ينحرف السائقون بشكل متقطع أثناء التحدّث على هواتفهم أو ينطلقون بخطورة بين السيارات الأخرى. أما ضجيج أبواق السيارات فيشدّ الأعصاب خلال عجقة السير.. وجميعها عناصر كافية لاختبار مدى صبرك.

وفي بعض الحالات، قد تؤدي هذه المشاعر إلى عنف مروري، والقيادة بشكل عدواني بسبب التوتر أو الشعور بالغضب جراء القيادة.

وأوضح رايان مارتن، أستاذ علم النفس والعميد بالإنابة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة ويسكونسن-غرين باي الأمريكية، إن ذلك غالبًا ما يحدث لحظة شعور السائق بالإهانة، مثل تخطي سيارة له فجأة.

وقال مارتن، مؤلف كتاب "لماذا نغضب: كيف تستخدم غضبك من أجل إحداث تغيير إيجابي"، إنّ بعض الناس يعبّرون عن غضبهم على الطريق من خلال القيادة بسرعة على مقربة من السيارة أو الدفع لافتعال شجار.

وأشار إلى أنهم "يتخذون قرارات خلال شعورهم بالغضب، والإحباط، والإستفزاز"، متابعًا "أنّ كل هذه القرارات السيئة قد تؤدي إلى إصابات عرضية، أو أذى، أو وفاة".

ولفت إيمانويل روبنسون، وهو باحث وعالم نفس إلى أنّ آخرين ينقلون التوتر الذي يشعرون به في المنزل أو العمل معهم خلال القيادة، وقد يدفعهم أي أمر صغير للقيادة بسرعة جنونية.

سلطة المجهول

وقال روبنسون إنّ العديد من السائقين يشعرون بأنهم مجهولي الهوية على الطريق، الأمر الذي يدفعهم إلى اتخاذ إجراءات ما كانوا ليقدموا عليها.

وغالبًا ما يتبنى الناس شخصية مغايرة خلال القيادة أكثر عدوانية ووقاحة ممّا هو مقبول اجتماعيًا، وذلك لاعتقادهم بأنه لا يمكن التعرّف إليهم ولن يقوموا بلقاء السائقين الآخرين مرة أخرى.

ورأى مارتن أنه قد يكون للسائقين أيضًا شعورًا خاطئًا بأن بعض الإجراءات، مثل الضغط على المكابح للإبطاء ثم الإسراع، عملية سهلة وآمنة.

وقال إنّ "المفارقة هي أنّ الوضع غير آمن على الإطلاق، وقد يترتب عن ذلك عواقب حقيقية".

كيف تهدّئ من روعك على الطريق؟

وأوضح روبنسون أنه يصعب التعاطي مع أي موقف من منظور مختلف عندما تكون غاضبًا. موصيًا البدء بأخذ نفس عميق في تلك اللحظات، وعدم الاستجابة والقيام بردة فعل على الفور.

ولفت إلى أن الإستماع إلى الموسيقى الهادئة أو البث المباشر أثناء القيادة، قد يكون مريحًا أيضًا، موضحًا أنه يصعب الشعور بالغضب عندما تنغمس في البث المباشر لأنك تكون أكثر تركيزًا على حاسة السمع لديك.

وأخيرًا، إذا تسبّبت الزحمة المرورية على الطرق السريعة بإثارة الغضب والتوتر، فحاول أن تسلك طريقًا داخلية موازية يرتادها عدد أقل من السيارات إن أمكن.

التخطيط للمستقبل

وأشار مارتن إلى أنّه عند ملاحظتك أنك ستقود على نحو عدواني، ضع استراتيجيات للتأقلم قبل الانطلاق.

ولفت إلى أنّ "القيادة هي أسوأ توقيت لمحاولة التعامل مع غضبك لأنك لا تفكر بوضوح".

وقم بالمغادرة مبكرًا عند التوجه إلى وجهة ما للحد من الإجهاد الناجم، ربما عن التأخير، وفقًا لما ذكره مارتن.

وفي حال تأخرك على موعد محدّد، خذ نفسًا عميقًا وتجنب الأفكار السلبية مثل "الازدحام سوف يُفسد يومي".

أفضل وأسوأ الأساليب لإدارة الغضب

ويواجه غالبيتنا في الحد الأدنى موقفًا يجعلنا نستشيط غضبًا، وقد يلجأ البعض منا إلى الإفصاح عن مشاكله لشخص آخر، بهدف التخفيف من معاناته. ولكن، أستاذ الاتصالات في "Ohio State University" في كولومبوس الأمريكية براد بوشمان، لا يرى أن ذلك هو الممر الأفضل بالضرورة لمواجهة هذه الحالة، إذ قال لـCNN: "عوضًا عن التحدث بالموضوع أو الاحتفاظ به لنفسك، تتجسّد المقاربة الأفضل للموضوع بالتخفيف من حدّة هذه المشاعر".

لماذا أشعر بغضب شديد؟

وعرّف بوشمان الغضب بأنّه رد فعل عاطفي على شعور بـ"تهديد حقيقي أو متخيّل، أو مستفز"، مضيفّا أن ذلك قد يتراوح بين شعور معتدل بالضيق والغضب الشديد.

وبينما لا يتم التعامل مع هذه الحالة على نحو ملائم، فإن ذلك قد يتسبّب بمشاكل صحية، مثل أمراض القلب الوعائية.

وأوضح العميد المساعد وأستاذ علم النفس في جامعة "Wisconsin-Green Bay" الأمريكية راين مارتن، أنّ المشاعر التي تثير غيظنا، قد تستدعي لدينا استجابة جهاز الكر والفر لدى الإنسان، فتتشنج العضلات، ويرتفع معدل خفقات القلب، ويتباطأ عمل الجهاز الهضمي، خلال استعدادك للمواجهة.

وبهدف أن تتمكّن من التعامل مع التحديات اليومية، ثمة آليات مواجهة أكثر إفادة يشاركنا بها الخبراء عبر إعطائنا بعض أكثر الاستراتيجيات فعالية لإدارة الغضب:

عند التوتّر... خذ نفسًا عميقًا

وقال بوشمان إن الغضب يتسبّب بارتفاع الاستثارة الفيزيولوجية لدى الإنسان، مثل ارتفاع في معدل ضربات القلب، وضغط الدم.

وللتخفيف من حدة ذلك، ينصح بأخذ نفس عميق والعد إلى 10. ومع مرور الوقت، يتدنّى مستوى الشعور بالغضب. وكلّما طالت عملية العدّ، كلما شعر الجسم بالإسترخاء.

وعند الشعور بالغضب، يلجأ بوشمان إلى ممارسة التأمل ورياضة اليوغا للاسترخاء، مشيرًا إلى أنشطة أخرى مريحة مثل الاستماع إلى الموسيقى الهادئة والاستحمام.

الإفصاح للآخرين عن سبب غضبك... ليس حلًا

"التنفيس" هو الطريقة الشائعة للبوح بمشاعر الغضب التي يختبرها المرء من خلال اطلاع مقرب له على أسباب هذا الغضب. لكن، هذا الأمر يُبقي معدلات الإثارة مرتفعة لأنّ التحدث عن هذه الأسباب يستحوذ على مساحة أولوية من تفكيره، وفقًا لبوشمان.

وأوضح بوشمان: "عندما نشارك الأصدقاء بمشاعرنا فإنهم سيصدّقون أقوالنا فقط"، لافتًا إلى أنّ هذا الأمر يغذي مشاعر الغضب لدينا عوض منحنا شعورًا بالراحة".

الحلول بين يديك

وتحدّث مارتن عن مشاعر الغضب التي تجتاحنا عند مواجهتنا لأي مشكلة، كأن يتعارض أمر ما مع تحقيق أهدافنا، أو عدم التعاطي معنا باحترام، ناصحًا باستخدام الطاقة الناتجة عن استجابة الكر والفر لتوجيهها لحل المشكلة التي تسبّبت بهذه المشاعر.

الملاكمة والجري... أسوأ الحلول

وقال مارتن إن أسوأ مقاربة شائعة للتعامل مع الغضب، هي ممارسة رياضة الملاكمة أو تكسير الأشياء.

وأوضح أنه أسلوب غير ملائم للتعبير عن الذات، لأنه يقترن بمشاكل طويلة الأمد في كيفية إدارة الغضب. وهذا السلوك سيعزز الميل لدى المرء للجوء إليه كلما واجه ما قد يثير غضبه، مستقبلًا.

وفي هذا الإطار، لفت بوشمان إلى أن إدارة إحدى السجون سألته عما إذا كان يُمكن السماح للسجناء بتنفيس غضبهم من خلال ممارسة ضرب كيس الملاكمة، وهي ممارسة شائعة داخل السجون؟ فأجاب إنها فكرة "مروعة"، ويجب التخلّص منها.

وقال بوشمان: "أظهر بحثنا أن ضرب كيس الملاكمة، يزيد من احتمال الاعتداء على أشخاص حقيقيين بالضرب، وقد يشمل ذلك أبرياء"، مضيفًا أن ممارسة الرياضة البدنية مثل الجري، الذي يضخ الدم في قلبك، فكرة سيئة أيضًا. ومع ارتفاع وتيرة خفقات القلب، يحافظ غضبك على مستويات مرتفعة، وهذا الأمر يخالف ما يجب عليك القيام به من أجل السيطرة على مشاعرك.

فكر بإيجابية

وأشار بوشمان إلى أنه من الصعب أن تشعر بانفعالين في الوقت عينه، لذا وجه طاقتك إلى مشاعر إيجابية للتخلّص من الغضب.

وقال إن إنتاج مشاعر الحب تنجم عن معانقة من تحبهم او احتضان حيوانك الأليف. أما المواقف الطريفة فتستمد من القراءة أو مشاهدة أفلام فكاهية. وللسماح بالتعاطف، عليك دعم أحد الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة.

لا تقمع غضبك

وقال الأستاذ المساعد في كلية الطب في جامعة "هارفارد" والباحث في علم النفس البحثي في "McLean Hospital in Belmont"، في ولاية ماساتشوستس الأمريكية الدكتور دايفيد روزمارن، إنه في بعض الأحيان يبدو أن الخيار الأسهل هو قمع الغضب، لكنه ليس طريقة فعالة ومستدامة، مضيفًا أن تجاهل الغضب طويلًا، يزيد من حدته على المدى الطويل، ومحذرًا من أن خيار المضي قدمًا ليس مثمرًا لأنه لا يعالج العوامل التي أثارت حفيظة المرء في المقام الأول.

ورأى روزمارين أن بعض الناس سيصلون إلى حد قطع علاقتهم بكل من يثير غضبهم، مؤكدًا: "نعم، هذا الأمر قد يزيل المشاعر السلبية المقرونة بالغضب على المدى القصير، ولكن، واقعيّا، الناس ستزعجنا من وقت لآخر، ونحن بحاجة إلى تعلم كيفية التعامل مع هذا الأمر".

الصبر مفتاح الفرج

عندما يتحرّك المصعد ببطء، تضغط على أسنانك، وتتذمّر متمتمًا كلمات غير مفهومة. وإذا تأخّرت بالحصول على قهوتك، أو لتوفّر طاولة تجلس إليها في مطعم، ستقترب من النادل أو المضيفة للاستفسار عن سبب التأخير.

ويمرّ كل شخص بهذه اللحظات، حين يفقد فيها صبره ولا يعود قادرًا على البقاء هادئًا أمام مواقف محبطة أو شدائد أو معاناة.

وقالت سارة شنيتكر، أستاذة مساعدة في علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة بايلور، والمشرفة على دراسة "اختبار الصبر والحياة السعيدة" عام 2012: "لدينا توقعات حول كيف يجب أن تكون عليه الأمور، والوقت المناسب للانتظار في الطابور، أو الفترة الزمنية اللازمة للوصول إلى مكان ما، أو كيف يجب أن يتصرّف معنا شخص آخر، أو كيف عليّ أن أشعر".

وأضافت شنيتكر أنّه "عندما يتم انتهاك هذه التوقّعات، غالبًا ما نشعر بأنّ عواطفنا اضطربت".

وقالت شنيتكر إن نفاد الصبر ليس سيئًا دائمًا، ولكن الأشخاص الذين يعانون من قلّة صبر مزمنة يمكن أن يختبروا مزيدًا من التوتر، ما يزيد من مخاطر تعرضهم لمشاكل صحية مثل مشاكل القلب والأوعية الدموية، موضحة أن بعض الناس يتحلّون بالصبر أكثر من آخرين، ولافتة إلى أنه "من خلال ممارسات متعمّدة، يمكننا تطوير هذه الفضيلة لدينا، وتسهيل مهمة الانتظار على أنفسنا".

توصيات لتطوير خاصية الصبر:

تنشط عواطفك، وهذا يعني أنّك في حالة استجابة جسدية كاملة. فيرتفع معدل ضربات القلب لديك. وقد تتغيّر كمية الكهرباء المنبعثة من جلدك (تسمى موصلية الجلد). كما أن الأمر يرتبط بنوع المشاعر التي قد تنتابك. هل هي مشاعر قلق من أن تتغيّب عن الاجتماع التالي إذا لم يتم إنجاز أمرًا ما في الوقت المناسب؛ وهذا أمر يختلف قليلاً عن نفاد صبرك المدفوع بالغضب. ولكن في كل الأحوال، فإن نظامك الفيزيولوجي تأهّب وبدأ بالدخول في استجابة التوتر، أي إثارة استجابة الكر أو الفر.

يساعدنا نفاد الصبر أحيانًا على تركيز انتباهنا والتخطيط لٍسلوكنا. لكن حين لا يمكنك التحكم بموقف ما، أو ليس في مقدورك القيام بالكثير لحلّه، لا يبقى أمامك عندها سوى تعديل مشاعرك، من خلال تنظيمها واستعادة حالة الهدوء.

كيف يمكن أن يكتسب الناس مزيدًا من الصبر؟

من خلال إعادة التقويم المعرفي. فحين نعيد التفكير بالموقف من منظور مختلف، ونسأل أنفسنا عن الإيجابيات التي يمكن أن نستخرجها من هذا الموقف السلبي، فإن هذا الأمر سيساعدنا على الانتظار راهنًا، وعلى تنمية الصبر على المدى الطويل أيضًا. كما أنّ إدراكنا للمشاعر وتحديد ما نشعر به ولماذا، قد يساعدنا أيضَا.

وهناك خطوة أخرى أحب الإشارة إليها، تتعلّق بربط معاناتنا، أو انتظارنا، أو مشاكلنا بغايتنا الكبرى، أو أهداف حياتنا. عندما نسأل هل ثمة معنى لما نختبره؟ أو كيف يمكننا الاستفادة من هذا الموقف كوسيلة تساعدنا على التعامل مع هذه السلبية راهنًا؟ لقد أجرينا دراسات حول فضيلة الصبر لدى المرضى النفسيين الذين أدخلوا إلى المستشفى بسبب خطر الإقدام على الانتحار أو لمعاناتهم من اضطرابات نفسية أخرى. وتبيّن لنا أنّ من تحلّوا بالصبر كانت لديهم القدرة على التعامل مع الأزمات بفعالية أكبر. كما أنه سُجل لديهم تراجعًا في أعراض الاكتئاب.

وقد يكون التحدث عن الجهود المبذولة مع الآخرين مفيدًا أيضًا. ومن الأفضل أن تتدرّب بدلاً من المحاولة. كما أن ممارسة التأمل بانتظام، أو أن تكون أكثر يقظة، ما يعزّز من قدرتك على الصبر. كذلك يمكن تنمية الصبر لديك من خلال قدرتك على تحديد مشاعرك وتسميتها.

كيف في وسعنا تحسين خاصية الصبر لدينا في العلاقات؟

الخطوات الأساسية ستكون هي نفسها. ومن المفيد تحديد أهدافك وغاياتك من العلاقة. وعلى سبيل المثال: "كأم، أريد مساعدة هذا الشاب اليافع حتى ينمو ويصير شخصًا راشدًا وسعيدًا. وأريده أن يكون لطيفًا وكريمًا".

والتفكير فيما تحاول تلقينه على المدى الطويل قد يساعدك في الوقت الراهن. كأن تقول لنفسك: "حسنًا، هذا يشكّل جزءًا من هدفي لتعليمه الانضباط وضبط النفس، ومساعدته حتى يصير بالغًا ولطيفًا ويساهم في المجتمع. لذلك أتخلى عن الصراخ وأطبّق معه أساليب التربية الإيجابية".

هل ثمة فوائد أخرى ناجمة عن تطوير الصبر؟

الأشخاص الذين يتمتعون بصبر أعلى يميلون إلى التعاطف أكثر. وغالبًا ما تساعدك قدرتك على مراعاة وجهات نظر الآخرين والتفكير بحاجاتهم، وليس بنفسك فقط.

وتُظهر الأبحاث أنّ الأشخاص الأكثر صبرًا يتمتعون بحياة صحيّة أكبر، فهم يشعرون برضًا أكبر على حياتهم، ولديهم أمل، وتقدير للذات، ومشاعر إيجابية عمومًا. كما أنّ لديهم القدرة على المثابرة لتحقيق أهدافهم.

كم من الوقت يستغرق التدريب على تنمية الصبر؟

اكتساب الصبر يتطلّب الكثير من الوقت. وقد يستغرق الأمر بين 20 يومًا وعامًا تقريبًا لتطوير هذه الخاصية. والحلول ليست سحرية ولا تتم بين ليلة وضحاها، لكن عندما يحاول الناس التحلي بالصبر، فإنهم غالبًا ما يلحظون مكاسب أولية.

https://arabic.cnn.com

اضف تعليق