إنَّ نجاحَ الصائمِ في مدرستِهِ الرمضانيةِ لا يُقاسُ بمدى تحملِ الجوعِ والعطشِ فحسب، بل بمدى نضجِهِ الوجدانيِّ وقدرتِهِ على إدارةِ العضلةِ العاطفيةِ. إنَّ تحويلَ الصبرِ من حالةِ تحملٍ سلبيةٍ إلى ممارسةِ وعيٍ نشطةٍ هو الجوهرُ الحقيقيُّ لعمليةِ صيانةِ الذاتِ والعودةِ بها إلى فطرتِها السليمةِ...
يقدم شهر رمضان المبارك فرصة تدريبية سنوية مكثفة لإعادة تشكيل الذات الإنسانية، ليس فقط من الناحية التعبدية أو الجسدية، بل أيضاً من الناحية النفسية والعاطفية. ففي ظل تزايد ضغوط الحياة الحديثة، يظهر الذكاء العاطفي كأداة أساسية لتحويل الصيام من مجرد امتناع مادي عن الطعام والشراب، إلى عملية واعية لضبط المشاعر وإدارة النزاعات الداخلية.
ما هو الذكاء العاطفي؟
يُعرف الذكاء العاطفي بأنه "القدرة على إدراك المشاعر وفهمها وإدارتها بفعالية، سواء كانت مشاعرنا الخاصة أو مشاعر الآخرين". إن استغلال مهارات الوعي الذاتي والتعاطف خلال هذا الشهر المبارك يحول الصبر من حالة تحمّل سلبية إلى ممارسة نضج إيجابية تحسن السلوك وترتقي بالروح؛ فالإنسان بعد أشهر طويلة يعيشها في حالة فوضى وعبثية في الكثير من السلوكيات لابد له من أن يقف في محطة الصيانة لإعادة إنتاج ذاته بما يجعلها أقرب إلى الفطرة التي فُطر عليها.
ويمكن توظيف الذكاء العاطفي في سياق شهر رمضان باعتباره أحد أسمى مقاصد الصيام، حيث يتحول الصبر من مجرد كفّ مادي إلى ضبط انفعالي واعٍ. فشهر رمضان يمثل فرصة ذهبية لتدريب العضلة العاطفية لدى الفرد -إن صح التعبير عنها بهذه الكيفية- مما ينعكس إيجاباً على صحته النفسية وعلاقاته الاجتماعية مع محيطه الذي ينشط فيه، وهذا هو لبّ الإنسانية وجوهرها.
ما هي سلوكيات الذكاء العاطفي؟
تتجلى سلوكيات الذكاء العاطفي في عدة صور سنذكرها على سبيل الاختصار، وأهمها:
أولى تجليات الذكاء العاطفي تتمثل في الوعي بالذات؛ ففي نهار شهر رمضان يواجه الجسم تغييرات بيولوجية بسبب نقص السكر وانخفاض مستويات الطاقة، مما قد يسبب سرعة الاستثارة أو "العصبية الرمضانية". فالفرد الذي يمتلك ذكاءً عاطفياً مرتفعاً لا يسمح لمشاعره بالتحكم فيه، بل يراقبها؛ فعلى سبيل المثال حين يعي الإنسان أنه يشعر بالتوتر الآن لأنه جائع وليس لأن الوضع يستدعي الغضب، يكون هذا الوعي هو الخطوة الأولى للحد من المشاعر السلبية ومنعها من الانفجار في وجه الآخرين.
الوجه الثاني للذكاء العاطفي في شهر رمضان هو التعاطف الإنساني؛ فشهـر رمضان هو شهـر الإحساس بالآخر. والذكاء العاطفي يعزز قدرتنا على "التعاطف العاطفي"، فعندما نشعر بالجوع نتذكر من يعيشونه طوال السنة، لكن التعاطف في رمضان يتجاوز الطعام ليصل إلى فهم ظروف الآخرين؛ فالعامل يراعي زميله الصائم، والزوج يقدر جهود زوجته في إعداد الإفطار، والآباء يتفهمون تقلبات مزاج أبنائهم. فهذا النوع من الذكاء الاجتماعي يحول الأجواء المنزلية والعملية في رمضان من مكان للتوتر المشترك إلى مكان للرحمة والتعاون.
والوجه الثالث للذكاء العاطفي في شهر رمضان المبارك يتمثل في ترميم العلاقات؛ إذ يعد رمضان موسماً اجتماعياً بامتياز عبر العبادَات الجماعية واللقاءات العائلية، والشخص الذكي عاطفياً يستثمر هذه المناسبات لترميم العلاقات المتصدعة. فامتلاك الإنسان للقدرة على المبادرة بالسلام، وإدارة الحوارات العائلية بهدوء، وتجنب الخلافات الجدلية أثناء الإرهاق، كلها مهارات اجتماعية تعزز الروابط الأسرية والاجتماعية.
والوجه الرابع يتضح في كون شهر رمضان يتيح فرصة لـ علاج الاجترار النفسي؛ إذ إن الاجترار أو الانغماس في الأفكار السلبية هو مصدر للقلق. ويقدم رمضان بنظامه الروحي وسيلة لـ "اليقظة الذهنية"؛ فالتركيز في العبادات، والتفكر في القراءة، والشكر عند الإفطار، كلها أفعال تخرج الإنسان من سجن أفكاره الماضية أو مخاوفه المستقبلية، ليعيش اللحظة الحالية بسلام وتصالح.
في الخلاصة نقول: إن نجاح الفرد في هذه الدورة التدريبية السنوية لا يقاس بمدى تحمله للجوع والعطش فحسب، بل بمدى نضجه الوجداني عند خروجه منها؛ فمن استطاع إدارة مشاعره وسط ضغوط الصيام وتغيراته البيولوجية، هو الأقدر على إدارة حياته ومشاريعه وعلاقاته طوال العام.



اضف تعليق