بقلم دينا درويش

هل هناك ارتباط بين الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات وتعرُّضهم لمشكلات سلوكية "داخلية" و"خارجية"؟ سؤال فرض نفسه بقوة في ظل الانتقال السريع في اتجاه سطوة العالم الافتراضي على حياتنا اليومية، حتى باتت رواية الخيال العلمي التي كتبها الروائي الأمريكي "نيل ستيفنسون" في عام 1992 بعنوان "تحطُّم الثلج" (Snow Crash) أشبه بواقع ينقلنا إلى مرحلة "العالم الماورائي" أو "الميتافيرس".

وهو انتقال ينذر بأن الجيل القادم من الإنترنت سيتحول من فضاء ثنائي البعد، يتم استخدامه عبر شاشات الكمبيوتر والهواتف الذكية، إلى فضاء ثلاثي الأبعاد، يمكن الدخول إليه والمشاركة في تفاعلاته والتجول بداخله وليس مشاهدته فقط، ما ينذر –في الوقت ذاته- بعواقب سيئة على الأطفال الذين يقضون أوقاتًا طويلةً محلقين في جنبات هذا العالم الافتراضي، ما يؤثر سلبًا على سلوكياتهم.

من هنا تأتي أهمية دراسة نشرتها دورية "جاما سيكياتري" (JAMA Psychiatry) مؤخرًا لمعرفة مدى الارتباط بين الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات واحتمالات تعرُّضهم لمشكلات سلوكية.

أجرى الباحثون تحليلًا تلويًّا لـ87 دراسة شملت 159 ألفًا و425 طفلًا في سن الثانية عشرة أو دونها، وذلك بمتوسط أعمار بلغ 6.07 سنوات، وبمشاركة بلغت حوالي 51.30% من الذكور.

وقت الشاشة

تشير الدراسة إلى أنه "على الرغم من أن الارتباط بين وقت الشاشة والتعرُّض لمشكلات سلوكية خارجية أو داخلية يبدو ضعيفًا، إلا أنه في الوقت ذاته يكون مؤثرًا".

وتصنف المشكلات السلوكية والانفعالية بشكل عام بأنها "سلوكيات خارجية" أو "سلوكيات داخلية" أو "مشكلات قليلة الحدوث"؛ إذ تكون السلوكيات الخارجية موجهةً نحو الآخرين، مثل العدوان، والسب، والسرقة، والنشاط الزائد، أما السلوكيات الداخلية فتتمثل في صورة اجتماعية انسحابية، مثل القلق، والاكتئاب، وفقدان الشهية، وأما الاضطرابات قليلة الحدوث فتتمثل في الفصام والتوحد.

أفادت الدراسة التي أجراها فريق بحثي مشترك من جامعتي "كالجاري" الكندية و"واشنطن" الأمريكية، بأن "هناك نقصًا في الإجماع حول الارتباط بين وقت الشاشة والمشكلات السلوكية التي يعاني منها الأطفال في الوقت الحالي، وأن هناك كثيرًا من الجدل حول مدى ارتباط وقت الشاشة بالصحة العقلية للأطفال".

ويُعرف "الوقت أمام الشاشة" بـ"مقدار الوقت الذي يقضيه الشخص في التحديق في الشاشات الرقمية لأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية".

ولا تشجع "الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال" استخدام الوسائط من قِبل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين، كما توصي بتحديد الوقت الذي يقضيه الأطفال الأكبر سنًّا أمام الشاشات بما لا يزيد على ساعة أو ساعتين في اليوم؛ خوفًا من التداعيات السلبية المحتملة للشاشات على صحة الأطفال، مثل إصابتهم بالبدانة، واضطراب النوم، والمشكلات السلوكية، وضعف التحصيل العلمي، وقلة الوقت المخصص للعب.

ووفق دراسة سابقة أجراها باحثون من "معهد علم الوراثة السلوكية" بجامعة "كولورادو بولدر" الأمريكية"، فإن "95٪ من المراهقين في الولايات المتحدة لديهم هاتف ذكي، ومتوسط استخدام التكنولوجيا العالمية آخذٌ في الارتفاع، خاصةً بين الصغار".

قواعد البيانات

اعتمد الباحثون على ثلاث قواعد بيانات أساسية ضمت المقالات المتاحة في الفترة من يناير 1960 وحتى مايو 2021، الأولى تمثلت في قاعدة بيانات "ميدلاين" (MEDLINE)، وهي قاعدة البيانات الببليوغرافية الأولى لـ"المكتبة الوطنية للطب" (NLM)، التي تحتوي على أكثر من 28 مليون مرجع في علوم الحياة، مع التركيز على الطب الحيوي.

أما قاعدة البيانات الثانية فهي قاعدة بيانات (Embase)، المختصة بأدبيات الطب الحيوي والعلوم الدوائية المحكمة والرصينة والأصيلة، وتعود أقدم أدبيات الطب الحيوي فيها إلى عام 1947، والثالثة هي قاعدة بيانات (PsycINFO)، المتخصصة في مجال علم النفس والعلوم السلوكية والاجتماعية، وتضم مجموعةً من التخصصات ذات الصلة ومن ضمنها علوم الأعصاب، واستبعد الباحثون الدراسات التي أُجريت خلال جائحة "كوفيد-19".

ومن بين 25196 مقالة غير مكررة فُحصت، استوفت 595 مقالة معايير الاختيار، ثم خفض العدد إلى 87 دراسة حققت جميع معايير التضمين.

تقول راشيل إيريش، طالبة الدكتوراة بقسم علم النفس فى جامعة "كالجاري"، والباحث الرئيسي فى الدراسة: إن "هناك رابطًا صغيرًا بين وقت الشاشة (من حيث المدة) والصحة العقلية للأطفال، لكن هذا الرابط مؤثر بالرغم من صغره".

وتوضح في تصريحات لـ"للعلم": الدراسة عبارة عن تحليل تلوي، وهو تحليل يعتمد على دمج النتائج من جميع الأبحاث ذات الصلة حول موضوعٍ ما، ويقدم إحصائيةً شاملةً تلخص النتائج عبر دراسات متعددة، ويمكن للتحليلات التلوية أيضًا أن تنظر في العوامل التي قد تفسر النتائج المختلفة عبر الدراسات.

نتائج متباينة

ووفق نتائج الدراسة، فإن "بعض الدراسات التي جرى تحليلها ترى أن وقت الشاشة قد يكون مرتبطًا بخطر حدوث نتائج سيئة للصحة العقلية، مثل اضطرابات النوم، وانخفاض فترات ممارسة الأنشطة البدنية، والحد من تبادل العلاقات الاجتماعية، وتراجُع فرص التعلم التي تدعم تحسين رفاه الأطفال.

تُظهر النتائج أن "وسائط الشاشة قد تعوق أيضًا إستراتيجيات التنظيم الذاتي للتعلم، (وهي عملية نشطة يكون فيها المتعلم مشاركًا نشطًا في عملية تعلُّمه بحيث يبحث ويحاور ويناقش وفق ميوله واهتماماته)، وتزيد مستويات شعور الطفل بالإثارة بسبب التأثيرات الصوتية المرئية السريعة والمكثفة، والتي قد يصاحبها عدم الانتباه والسلوك العدواني".

لكن الدراسة أكدت -في الوقت ذاته- أن "هناك حالةً من الجدل بشأن القلق فيما يتعلق بوقت الشاشة وتأثيره على الصحة العقلية للأطفال"، مُرجعةً حالةَ الجدل تلك إلى ما وصفته بـ"أوجه القصور المنهجية التي شابت بعض الدراسات".

تقول "إيريش": ربما أسهمت الاختلافات المنهجية في النتائج المتضاربة، وقد تختلف أحجام التأثير بناءً على التحليلات الإحصائية التي تم إجراؤها، وكيفية قياس المتغيرات، وما إذا كانت الدراسة تعتمد على البيانات المقطعية (وهي بيانات يتم الحصول عليها من المشاهدات المتكررة للظاهرة المَقيسة في فترات زمنية مختلفة)، أو كانت الدراسة تعتمد على البيانات الطولية (تشير إلى مجموعة مشاهدات حول ظواهر متعددة عبر فترات زمنية متعددة).

وتتابع: قد تختلف أحجام التأثير أيضًا بسبب اختلاف جنس الطفل وعمره والمخاطر الاجتماعية والاقتصادية المحيطة به، مثل: ارتباط زيادة استخدام الشاشة بمشكلات سلوكية ترجع إلى عوامل أخرى، مثل الحالة الاجتماعية والاقتصادية المنخفضة.

متغيرات متعددة

فحص الباحثون العديد من المتغيرات التي اشتملت عليها الدراسات التي تم تحليلها، والخاصة بجنس الطفل، وعمره، ووقت الشاشة المبلغ عنه من خلال الطفل أو الوالد أو أي شخص آخر، وطريقة قياس وقت الشاشة من خلال الاستبانة أو المقابلة، ونوع المشكلة السلوكية الداخلية التي يعاني منها الطفل مثل القلق والاكتئاب، أو الخارجية مثل العدوانية أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وما إذا كان المخبرون قد اختلفوا فيما يتعلق بوقت الشاشة والمشكلات السلوكية التي يعانيها الطفل، وتشخيص مدى معاناة الطفل من مشكلة سلوكية سابقة من خلال الإجابة بنعم أو لا، وسنة نشر الدراسة، وتصميم الدراسة سواء كانت تعتمد على البيانات الطولية أو المقطعية، والمخاطر الاجتماعية الديموغرافية فيما يخص الدخل المنخفض والمستوى التعليمي لمقدم الرعاية أو أحد الوالدين، و أخيرًا الموقع الجغرافي لعينة بحث الدراسة.

تقول "إيريش": أظهرت نتائج التحليل التلوي زيادة الارتباط بين وقت الشاشة ومشكلات السلوك الخارجي كلما زادت نسبة مشاركة الذكور في الدراسات، وانخفضت حدة الترابط مع تقدم سنة تاريخ نشر الدراسة، بينما انخفض الارتباط بين وقت الشاشة ومشكلات السلوك الخارجية مع زيادة جودة الدراسة.

وتتابع: كان الارتباط بين الوقت المخصص للشاشة والمشكلات السلوكية الخارجية أقوى في الدراسات التي تفحص العدوانية، مقارنةً بتلك التي تفحص أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وكان الارتباط أضعف في الدراسات الطولية التي تتحكم في مشكلات السلوك الخارجية الأساسية مقارنةً بالدراسات المقطعية، وأظهرت الدراسات التي أُجريت في الشرق الأوسط ارتباطاتٍ أقوى بين وقت الشاشة والمشكلات الخارجية، مقارنةً بتلك التي أُجريت في جميع المواقع الجغرافية الأخرى، وأظهرت النتائج أن حجم التأثير بين وقت الشاشة ومشكلات الطفل الاستيعابية "كان ضعيفًا ولكنه مهم".

دراسات مستقبلية

وترى نهال لطفي -أستاذ علم النفس بكلية التربية بجامعة قناة السويس- أنه "من المهم إجراء دراسات مستقبلية تختبر الآليات المنفصلة التي تكمن وراء مثل هذا الارتباط، وتحديدًا فيما يتعلق بسلوكيات الطفل الخارجية".

تقول "لطفي" في تصريحات لـ"للعلم": يمكن أن يكون المحتوى المعروض غير ملائم للطفل أو عنيفًا، ومن منظور منهجي، قد يكون الأسهل مراقبة المشكلات الخارجية مقارنةً بالمشكلات الداخلية، مما يؤدي إلى حساسية أقل لتحديد المشكلات الداخلية.

وكانت دراسة سابقة قد أُجريت على 699 طفلًا فنلنديًّا في سن ما قبل المدرسة، قد أظهرت أن الأطفال الذين يقضون كثيرًا من الوقت في مشاهدة الأفلام والعروض على شاشات التلفزيون والشاشات الأخرى أكثر تعرُّضًا للإصابة بمشكلات عاطفية وسلوكية في سن الخامسة، مثل القلق والاكتئاب وسوء الحالة المزاجية والخوف وصعوبة التركيز وفرط النشاط والسلوك الاندفاعي.

تحفظات ومقترحات

من جهتها، تقول إيمان جابر -مدير إدارة طب نفس الأطفال والمراهقين بالأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان- في تصريحات لـ"للعلم": إن منهجية الدراسات التي تناولتها الدراسة الحديثة ليست موحدة، والمتغيرات التي اعتمدت عليها الدراسات التي تم تحليلها قد تؤثر على سلوك الطفل بصور متعددة؛ فالدراسات التي اعتمدت على شهادة شخص واحد عن تغيُّر سلوك الطفل بعد التعرُّض للشاشة قد تكون مضللة، في حين قد تكون الشهادة أكثر موثوقيةً إذا ما تم الاعتماد على شهادات الأهل والمعلمين، وبالرغم من أن السلوكيات الخارجية قد تكون أيسر فى رصدها، فإن طريقة قياس الاضطرابات السلوكية الداخلية قد تكون أكثر دقة؛ لأنها تعتمد على تشخيص متخصصين، كما أن نوعية المحتوى والطريقة التي يتعرض بها الطفل للشاشة سواء كانت فردية أو جماعية لا بد أن تكون محل دراسة أيضًا؛ لتأكيد مدى ارتباط وقت الشاشة بالمشكلات السلوكية للطفل.

وتعلق "إيريش" على تلك التحفظات، مؤكدةً أن "النظر إلى وقت الشاشة فقط من حيث المدة لم يتح لفريق البحث فهم الجوانب الأكثر دقةً لاستخدام الشاشة، مثل طبيعة المحتوى سواء كان برامج تعليمية أو محتوىً عنيفًا على سبيل المثال، ما يستوجب إجراء مزيد من الدراسات مستقبلًا".

وتضيف "إيريش": نوصي العائلات باتباع إرشادات وقت الشاشة وإعطاء الأولوية للتفاعلات وجهًا لوجه إذا كان ذلك ممكنًا، كما يمكن مشاهدة الشاشات معًا كنشاط عائلي بدلًا من أن يفعل الأطفال ذلك بمفردهم.

وردًّا على سؤال "للعلم" عن مدى إمكانية تعميم نتائج الدراسة، تقول "إيريش": قمنا بتضمين دراسات من جميع أنحاء العالم، وهذا يعني أن نتائجنا قابلة للتعميم على مستوى العالم، ومع ذلك، قد يكون مهمًّا دراسة كيفية اختلاف استخدام الشاشة من حيث المحتوى والسياق في مناطق مختلفة من العالم، كل على حِدَة.

اضف تعليق