لم تعد الفلسفة اليوم مشروعاً فكرياً، بل تحوّلت في كثير من برامج البودكاست والحوارات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى سلعة رائجة تُقدَّم بعلب فاخرة ومحتوى فارغ. عناوين مستفزّة، لغة متعالية، ونظرات متصنّعة توحي بالعمق، فيما لا يتلقّى المتابع سوى فراغ مُعاد تدويره تحت اسم تفكير فلسفي...
لم تعد الفلسفة اليوم مشروعاً فكرياً، بل تحوّلت في كثير من برامج البودكاست والحوارات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى سلعة رائجة تُقدَّم بعلب فاخرة ومحتوى فارغ. عناوين مستفزّة، لغة متعالية، ونظرات متصنّعة توحي بالعمق، فيما لا يتلقّى المتابع سوى فراغ مُعاد تدويره تحت اسم "تفكير فلسفي".
ما يُسمّى فلسفة في هذه البرامج ليس سوى خليط من العموميات، والعبارات الرمادية، والآراء الشخصية التي تُطرح دون معرفة، ودون قراءة، ودون أي التزام بمنهج أو سياق. يتم استحضار الفلسفة كزينة لغوية، لا كأداة للفهم، فتُختزل قرون من التفكير الإنساني في جملة غامضة قابلة للتداول، لكنها عاجزة عن تفسير شيء.
الأكثر إثارة للقلق أن هذا الخطاب يُمارَس بثقة مفرطة؛ مقدّمون يتحدّثون وكأنهم أوصياء على الوعي، يطرحون أفكاراً سطحيّة على أنها حقائق كونية، ويُسوّقون الشك على أنه حكمة، والتشاؤم على أنه عمق، واللا معنى على أنه وعي متقدّم.
فلسفة المساءلة المزيّفة
هكذا تُقتل الفلسفة مرتين: مرة حين تُفرَّغ من مضمونها، ومرة حين تُقدَّم بوصفها بديلاً عن المعرفة الحقيقية.
هذه "الفلسفة المسائلة" لا تُعلّم التفكير، بل تُخدّره. لا تفتح الأسئلة، بل تُغلقها بإجابات فضفاضة. وهي، في جوهرها، شكل جديد من أشكال الاستهلاك الثقافي السريع، حيث يُقاس العمق بعدد المشاهدات، لا بوزن الفكرة أو صدقها.
مشقة الحقيقة في مقابل راحة الوهم
الفلسفة الحقيقية مزعجة، تتطلّب جهداً، وتفرض على الإنسان مواجهة ذاته ومسلّماته. أما الفلسفة التي نراها اليوم في كثير من المنصّات، فهي مريحة، كسولة، ومصمّمة لتُستهلك دون تفكير. إنها لا تصنع وعياً، بل توهّم به.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المتحدثين باسم الفلسفة، بل إلى احترام العقل، وإعادة الاعتبار للفكر بوصفه مسؤولية لا عرضاً استهلاكياً. فحين تتحوّل الفلسفة إلى ضجيج، يصبح الصمت أعمق منها.



اضف تعليق