: في ظل الصراع الحامي قررت الحكومة نزع سلاح القوات الأمنية حسب ما وصلنا من المصادر المتواجدة في المنطقة الخضراء، وهو ما يؤكده كلام الكاظمي عن تشكل لجنة تحقيق؛ لتحديد المسؤولين عن وضع السلاح بيد من فتحوا النار على المتظاهرين، وأراقوا الدم رغم التوجيهات المشددة التي أصدرناها لمنع استخدام الرصاص.

يقر الكاظمي أنه أصدر أوامره لتحييد القوات الأمنية عن الصراع، بينما الأصل في عمل القوات الأمنية هو منع هكذا صدامات، لا سيما وان رئيس الوزراء يقر بأن النزاع كان بين "(السلاح المنفلت) و (السلاح المنفلت)".

إذا كان الكاظمي يعلم بحقيقة وجود صراع بين سلاح منفلت وآخر منفلت، لماذا يصدر أوامره بنزع سلاح القوات الأمنية؟ هل واجبه نزع سلاح القوات الأمنية عند حدوث نزاع خطير أم يأمر بنزع السلاح المنفلت؟ ومتى تستخدمه لوقف نزيف القتل؟

ثالثاً: الكاظمي يتهرب من المسؤولية فهو يكرر أنه أطلق حواراً وعلى القوى الأخرى التفاعل معه وعدم الانجرار للتصعيد، ولم يخبرنا لماذا تفشل مبادراته التي لا تغني ولا تسمن، وهي مجرد خطابات فارغة، وما تهديده بترك المنصب إلا الخطوة الكبرى في الهروب من المسؤولية.

الصراعات كبيرة والحكومة أصغر من أن تعالج مشكلة كهذه، ولا يحق للكاظمي التذرع دائماً بعدم استجابة القوى السياسية لطلباته، هل هو موظف لديهم ليقول هكذا كلام؟ وماذا بقي لمنصب رئيس الوزراء ليتوسل إلى هذا الزعيم وذاك.

اضف تعليق