سؤال طالما راود أذهان البشرية التائقة للخلاص من الازمات والمحن، فعقدت الآمال على منقذ ومخلص ينتشلها من واقعها الفاسد، بما يؤكد الطابع الانساني لهذا المفهوم (انتظار المنقذ)، كما كان المفهوم راسخاً في نفوس اليهود المضطهدين عبر التاريخ بسبب سوء سيرتهم وسلوكهم، فجاؤوا الى الجزيرة العربية، وسكنوا يثرب (المدينة) اتباعاً لما جاء في كتبهم من ظهور النبي الخاتم في هذه الارض، فكانوا يتوعدون المشركين من العرب بأن النبي القادم سينتقم لهم ويدافع عنهم، ونفس الامر بالنسبة للمسيحيين الذين يعدون فكرة "الخلاص" من ركائز عقيدتهم، واساس علاقتهم بالنبي عيسى، عليه السلام، وأنه منقذهم ومخلصهم من النار يوم القيامة.

بيد أن الاسلام جاء وأعطى فكرة الانتظار روحاً جديدة تخرجه من إطار التمنيات والآمال الى رحاب المسؤولية الجماعية، ومسيرة النمو والتكامل الانساني، ويُحكم الربط بين قيم السماء والفطرة الانسانية وسنن الله في الحياة، و أن ظهور الامام المهدي، عجل الله فرجه، إيذانٌ بتحقيق الأمل المنشود بتحكيم كل تلك القيم والموازين والنظم التي ضحى من أجلها الانبياء والصالحين منذ نبي الله آدم، والى آخر إمام معصوم على وجه الأرض، وحتى آخر مصلح وثائر يواكب ظهور الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه.

هذه الجنبة الحيوية في فكرة الانتظار هي التي أعطت للأمة الاسلامية، وتحديداً اتباع أهل البيت، عليهم السلام، بعداً استراتيجياً في الفكر والعقيدة والسلوك، يبنون من خلالها رؤاهم في المجالات الاساسية بالحياة من سياسة واجتماع واقتصاد، والعلاقة بين المجتمع والدولة، والعلاقات الاجتماعية، وهم في ذلك ينظرون دوماً الى الحديث النبوي الشريف: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج"، بيد أن هذا الحديث بحد ذاته يُعد اختباراً يضاف الى اختبار غيبة المنقذ والمخلص للمنتظرين، وهي كيفية الانتظار؟

يمكن تحديد مسارين نتجه من خلالهما نحو انتظار فاعل ومنتج ومساهم في تحقيق الحياة الطيبة التي تتحقق بكامل مواصفاتها وفي العالم أجمع يوم الظهور، هما؛ المسار العقدي (العقيدة)، والمسار العملي (السلوك).

الامام المنتظر يعيش بيننا

يتميز الشيعة الأثني عشرية عن سواهم من المسلمين بإيمانهم بوجود الإمام الحجة المنتظر على قيد الحياة منذ غيبته الكبرى سنة 328 للهجرة والى يومنا هذا (1442هـ)، وفق أدلة عقلية وأخرى نقلية، فهنالك الاحاديث والروايات في هذا الخصوص، كما أورد العلماء والباحثون أدلة عقلية تؤكد وجود الامام الحجة على قيد الحياة، وهو ما لم يقتنع به الآخرون، وربما تكون المشكلة في القصور بالايمان بالغيب، والانغماس في الحياة المادية القائمة على المحسوسات، انما المشكلة الاخرى؛ تسرّب هذا النمط من التفكير الى كيان المجتمع الشيعي من حيث لا يشعر، بحيث نجد الكثير –إن لم نقل الغالبية العظمى- يقومون بمختلف الاعمال والنشاطات في حياتهم دون أن يلتفتوا يوماً الى أنهم منظورون من قبل إمامهم الحجة المنتظر، وأنه –عليه السلام- يشاهد اعمالهم وحركاتهم، "وفي الروايات أنه، عجل الله فرجه- مؤيد بروح القدس، بينه وبين الله –عزوجل- عمود من نور يرى فيه أعمال العباد، وكل ما يحتاج اليه". (حقائق عن الامام المهدي- المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي).

و معروف عن المجتمع الشيعي احيائه مفهوم الغيبة وتكريسه في النفوس من خلال الأدعية والاذكار الواردة عن المعصومين، وفي الاعمال الخاصة بليلة النصف من شعبان، وزيارة المقامات المعروفة والمنسوبة الى الامام الحجة المنتظر في ايران والعراق، وهذا بحد ذاته يشدد من حدّة الاختبار للافراد اكثر من غيرهم من المسلمين، بل ان شريحة من الموالين والمؤمنين طالما يتمنون رؤية الإمام، والحظوة بقضاء حوائج مستعصية بجاهه عند الله –تعالى- فيكون الاختبار العظيم في السلوك والاخلاق، فضلاً عن الايمان، فقد أورد العلماء تجارب عديدة لمن كانوا يعدون انفسهم من التُقاة والمؤمنين، بيد ان شوائب صغيرة عالقة في القلب من حسد، وحقد، وكِبر، وأنانية، حالت دون تحقيق مرادهم، كما هي قصة ذلك العالم الكبير الذي حُرم من لقاء الإمام الحجة المنتظر، بينما حظي طالب بسيط ومبتدئ لديه بهذا الشرف بعد أن طلب العون من الله، ومن الامام المنتظر ليساعده على فهم واستيعاب العلوم الدينية، فطلب الاستاذ من تلميذه أن يدله على الشخص الذي جعله حاذقاً و ذو فهم وذكاء حاد خلال ايام، فذهب التلميذ الى ذلك الرجل وهو لا يعرفه، ونقل رغبة استاذه، فقال له: "لا حاجة لأن يأتينا، سنأتيه في الوقت المناسب"!

إن تقويم السلوك والاخلاق، والانتباه الشديد الى التصرفات والاعمال والاقوال داخل البيت، وفي محيط العمل، ومع الاصدقاء، وفي جميع نواحي الحياة، يؤكد حقيقة أن توثيق العلاقة بالامام المنتظر لا علاقة لها بالعناوين والمسمّيات، بقدر ما تحتاج درجة كبيرة من نقاء القلب وصفاء السريرة، وربما يتوفر هذا في انسان بمستوى علمي وثقافي بسيط، او انسان فقير ليس بوسعه إقامة مجالس دعاء الندبة وتحضير مأدبة الإفطار صباحاً، او لم يحظ بالوقت والفرصة لمطالعة المؤلفات والبحوث عن الغيبة والانتظار وما يتعلق بالامام المهدي المنتظر، عجل الله فرجه، ربما تقضى لمثل هؤلاء حوائج كبيرة لا تُصدق، مثل شفاء مرض قاتل، او نجاة من خطر عظيم من خلال شخص يظهر فجأة الى جانبه ثم يختفي، حتى دون أن ينتبه الى ذلك، فالرعاية والعناية الغيبية تكون مقابل الرعاية والعناية المادية التي يحرص عليها صاحبها في محيطه الاجتماعي عندما لا يتجاوز على حقوق الآخرين، ويتجنب أكل الحرام والشبهة.

هل نستذكر عدل أمير المؤمنين، عليه السلام؟

أول ما ترجوه البشرية من المنقذ؛ العدل، هذه القيمة السامية ذات الابعاد الواسعة والمدخلية في حياة البشر، ونحن نقرأ بشارة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لظهور ولده القائم المهدي: "يملأ قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا"، وجاء في الروايات أن الحمل الوديع يأمن على نفسه لأول مرة في التاريخ من الذئب، بيد أن كيفية تطبيق هذا العدل على ارض الواقع يحتاج وقفة تأمل مع النفس فمنها تنطلق تجربة العدل في المجتمع، ولعل أعظم تجربة في التاريخ البشري للعدل كانت في عهد أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما جسّده في مجتمع ذلك الزمان فثقل عليهم لضعفهم أمام هذه النفس التوّاقة الى المال والجاه كما درجوا عليه في الجاهلية، حتى قال، عليه السلام، "من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"، فكان هذا الفهم الضيق للعدل هو السبب في إشهار السيوف بوجه أمير المؤمنين، لذا علينا أن نعرف أن "العدالة التي ينشرها الامام الحجة المنتظر، هي نفس عدالة جدّه أمير المؤمنين".

نحن نطلب شيئاً، ولكن؛ نجهل استحقاقاته –على الاغلب- فالعدل الذي تنشده البشرية، فضلاً عن المسلمين، هو قيمة دينية، وليست مشروعاً ايديولوجياً يمكن تطبيقه وفق رؤى وظروف معينة يقررها اصحابها، فهي تتطلب من كل انسان تحديد مساحة حقوقه، ثم معرفة حقوق الآخرين، وما له، وما عليه، وبمقدار تحقيق هذا المطلب الجوهري، يأمن الناس ظلم الحاكم، والعكس بالعكس تماماً كما ترينا التجارب والواقع الذي نعيشه.

ونعود مرة اخرى الى عدل أمير المؤمنين لنتخذه نبراساً نسيره به في طريق الانتظار الحقيقي للإمام الحجة المنتظر، فعندما يشير الى نملة صغيرة ويُقسم بالأيمان الغليظة بأنه لن يسلبها جُلب شعير من فمها وإن ملك الأقاليم السبع –وليس هذا العالم الصغير- بمعنى أن علينا الانتباه في الدائرة الحكومية كيف نتعامل مع المراجعين، والمراجعين انفسهم كيف يجب ان يتعاملوا مع بعضهم، لاسيما في اوقات الزحام، و وجود النساء الى جانب الرجال، وكذا الحال في طريقة تعامل صاحب العمل مع العامل، والاستاذ مع تلميذه، والقاضي مع المتهم، وقبل كل هذا؛ رب الأسرة مع زوجته وأولاده، وسائر العلاقات الاجتماعية، ولا نذكر رجالات الدولة، لان سلوكهم إفراز لسلوك المجتمع والجماهير برمتها.

فهذا هو إسلام أمير المؤمنين، وهو إسلام الإمام الحجة المنتظر الذي سيظهر به كاملاً غير منقوصاً للعالم بأسره حتى يدخل الجميع افواجاً في دين الله طواعية راغبين مؤمنين من أعماق القلب.

اضف تعليق