في اللحظات التي يبدو فيها المشهد السياسي وكأنه يتحرك، يغري التغيير في الوجوه بالاعتقاد بأن تحوّلًا عميقًا قد حدث، لكن التجربة العراقية منذ 2003 تُظهر بوضوح أن التمييز بين تغيير الأشخاص وتغيير القواعد ليس تفصيلًا، بل هو مفتاح الفهم كله، لأن الأنظمة لا تتغير بتبدل الأفراد، بل بتبدل آليات إنتاج السلطة....
في اللحظات التي يبدو فيها المشهد السياسي وكأنه يتحرك، يغري التغيير في الوجوه بالاعتقاد بأن تحوّلًا عميقًا قد حدث، لكن التجربة العراقية منذ 2003 تُظهر بوضوح أن التمييز بين تغيير الأشخاص وتغيير القواعد ليس تفصيلًا، بل هو مفتاح الفهم كله، لأن الأنظمة لا تتغير بتبدل الأفراد، بل بتبدل آليات إنتاج السلطة.
في هذا السياق يأتي تكليف علي الزيدي، بوصفه حدثًا أثار تساؤلات مشروعة حول طبيعة المرحلة: هل نحن أمام بداية خروج من النموذج السياسي الذي حكم العراق طوال العقدين الماضيين، أم أمام إعادة إنتاج له بصيغة أكثر مرونة؟
الجواب، في ضوء المعطيات، يميل إلى الاحتمال الثاني أكثر من الأول.
صحيح أن الزيدي لا ينتمي إلى الأحزاب التقليدية الكبرى التي هيمنت على السلطة، لكن هذا المعطى، على أهميته الشكلية، لا يكفي للقول إننا دخلنا مرحلة جديدة، لأن السؤال الحاسم لا يتعلق بهوية الشخص بقدر ما يتعلق بآلية اختياره، ومن الذي اختاره، وتحت أي شروط. فإذا كان الاختيار قد تم ضمن نفس البنية السياسية التي حكمت العراق، وبفعل توازنات القوى داخل الإطار التنسيقي، فإننا لا نكون أمام انقلاب على النظام، بل أمام تعديل في أسلوب عمله.
ما يحدث، في هذه الحالة، ليس كسرًا للنموذج، بل تكيّفًا معه، حيث يتم الانتقال من الواجهة الحزبية المباشرة إلى واجهة أقل احتكاكًا، وأكثر قابلية لإدارة التوازنات، وأضعف من حيث الاستقلال السياسي، بما يجعل رئيس الحكومة أقرب إلى موقع “مدير التسوية” منه إلى موقع “صاحب المشروع”.
بهذا المعنى، فإن تكليف شخصية من خارج الطاقم التقليدي لا يعني أن هذا الطاقم قد فقد سيطرته، بل قد يعني أنه يعيد تنظيم أدواته للبقاء، عبر تغيير الشكل والإبقاء على الجوهر، وهو نمط معروف في الأنظمة التي تعجز عن الإصلاح البنيوي لكنها تنجح في تأجيل أزماتها.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل الزيدي مختلف عن سابقيه؟ بل: هل سُمح له بأن يكون مختلفًا؟ وهل يمتلك القدرة السياسية والدستورية على الخروج من منطق التوازنات التي أنتجته؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فإن الحديث عن “مرحلة جديدة” يصبح مبالغة لغوية أكثر منه توصيفًا سياسيًا دقيقًا.
التحولات السياسية الحقيقية لا تبدأ من اختيار شخص خارج الطاقم التقليدي، بل تبدأ حين يتغير منطق الاختيار نفسه، وحين تنتقل السلطة من كونها نتيجة تسويات بين النخب إلى كونها تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة الانتخابية، وهذا هو جوهر الانتقال الذي يمكن تحقيقه عبر منطق حكومة الأغلبية المطلقة.
فالمشكلة الأساسية في النظام السياسي العراقي لا تكمن فقط في نتائجه، بل في القاعدة التي ينتجها، وهي قاعدة التوافق والمحاصصة، التي أفرزت حكومات بلا مسؤولية واضحة، وأضعفت إمكانية المحاسبة، وفتحت المجال لتقاسم السلطة بدل التنافس عليها.
في مقابل ذلك، يقوم نموذج حكومة الأغلبية المطلقة على مبدأ بسيط وحاسم: الجهة التي تحصل على (50% + 1) من مقاعد مجلس النواب هي التي تشكل الحكومة، ويكون مرشحها المعلن قبل الانتخابات هو رئيس مجلس الوزراء، بينما تنتقل بقية القوى إلى موقع المعارضة، بما يعيد التوازن الطبيعي بين السلطة والرقابة.
غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق بمجرد الدعوة إليه، بل يحتاج إلى مسار سياسي واضح يبدأ بإعادة تعريف قيمة الصوت الانتخابي، بحيث يصبح أداة لإنتاج حكومة، لا مجرد تعبير رمزي، ويتطلب إلزام القوى السياسية بإعلان مرشحيها وبرامجها قبل الانتخابات، ليصبح التنافس بين مشاريع لا بين أسماء تُطرح لاحقًا في صفقات مغلقة.
كما يتطلب بناء رأي عام رافض لحكومات التوافق بعد الانتخابات، لأن جوهر الأزمة في العراق لا يظهر في صناديق الاقتراع، بل في ما يحدث بعدها، حين تُفرغ النتائج من مضمونها عبر إعادة توزيع السلطة بين القوى السياسية جميعًا، فائزة كانت أم خاسرة.
ويظل الإطار الدستوري، ولا سيما تفسير المادة 76، ساحة حاسمة في هذا التحول، إذ يمكن توجيه مفهوم “الكتلة الأكبر” ليعكس الإرادة الانتخابية المباشرة، بدل أن يكون أداة لإعادة تشكيلها داخل البرلمان.
إن الانتقال إلى حكومة الأغلبية المطلقة ليس مجرد تعديل تقني، بل هو انتقال من فلسفة سياسية إلى أخرى، من نظام يقوم على تقاسم السلطة إلى نظام يقوم على تداولها، ومن سلطة بلا مسؤول واضح إلى سلطة يمكن محاسبتها.
وعند هذه النقطة يتضح الفارق الجوهري بين الحدثين: تكليف شخصية جديدة قد يعطي انطباعًا بالتغيير، لكنه لا يصنعه، أما تغيير قواعد إنتاج السلطة فهو وحده الذي يؤسس لمرحلة جديدة.
وبين وهم التغيير الذي تصنعه الأسماء، وحقيقة التحول التي تصنعها القواعد، يبقى مستقبل العراق معلقًا على الخيار الثاني.



اضف تعليق