بدون تحليل العقلية الفاسدة وفهم كيفية تفكير الأفراد وتبريرهم لتجاوز الحدود المرسومة، تبقى جميع القوانين الرقابية مجرد نظريات غير فعالة في التأثير على المظاهر الخارجية دون معالجة الجذور السلوكية العميقة... فالسلطة ليست مجرد منصب إداري بل هي حالة سيكولوجية قد تكون مدمرة إذا التقت بشخصية هشة أو مستعدة للفساد...

تشير الدراسات الحديثة في علم النفس التنظيمي وعلم الجريمة السلوكي إلى أن الفساد يمثل ظاهرة متعددة الأبعاد، ولا يمكن تقليص أسبابه إلى العوامل الاقتصادية أو القانونية والمؤسسية فقط، فالأسباب الحقيقية للفساد تتجذر في الديناميكيات النفسية والسلوكية للأفراد؛ هي الأصل في اتباع الإنسان لسلوكيات الفساد المختلفة والتي أحرقت الأخضر واليابس ونالت من حقوق العباد والبلاد وفي كافة نواحي الحياة الإنسانية وأركانها.

علم النفس يقول إن الإنسان يولد مزوداً بنزعتي الخير والشر معاً والبيئة هي من تحدد أن ينحى الفرد هذا المنحى أو ذاك، وهذا ما يعضد فكرة أن الإنسان ليس شريراً بالأصل، ولو أسقطنا هذه القاعدة على أسباب الفساد لدى الإنسان لوجدناها ملائمة جداً ومنطبقة عليه؛ فما هي الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الفساد؟ وكيف يمكن معالجته؟

إن فهم الفساد من منظور علم النفس التنظيمي والتشخيص السلوكي يشكل الخطوة الأساسية في تشكيل أي استراتيجية فعالة للإصلاح، فبدون تحليل "العقلية الفاسدة" وفهم كيفية تفكير الأفراد وتبريرهم لتجاوز الحدود المرسومة، تبقى جميع القوانين الرقابية مجرد نظريات غير فعالة في التأثير على المظاهر الخارجية دون معالجة الجذور السلوكية العميقة.

ديموغرافيا الفساد: تأثير متغيرات العمر والجنس

هل للعمر تأثير على ميل الفرد إلى الفساد؟ نعم، للفئة العمرية تأثير كبير وواضح على سلوكيات الفساد، إذ تشير الدراسات السلوكية إلى وجود علاقة عكسية بين العمر والوقوع في الفساد، فكلما تقدم الإنسان في العمر يميل سلوكه نحو الاستقرار والنزاهة، بينما تكون الفئات العمرية الشابة أكثر عرضة للوقوع في فخ الممارسات الفاسدة أو الاندفاع نحوها.

هل يوجد فرق تبعاً لمتغير الجنس في الفساد؟ تقول أغلب الدراسات والتقارير الدولية، مثل تقارير البنك الدولي والشفافية الدولية، إلى أن النساء، من الناحية الإحصائية، يميلن غالباً إلى الانخراط في الفساد بمستويات أقل مقارنة بالرجال، لكون النساء لا يرغبن بالمخاطرة التي قد ينتج عنها الفضيحة أو السجن أو خسارة الوظيفة، كما يفضلن الأمان والاستقرار الوظيفي والأسري على المكاسب السريعة الخطرة.

الدوافع النفسية الأربعة: ماذا وراء فساد الإنسان؟

1. سيكولوجية الاستحقاق والتعويض القسري: ترتبط في كثير من الأحيان بخلل حاد في منظومة العدالة التنظيمية داخل المؤسسات أو أماكن العمل، فحين يتعرض الموظف إلى الظلم والتمييز والحرمان غير العادل مقارنة بزملائه يبدأ عقله في الانتقال من مرحلة العطاء المستنزف إلى مرحلة التعويض القسري عبر ممارسة نوع من أنواع الفساد الوظيفي كالرشوة والسرقة وغيرها.

2. تضخم الأنا وسيكولوجية السلطة: تؤكد الدراسات النفسية الحديثة على أن امتلاك النفوذ والسلطة يحدث تغييرات حقيقية في طريقة إدراك الدماغ للواقع وللآخرين، فالسلطة ليست مجرد منصب إداري، بل هي حالة سيكولوجية قد تكون مدمرة إذا التقت بشخصية هشة أو مستعدة للفساد، لذا يميل الفرد إلى الفساد من أجل كسب سلطة ونفوذ تجعله مميزاً وذا قدر.

3. الشخصية النرجسية وتأليه الذات: تعد النرجسية بمثابة بيئة مثالية لنمو الفساد، فالموظف أو المسؤول النرجسي يعتمد بشكل كبير على الإعجاب من الآخرين، ويرى أن المؤسسة التي يديرها هي ملكية شخصية له، حيث يعد نجاحها امتداداً لنجاحه الشخصي المطلق. هذا الاندماج بين "ذاته" و"المؤسسة" يدفعه للاعتقاد بأن أموال وموارد المؤسسة هي ممتلكات شخصية له، ويتصرف فيها حسب رغبته الخاصة.

4. وهم الحصانة وغياب العقاب والمحاسبة: يتشكل لدى الفاسد وهم سيكولوجي خطير بأنه لا يقهر وفوق القانون، يعتقد أن ذكاءه الخارق أو شبكة علاقاته المعقدة أو نفوذه، كفيل بحمايته للأبد، هذا الوهم يقلل لديه استشعار المخاطر، ويزيد من جسارة وسقف ممارساته الفاسدة، لينتقل من الفساد الحذر الصغير إلى الفساد الوقح والعلني.

استراتيجية العلاج: كيف يُعالج الفساد لدى الإنسان؟

تحقيق العدالة التنظيمية: أولى العلاجات لفساد الإنسان وظيفياً هو تحقيق العدالة، فمن المهم أن يشعر الموظفون بأن الترقيات والأجور تبنى على أسس موضوعية وعادلة، فإن ذلك سيقلل من معدلات الشعور بالغبن الوظيفي وبالتالي يقضي بشكل نفسي على الدوافع التي تدفع إلى الفساد كوسيلة للتعويض.

التقييم السلوكي والنفسي للقيادات: وثاني العلاجات هو التقييم السلوكي والنفسي للقيادات قبل تنصيبهم في مناصب سيادية أو إدارية عليا، فعملية إخضاعهم لتقييمات نفسية تقيس سمات النرجسية المفرطة والنزاهة السلوكية والقدرة على ضبط النفس، للتنبؤ بمدى مقاومتهم لإغراءات السلطة هو ما يجب اختيار المسؤول عليه وليس أي معايير أخرى.

سيادة القانون المطلقة: يجب فرض القانون على الجميع ومختلف صفاتهم ومراكزهم لئلا يتكون للبعض حصانة من العقاب فيفسد في الأرض ولا يجد من يؤدبه، وهذا الأمر سيحد بنسبة كبيرة من حجم الفساد الذي يصدر من بني البشر.

اضف تعليق