نقيضان لا يلتقيان هما العمل من جهة ويقابله الكسل من جهة أخرى، وكلاهما ينتميان إلى نقيضين أيضا هما المفيد والمسيء أو الضار، فالعمل الصحيح هو من المدخلات الجيدة التي تجلب الخير للإنسان، ونقيضه الكسل هو الذي يُلحق الضرر به ويسيء له ويُفقده مبررات وجوده في الحياة...
(يجب أن نفكر ونخطط، ثم نبدأ بالعمل الصحيح والتحرّك المخلص والجاد والنشيط)
الإمام الشيرازي
نقيضان لا يلتقيان هما العمل من جهة ويقابله الكسل من جهة أخرى، وكلاهما ينتميان إلى نقيضين أيضا هما المفيد والمسيء أو الضار، فالعمل الصحيح هو من المدخلات الجيدة التي تجلب الخير للإنسان، ونقيضه الكسل هو الذي يُلحق الضرر به ويسيء له ويُفقده مبررات وجوده في الحياة، لأن الله تعالى أوجد الإنسان لكي ينشط ويعمل لا لكي يجمد ويكسل.
إن الذي يلجأ إلى الكسل هو ذلك الشخص الذي يميل إلى الدِعة والراحة والخمول، ويتطيَّر من أي عمل فيه حركة وجهد سواء كان جهدا عمليا أو فكريا، وهذا النوع من البشر تجده خاملا كسلانا غاطسا في الخمول من رأسه حتى أخمص يديه، وهذا النوع من الناس يجد ضالته في السكون السلبي الذي يدمّر شخصية الإنسان ويحرمه من أي دور إيجابي في الحياة.
لذلك يظهر هنا مرض خطير يصيب الإنسان بغض النظر عن مرحلته العمرية، لكن الخطورة الأقصى لهذا المرض عندما يصيب شريحة الشباب، ونعني بهذا المرض الركون إلى (الأماني) كبديل عن العمل بعد التخطيط والتحرّك النشيط المجدي.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يتطرق لهذه المشكلة الخطيرة في كتابه القيّم الموسوم بـ (طريق التقدم) فيقول:
(إن عالم الأحلام لا يتمخّض عن نتيجة، كذلك الركون إلى الكسل والاعتماد على الأمنيات والآمال لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة واقعية في آخر الأمر، وذلك لأن الله تعالى جعل الحياة هادفةً جادّة، وقدّر لها أن تسير وفق الأسباب والعلل الكونية بدقة وانتظام؛ لذا علينا أن نكون هادفين وجادّين، وفي أعلى مستويات الوعي والإدراك لما يجري حولنا).
الإنسان بين الهدمِ والبناء
لذلك يكون الناس على نوعين في هذا المجال، عامل مثابر ومنتج بعد التخطيط، وآخر جامد ساكن كسول لا يعرف شيئا عن التخطيط ولا يدنو منه، هذان النموذجان من البشر هما من تقوم عليهما عملية البناء والهدم، فكلاهما نقيضان، أحدهما يبذل كل ما في وسعه من أفكار وتخطيط وحركة وجهود عالية لكي ينتهي إلى إنتاج صالح في الحياة، والآخر النقيض يقوم بتدمير عبر الكسل والتمنّيات الفارغة.
لذا على كل شاب، وكل إنسان يحتلّ حيزا في هذا الكون وفي هذه الحياة أن يحمي نفسه من الانتماء الخاطئ لأصحاب الهدم وتدمير الحياة، بل عليه أن ينتمي بقوة إلى أصحاب الإنجاز والبناء، لأنه في مثل هذا الانتماء سوف يحقق شرط وجوده، ويحقّق ذاته ويشعر بدوره الحقيقي في الحياة، عندما يعمل بالهدف الربّاني الذي خُلِقَ من أجله وهو العمل والإنتاج.
لذا فإن أي طموح لأي إنسان لا يمكن أن يتحقق من دون توفّر عنصرين أساسين هما (التخطيط ويتبعه التطبيق أو العمل)، وبهذه الطريقة يكون الإنسان هو الركن الأول والأهم في عملية بناء الحياة، لأن جميع أنواع الازدهار والارتقاء تُنسَب إلى الطموح المقرون بالتخطيط والتطبيق.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(يجب أن نفكر ونخطط، ثم نبدأ بالعمل الصحيح وفق ذلك وبالتحرك المخلص والجاد والنشيط، إذ من الواضح أن الطموح والأماني إذا كانت مجردة عن التطبيق والعمل فإنها لا تحقق شيئاً من الرقيّ والتقدم، وإنما الذي يحقق الرقي هو الطموح الذي يتبعه التطبيق والعمل).
من هنا علينا الاحتراس من السقوط في فخ الكسل ومن تبعاته ومن نتائجه الخطيرة، فالكسل إذا هيمن على الإنسان سيكون له عواقب وخيمة، سوف تطال الكسول، وسوف تحرمه من أهم شيء في حياة الناس وهو (التقدم)، لذلك غالبا نلاحظ أن الناس الكسالى يبقون يراوحون في أماكنهم، ثم بعد ذلك يجدون أنفسهم في المراتب الأخيرة أو السفلى.
وفي نفس الوقت تجد هؤلاء الكسالى هدفا للمشاكل بمختلف أنواعها، ومن ثم المعاناة المستدامة من النواقص ومن شروط الحياة المزدهرة، يحدث هذا عادة للشباب الكسالى، الذين يفضلون الراحة على العمل وعلى الحركة، ويستعيضون عن ذلك بالأحلام والتمنّي والغوص بعيدا في الأوهام التي يصنعها الإنسان لنفسه لتكون مصيدة تدمّر حياته.
الإمام الشيرازي يحذر من هذه النتيجة حين يقول:
(إذا عمل الإنسان سوءا بالمعنى الأعم الشامل للكسل سيُجزى به، ويتأخر في الحياة، وتنصبُّ عليه المشاكل والويلات).
الإنسان المثابر يحتلُّ قمةَ الازدهار
ويضرب لنا سماحته رحمه الله مثلا من صُلب الحياة، فيؤكد الفارق الكبير بين طالب مجدٍّ مثابر مداومٍ ومواظب على تحضير دروسه ومراجعتها وحفظها وفهمها بالشكل المطلوب، وإن كان هذا العمل متعِبا، وبين طالب (كسلان) يميل إلى اللهو الفارغ الذي يشتت الوقت بلا مقابل أو يترك النوم يخطف أثمن الأوقات من عمره، فيغوص في الخمول ويترك الجد والعمل.
ومن ثم حين تظهر نتائج الطالب المثابر والطالب الخامل، سيطهر البون الشاسع في نتائج الاثنين، فالمثابر العامل المتحرّك الجاد يقطف أعلى الدرجات والنتائج، ونقيضه الكسول يقبع في قعر السقوط والفشل، وهذه نتيجة عادلة طبعا.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن طالب المدرسة حين يذهب إلى قاعة الدرس من دون تحمّل للمسؤولية والجد والاجتهاد، ويقضي وقته في فراغ وكسل، ولا يحفظ دروسه، ولم يقم بتحضيرها، ولا مراجعتها ولا المباحثة فيها، ولم يسهر لتدارك ما فاته من أمر حفظها وتحصيلها، فإن عمله هذا مندرج أيضاً في دائرة عمل السوء).
ولهذا سوف يلاحظ الجميع ذلك الفارق بين الشاب الجاد الحيوي العامل المثابر وبين نقيضه من الشباب، حيث تكون النتائج أشهر من نار على علم، فتجد الإنسان المثابر يتربع على قمة الازدهار والتقدم، وتنفتح له أبواب النجاح على مصاريعها، فيما تنغلق بقوة أمام الخاملين الكسالى القاطنين في زنازين الخمول والتمنيات البائسة.
وهذا النوع من الكسل والجمود، حتما سوف ينتمي إلى العمل السيّئ من دون أدنى شك، لأنه سوف ينعكس على طبيعة حياة (الخامل الكسول)، ولا تقف النتائج عند هذا الحد، بل ستنعكس على المجتمع أو البيئة الاجتماعية التي يتواجد فيها الخاملون، وهكذا سوف تخرج نتائج الكسل من دائرة الخير لتدفع بصاحبها نحو دوائر الشر بأنواعها.
الإمام الشيرازي يحذّر من هذا الأمر فيقول:
(إن الإنسان إذا كسل سوف يتأخر ويفشل؛ لأن كل من عمل السوء يجزى به، والسوء ـ كما قلنا ـ لا يعني المعصية والعمل القبيح فقط، بل هو شامل لكل ما هو خارج عن دائرة الخير والفضيلة وداخل في دائرة الشر والرذيلة كالكسل والخمول).
ولا تتوقف نتائج الكسل والخمول عند حدود الدنيا فحسب، ولا تصيب الإنسان الخامل في دنياه فقط، وإنما تذهب معه إلى الدار الآخرة، وهناك سوف يجد نتائج كسله وخموله بانتظاره، وسوف ينال بسببها ما يستحقه من حساب وعقاب، لأنه لم يستجب إلى الهدف الرباني الذي خُلِق من أجله، فغيره من الناس والشباب ثابر واجتهد وعمل بسعيّ جاد وقويّ، بينما ضاع الكسول في مستنقع الخمول والكسل ولم يحقق ذاته ولا الهدف من وجوده في الحياة.
ولهذا قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: (من كسل عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته
أكسل).



اضف تعليق