لم يعد شهر رمضان مجرد محطة روحية في التقويم، بل صار حدثًا موسميًا، له استراتيجيات تسويق، وخطط بث، ومؤشرات ربح. كل شيء فيه قابل للاستثمار الوقت، المشاعر، الذكريات، وحتى النوايا. وهنا يبرز السؤال الأهم: من يربح من رمضان؟ ومن يدفع الثمن؟...

هل ما زال رمضان شهرًا يربي الإنسان… أم صار موسمًا يدرب فيه على الاستهلاك؟

سؤال قد يبدو صادمًا، لكنه يتسلل إلى الوعي مع كل اقتراب لهذا الشهر، حين تتبدل ملامح المدن، وتزدحم الشاشات، وتتضخم الموائد، ويعاد تعريف الصيام خارج معناه الأصلي. فبين الأذان الأول والإعلان الأخير، يقف رمضان اليوم في منطقة رمادية هل ما زال زمنًا للتهذيب، أم تحول إلى فرصة ربح متعددة الوجوه؟

لم يعد شهر رمضان مجرد محطة روحية في التقويم، بل صار “حدثًا” موسميًا، له استراتيجيات تسويق، وخطط بث، ومؤشرات ربح. كل شيء فيه قابل للاستثمار الوقت، المشاعر، الذكريات، وحتى النوايا. وهنا يبرز السؤال الأهم: من يربح من رمضان؟ ومن يدفع الثمن؟

السوق… حين يصوم الجسد وتفطر الرغبة

في المفارقة الأوضح، ينشط الاستهلاك في شهر يفترض أن يدرب الإنسان على التقليل. ترتفع معدلات الشراء، تتضاعف قوائم الطعام، وتتحول المائدة الرمضانية من مساحة مشاركة إلى منصة استعراض اجتماعي. لا يعود الطعام مجرد حاجة، بل خطابًا صامتًا عن المكانة، والقدرة، والوفرة.

الصيام، الذي جاء ليكبح الرغبة، أصبح عند البعض مبررًا للإفراط. نشتري أكثر لأننا “صائمون”، ونستهلك أكثر لأن “رمضان لا يتكرر”. وهكذا يربح السوق، لكنه ربح يقوم على إفراغ الفكرة من محتواها، وتحويل الامتناع إلى ذريعة جديدة للشراهة.

الإعلام… رمضان بوصفه موسم مشاهدة

الإعلام هو الرابح الثاني في هذا المشهد. في رمضان تحشد أقوى الإنتاجات، وتقاس نسب المشاهدة، وتدار المنافسة على ساعات الذروة. تتحول الأمسيات الرمضانية إلى سباق بين المسلسلات والبرامج، فيما تتراجع المساحة المخصصة للتأمل والسكينة.

حتى الخطاب القيمي والديني لم يسلم من هذا التحول، إذ اختصر أحيانًا في محتوى سريع، سهل الهضم، قابل للمشاركة، لكنه محدود الأثر. الإعلام يربح المشاهد، لكن السؤال: هل يخسر العمق؟ وهل تحول رمضان إلى مجرد خلفية زمنية لمنتج ترفيهي؟

المحتوى الرقمي… استثمار العاطفة

في عصر المنصات، صار رمضان مادة خام لصناعة المحتوى. منشورات مؤثرة، مقاطع قصيرة، اقتباسات متشابهة، وصور تستدعى فيها الروحانية كأداة جذب. ليس كل هذا سلبيًا، لكن الإشكال حين تتحول المشاعر إلى أرقام، والنية إلى أداء علني، والعبادة إلى مشهد قابل للتوثيق.

يحقق البعض شهرة، ويكسب آخرون تفاعلًا، وتدخل الإعلانات على الخط. يربح صانعو المحتوى، لكن الخطر أن يستنزف المعنى، وأن يتحول الشهر إلى “ترند” موسمي، ينتهي بانتهاء أيامه.

الربح… هل هو خطيئة؟

الربح بحد ذاته ليس إشكالًا. التجارة جزء من الحياة، والإعلام ضرورة، والمحتوى أداة. لكن المعضلة حين يصبح الربح الهدف الوحيد، وتُختزل القيم في شعارات تسويقية. حينها لا يعود رمضان مساحة لإعادة ترتيب الأولويات، بل ساحة تنافس على من يستحوذ أكثر.

رمضان لم يأتِ ليعادي السوق، ولا ليقصي الإعلام، بل ليذكر الإنسان بأنه ليس مجرد مستهلك، وأن الزمن يمكن أن يكون فرصة تهذيب لا مجرد وعاء استهلاك.

الخاسر الأكبر: المعنى

في هذا المشهد المتشابك، لا يبدو الخاسر شخصًا بعينه، بل المعنى ذاته. نخسر فكرة القلة، ونخسر الصمت، ونخسر البطء الجميل الذي كان يميز هذا الشهر. نخسر لحظة المواجهة الصادقة مع الذات، حين يغرق اليوم بالضجيج، وتستنزف الليالي بالمشاهدة.

شهر رمضان لا يخسر حين نأكل أو نشاهد أو نعمل، بل حين نفقد قدرته على التغيير الحقيقي. حين نخرج منه كما دخلنا، محملين بالتعب ذاته، والعادات ذاتها.

ربما لا نستطيع إيقاف السوق، ولا خفض الإعلانات، ولا إعادة رمضان إلى صورته المثالية في الذاكرة. لكننا نستطيع أن نعيد طرح السؤال على أنفسنا:

ماذا أريد أن أربح أنا من رمضان؟

هل أريده شهرًا لاستهلاك مختلف؟ أم مساحة لإعادة النظر؟ هل أريده هدنة مؤقتة، أم بداية مسار جديد؟

ربح لا يقاس بالأرقام

شهر رمضان سيبقى كريمًا بطبيعته، لكن كرم الشهر لا يكتمل إلا بوعي الإنسان. الربح الحقيقي فيه ليس ما نضيفه إلى موائدنا، بل ما نسقطه من أثقالنا. ليس ما نستهلكه، بل ما نعيد تعريفه في علاقتنا مع الوقت، والرغبة، والآخرين.

ربما آن الأوان أن نحرر شهر رمضان من كونه موسمًا، ونعيده إلى كونه فرصة.

فرصة لأن نربح أنفسنا… قبل أن يربح منا الآخرون.

اضف تعليق