لابد للإنسان أن يستخدم فطرته الخلاقة في إطار المخرجات التقدمية التي تجعل منه ناجحا مصلحا متفاعلا، وليس قانطا أو ساكنا أو مترددا، فطالما أنك تمتلك الطاقة الفطرية الخلاقة، من الأفضل لك أن تستثمرها في الجوانب والمسالك الإيجابية التي تجعل منك إنسانا متميزا فاعلا محبوبا وناجحا في الحياة...
(إن الإنسان إذا لم يصرف فطرته الخلاقة في البناء، لابدّ وأن يصرف فطرته في الهدم)
الإمام الشيرازي
منذ أن تشكّلت بوادر الحياة على الأرض، وبدأ بنو البشر يتدفقون تباعا عليها، شعر وأحسّ الإنسان بأن هنالك كائنات أخرى تشاركه الكوكب، وهذه الكائنات ليست من جنسه، إنها الحيوانات بأشكالها وأنواعها وغرابتها، ثم النباتات بأنواعها كافة، وقد جمعت بين الإنسان والكائنات الأخرى عوامل وصفات خلْقية كثيرة، منها وأهمها الطاقة أو الفطرة الخلاقة.
فالإنسان مثلا يتوالد وينجب ويتكاثر، ومن ثم يعمل وينشط وينتج الكثير، وتعلم منذ العصور الأولى كيف يستحصل غذاءه من بين الملايين من الحيوانات التي تبحث عن غذائها، وتعمد إلى ألف طريقة وطريقة لتأمين الغذاء، حتى لو اضطرت إلى الافتراس والقتل، فغريزة البقاء تدفع بها كي تستميت من أجل تأمين ما يجعلها مستمرة بالبقاء.
وبالمجمل فإن جميع الكائنات وبمختلف أنواعها وانتماءاتها تسعى لتأمين سبل وأسباب بقائها في الوجود، ولعل أهم شيء في هذا الجانب، قدرتها على البقاء في حالة إنتاج وتناسل، لاسيما وأنها تمتلك طاقة الديمومة والتجدد بالفطرة الخلاقة التي تمتلكها، ومنها ما يعود إلى الغريزة التي نجدها عند الإنسان والحيوان والنبات أيضا، لكن الفارق بين الإنسان والكائنات الأخرى، هو قدرته على استخدام غرائزه بطريقة واعية على خلاف الكائنات الأخرى.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام):
(إن الإنسان والحيوان والنبات كلها كائنات خلاقة، فالنبات يخلق الأوراق والأزهار والأثمار والأغصان وسواها، والحيوان أيضاً يلِد ويبيض ومنه الريش والصوف ونحو ذلك، والإنسان أيضاً يتميز بالإنجاب والطاقة الخلاقة، لكن الفرق بين الإنسان والكائنات الأخرى، أن طاقة الخلق عنده واعية، بينما عند الحيوان والنبات تكون غريزية).
هنا لابد من أن نؤكد بأن الإنسان كائن (خلاق)، بمعنى قادر على الإنتاج في كل المجالات المتاحة له، وهو قادر على أن يضيف إلى حياته ونفسه والآخرين المزيد من التجديد، ويمتلك الصبر العظيم على امتلاك أدوات الخلق، ومعظمها حباه الله بها، كما نلاحظ ذلك في ذكاء الإنسان، وفي عدم استسلامه لليأس، وفي قدرته على تحويل الظروف إلى صالحه.
قدرات الفطرة الخلاقة
لذلك هو يمتلك الفطرة الخلاقة التي تمنحه القدرة على الديمومة والتواصل والإصرار، ولا يمكنه الركون إلى السكون دائما وأبدا، بل هو ميال (بشكل إجباري) إلى التطور والعمل الذي يجدد له الأمل بالحياة، ويحقق له ذاته، لذلك يبقى متمسكا بالإنتاج بسبب الطاقة التي يمتلكها، لهذا فهو إن لا يستخدم طاقته في المجالات الإيجابية، سوف تجبره هذه الطاقة لكي يستخدمها بطرائق سلبية تنحو إلى التدمير والخراب.
هنا نلاحظ على الدوام، إن حياة الإنسان أما أن تكون مثمرة وإيجابية ميالة إلى التطور والتقدم، وإما يحدث العكس، بمعنى ربما تكون طاقته ذاهبة باتجاه التخريب والتدمير والانحراف، فالإنسان لا يمكنه الوقوف ساكنا بين الاستقامة من ناحية والانحراف من ناحية أخرى، بمعنى أما أن يكون مستقيما في حياته أو منحرفا، لذا من الأهمية بمكان أن يستثمر الإنسان الجانب الإيجابي للفطرة وعدم السماح للنفس بالذهاب نحو الانحراف.
يقول الإمام الشيرازي:
(لذلك فإن الإنسان بفطرته كائن خلّاق، وهذه النفس الخلاقة إما أن تخلق الحياة، وإما أن تخلق الدمار، والحياة المخلوقة للنفس إما أن تكون حياة مستقيمة أو حياة منحرفة).
لهذا نلاحظ وجود الإنسان الميّال إلى الجريمة والعبث والقتل والتدمير، وهذا النوع من البشر لاشك سوف ينجب أفرادا مخرّبين منحرفين لا يصنعون سوى الدمار والخراب، ومثال ذلك الإنسان الذي تكون لديه نوازع الشر عالية ويكون قادرا على إزهاق النفس التي حرم الله قتلها، وها يمكن لإنسان وُلِد وترعرع وعاش في بيئة قاتلة أن يكون إنسانا سويّا؟
بينما سوف نجد الأب الصالح مندفعا ومتحفزا لولادة ابن أو ابنة صالحة، وذلك لأنه اختار الحلال وفضّله على طرق الحرام الكثيرة، فالمولود أما أن يكون صالحا حين يكون أبوه متميزا بالصلاح والإيمان والرشد، وأما أن يكون العكس حين يكون الأب من الأنفس الميّالة إلى الحرام، وبالتالي إلى الانحراف والخراب.
وهذا يؤكد أهمية الاستفادة من الفطرة الخلاقة، واستثمارها في المجالات التي تضاعف من ردم فجوات التخلف والجهل، وتقليصها إلى أدنى حد ممكن، ومن ثم تطوير عناصر الفطرة الخلاقة لصالح الاستقامة والخير بالضد من الجهل والانحراف.
حيث يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:
(إن الإنسان الذي يقتل إنساناً أو يهدم داراً فإنه يخلق الدمار، أما الإنسان الذي يوجِد الولد فقد يوجده مستقيماً عن طريق حلال، وقد يوجده منحرفاً عن طريق حرام).
كيف تكون محبوبا وناجحا في الحياة؟
ولا تنحصر قضية البناء السليم في تأسيس البنية البشرية السليمة وبنائها بالطرق الصحيحة، وإنما هنالك أيضا البناء المادي السليم، فحين يرغب شخص ما في بناء بيت، يمكنه أن يقوم بهذه العملية عبر طريقين، الأول هو البناء المتأني السليم المعتدل، بداية من الأساس صعودا إلى أعلى مراحل البناء، وهنا يمكنه أن يبني دارا جيدة متماسكة.
على العكس من ذلك، قد يبني الإنسان دارا أو بيتا بطريقة فاشلة، يدخل فيها الانحراف كعنصر يساعد على تخريب البناء، كأن يكون الأساس خاطئا وضعيفا، أو تكون المواد الإنشائية مغشوشة، أو يكون التصميم الهندسي على الورق شيء وفي الواقع البنائي شيء آخر، لذا فإن من يعتمد الفطرة الخلاقة سبيلا له لا يخطئ ولن ينحرف.
كما يقول الإمام الشيرازي:
(كذلك من يبني دارا قد يبنيها بطريقة هندسية معتدلة، وقد يبنيها بطريقة بنائية منحرفة غير مطابقة للقوانين والاحتياجات، فالإنسان إذا لم يصرف (طاقته الخلاقة) في البناء لابد أن يصرفها في الدمار، والدمار يشمل حتى تدمير الإنسان لنفسه).
وقد نلاحظ الطقة الخلاقة في مجالات عديدة، منها تخص الإنسان الذي يستهلك طاقته في العزلة أو الانعزال، وتجنب مخالطة الآخرين بشكل تام، وهذا يدفع به إلى تدمير نفسه، الأمر الذي يضعه على حافة الخطر، وقد يذهب به الحال إلى أن يتمنى الانتحار ويخطط له.
فالنفس بطبيعتها لا تحب العزلة ولا تريد الانعزال، لأن العزلة تسلب منها طاقتها الفطرية التي تدفع بها نحو التطور والتقدم والتحرك المستمر على طريق الإنتاج والازدهار، لذا حين يحبس الإنسان نفسه بين جدران أربعة ويخنق طاقته الفطرية، فإنه يجازف بدفع نفسه نحو التفكير بالانتحار، ويبقى الموت يحوم فوق رأسه ولا يغادره بسبب ضغوط العزلة.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن الإنسان المنعزل يصرف طاقته الخلاقة في الانعزال واجتناب الناس مما يسبب له الدمار، وما نشاهده في بعض الناس من تمني للموت أو الانتحار، فإنما مبعثه النفس الخلاقة، لان ذلك قد يكون خلقاً للفناء والدمار فيما إذا انتحر انتحاراً محرماً أو تمنى الموت).
لهذا لابد للإنسان أن يستخدم فطرته الخلاقة في إطار المخرجات التقدمية التي تجعل منه ناجحا مصلحا متفاعلا، وليس قانطا أو ساكنا أو مترددا، فطالما أنك تمتلك الطاقة الفطرية الخلاقة، من الأفضل لك أن تستثمرها في الجوانب والمسالك الإيجابية التي تجعل منك إنسانا متميزا فاعلا محبوبا وناجحا في الحياة.



اضف تعليق